كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟

وسط سيادة الـ«فرانكو آراب» والعامية «الركيكة»

كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟
TT

كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟

كيف أثّرت «السوشيال ميديا» في اللغة العربية؟

تعترف داليا القاضي (43 عاماً)، موظفة بأحد بنوك العاصمة المصرية القاهرة، بإحباطها من عدم استطاعتها إقناع ابنها طالب المرحلة الثانوية (15 عاماً) بأن يراسلها بحروف عربية خلال محادثاتهم السريعة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «يتمسك ابني بكتابة الكلمات العربية ولكن بحروف لاتينية، ورغم أنني أفهم المقصود، فإنني أجد صعوبة كبيرة في فهمه بسلاسة، وأشعر بأنني أقوم بحل ألغاز، بينما يبرر ابني أسلوبه هذا بأنه أسهل في التواصل».
ولا تبدو ما تتحدث عنه الأم هنا بعيداً عن سياقات يومية تبدو فيها اللغة العربية المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي في حالة فوضى كتابية، حائرة بين حروف «فرانكو آراب» وميلٍ للكتابة بالعامية السريعة الغارقة في الأخطاء الإملائية، وسط عزوف عن استخدام الفُصحى في المشهد العام لتلك الوسائط.

تخفٍّ لغوي
ويرى الدكتور خالد فهمي، أستاذ اللغويات في كلية الآداب جامعة المنوفية والخبير بمجمع اللغة العربية في مصر، أن ما تمسى بـ«الفرانكو آراب» و«اللغة الموازية التي تميل للركاكة»، لا تحمل دلالات لغوية فحسب، وإنما تتصل بأبعاد نفسية وسوسيولوجية وحضارية، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الطرق الجديدة الشائعة في كتابة العربية نمط من التهجين اللغوي الذي يلجأ إليه عادةً الشباب من أجل التواصل، بحثاً عن السهولة والخصوصية، وهو بمنزلة اختراع للغة على هامش المجتمع، تتيح لهم قدراً أكبر من التخفي، وهو انعكاس في حد ذاته لفكرة الجُزر المنعزلة التي تعيشها طبقات وفئات عمرية مختلفة داخل المجتمعات العربية، وتتجلى تلك الانعكاسات في اللغة التي تظهرها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص».


دردشة على واتساب بـ«الفرانكو آراب
»

ولا تقتصر انعكاسات فوضى التعامل مع اللغة العربية على «التهجين اللغوي» كما يصفه الدكتور خالد فهمي، بل يمتد إلى الاستخفاف بها عمداً أو جهلاً، وهو ما عبّر عنه الكاتب والسيناريست المصري عبد الرحيم كمال قبل أيام في تدوينة له عبر «تويتر»، يغلب عليها طابع الرثاء، قال فيها: «لقد انتصر الذين يكتبونها (لاكن) على الذين يكتبونها (لكن) وصاروا أغلبية، بل صاروا نخبة تتحكم وتحكم على أذواق وسلوك الآخرين، لقد صارت الصفوف الأولى يجلس فيها من يكتبون (إنشاء الله) و(الله وأكبر)، ولا عزاء للباقين سوى يوم القيامة».
https://twitter.com/officialakamal/status/1615205821310271489
وقد راجت خلال الأيام الماضية على وسائل التواصل الاجتماعي عاصفة من الانتقادات بعد تداول صور لامتحان في مادة «الدراسات الأسلوبية» بكلية الألسن جامعة عين شمس في مصر، تتناول جزءاً من أغنية «البخت» لمغني الراب المثير للجدل «ويجز»، وسط دفاع من الكلية، في بيان رسمي، قالت فيه إن «من أسس امتحانات الدراسات اللغوية الاعتماد على تعدد اللهجات، واستخدام اللغة الفصحى والعامية لتنمية مهارات الطلاب للتعامل مع مختلف طرق الترجمة». وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تأثير لغة «السوشيال ميديا» والمؤثرين بها في اللغة العربية، والحركة الثقافية المرتبطة بها بشكل عام.

سؤال العصرية
يلفت الدكتور خالد فهمي إلى السياقين الحضاري والثقافي اللذين لا نجد فيهما، حسب تعبيره، «مؤسسة تطلب ضمن شروط عملها إجادة اللغة العربية الفصحى»، في مقابل اشتراط اللغة الأجنبية كشرط للعمل، وهذا السياق جعل العصرية كأنها منافية لإتقان اللغة العربية، وجعل المستخدم يميل للغة يراها أقرب لطبيعة وسائل الاتصال والسياق المحيط بها».
ووفقاً لأحدث إحصائيات موقع «إحصائيات عالم الإنترنت» فإن اللغة العربية احتلت عام 2022 المرتبة الرابعة ضمن أكثر 10 لغات استخداماً على الإنترنت، مسجلةً نحو 237 مليون مستخدم نشط للإنترنت، بواقع 5.2 في المائة على مستوى العالم، لتأتي بعد كلٍّ من مستخدمي اللغات الإنجليزية والصينية والإسبانية.
وقد نشرت مجلة «الرسالة للدراسات والبحوث الإنسانية»، في أبريل (نيسان) الماضي، دراسة بعنوان «اللغة العربية في وسائل التواصل الاجتماعي بين مآلات الاضمحلال ومقوّمات الصمود»، للباحث الجزائري بلعباس يوسف، تناولت تأثيرات «فيسبوك» على اللغة العربية، راصدة التغيّرات في مستوى اللغة في دردشات الشباب عبره، وأفادت بأن «الخليط اللغوي الجديد من الرموز والأحرف والأرقام واللّهجة العاميّة، سمح باستحداث لغة جديدة غريبة تعبّر في جوهرها عن فقدان الهوية وإفراغ اللّغة من قيمتها، أطلق عليها اللغة (الفيسبوكية)، ويراها مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي سهلة وسريعة ومفهومة».
واستخدمت الدراسة أداة الاستبيان لجمع المعلومات عن عيّنة قوامها 100 طالب وطالبة من كلية اللّغة والآداب قسم اللّغة العربية بجامعة «غليزان» بالجزائر، وتوصّلت إلى وجود تأثيرات عميقة تهددّ اللغة العربية، وأن «فيسبوك» يشكل خطراً على مستقبلها.

وكانت دراسة أخرى أجرتها الباحثة السعودية ظافرة الأحمري، بكلية العلوم والآداب بجامعة «الملك خالد» السعودية، عام 2015، قد استقصت «الجانب السلبي والتأثير البالغ على اللغة العربية من مستخدمي وسائل التواصل»، وعززت بحثها باستطلاع للرأي قوامه 460 شخصاً من مستخدمي وسائل التواصل تراوحت أعمارهم من 16 إلى 40 عاماً، وأوضحت نتائج الدراسة أن 52 في المائة منهم يرون أن تلك الوسائل أثّرت بشكل سلبي على اللغة العربية.

أزمات يومية
وحسب الكاتب والصحافي المصري حسام مصطفى إبراهيم، مؤسس مبادرة «اكتب صح» التي تهتم برصد الأخطاء اللغوية في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن أبرز الأخطاء التي تشوب اللغة على مواقع التواصل سببها «السرعة والخفّة التي يتعامل بها رواد (السوشيال ميديا) من ناحية، وافتقارهم من ناحية أخرى لأساسيات الإملاء والنحو، وعدم إدراكهم أهمية ذلك، بالإضافة إلى طغيان العامية على تعاملاتهم، ومع ذلك فكثيرون منهم يسعون للتعلم، ويقصدون صفحات المبادرات اللغوية مثل (اكتب صح) و(نحو وصرف) و(صحح لغتك) و(كبسولات لغوية) التي حققت نجاحات لا يمكن إغفالها، وتنشر يومياً تقريباً دروساً لغوية بلغة بسيطة ومشتبكة مع استخدام اللغة اليومي»، كما يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط».
ويضيف مصطفى: «من أشهر الأخطاء التي يقع فيها مستخدمو شبكات التواصل الخلط بين الهاء والتاء المربوطة، وكتابة ألف الوصل وهمزة القطع خطأ، وعدم التمييز بين الألف المقصورة (ى) والياء الشامية، لكن المثير للدهشة أنهم ليسوا وحدهم من يفعلون هذا، فالخطأ يمتد للمواقع الإخبارية الكبيرة وبعض الصفحات الشهيرة، بالإضافة إلى الأخطاء اللغوية التي تحاصرنا ليل نهار في مترو الأنفاق وماكينات صرف الأموال، ولافتات المرور والمحال التجارية، مما يشي بأنها مشكلة عامة ولا تخص فئة دون غيرها».

ويجتهد بعض مستخدمي «السوشيال ميديا» المتحدثين بالعربية، في تطويع مصطلحات «وسائل التواصل» الإنجليزية الأكثر تداولاً ضمن تركيبات عربية هجينة، مثل: «أبلّك» المأخوذة عن مصطلح block، و«أشيّر» المأخوذ من تعبير share، و«أَكَبْيَر» من copy، و«أدلّت» من delete... وهي التعبيرات التي يقول عنها الباحث في مجال الإعلام الرقمي خالد البرماوي إن «المستخدمين عادةً ما يبتكرون استخدامات يرون أنها مناسبة لإيقاع منصات التواصل الاجتماعي، سواء باستخدام ألفاظ مُحرَّفة عن الأجنبية أو لاتينية مُعربة»، والأخطر، على حد تعبيره هو «اللجوء للتشويه، فيصبح اللفظ لا هو من اللغة الأم ولا هو أجنبي»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».
ويرى البرماوي أن وسائل التواصل الاجتماعي بما لها من خصوصية السرعة في التواصل، أثّرت بالسلب في الكثير من اللغات وليس العربية فقط: «أثرت (السوشيال ميديا) على اللغات، خصوصاً مع طبيعة الإيقاع السريع لتلك الوسائل، والحاجة المستمرة لاختصار الكلمات، وتلك السرعة لم يكن معظم علماء اللغويات مستعدين لاستيعاب خصوصيتها».
ويرى الخبير الرقمي أن مشكلة اللغة العربية تعد مضاعفة مع «عدم وجود علاقة قوية بين المبرمجين واللغة العربية، علاوة على أننا دخلنا عصر (السوشيال ميديا) في وقت تعاني فيه المحتويات العربية من ضعف لافت، حتى الترجمة التي توفرها بعض المواقع إلى العربية تتسم بالركاكة حتى الآن». وأشار إلى أن «غالبية مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي هم من جمهور الشباب، ما يعطي مؤشرات حول استهلاك اللغة والميل لاستخدام المصطلحات السائدة في ثقافة (السوشيال ميديا) دون تعريب»، على حد تعبيره.

لِسان العرب
أما الدكتور مصطفى عبد المولى، الباحث في مجمع اللغة العربية، فيدعو لتأمل كثير من صفحات المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي قائلاً: «كثير من تلك الصفحات هي لصناع محتوى لديهم آلاف وأحياناً ملايين المتابعين، ويمكن من خلالها رصد أخطاء إملائية فادحة وصياغات ركيكة، تكاد تقترب من الأخطاء التي كان يرتكبها من يتعلمون القراءة والكتابة»، مضيفاً: «قرأت منذ قليل في منشور يتابعه آلاف المتابعين كلمة (الكبره) بدلاً من (الكبرى)، وهذا خطأ يمكن مصادفته عشرات المرات في اليوم الواحد»، كما يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط».
ويرى عبد المولى أن «المفردات التي خرجت من جعبة ثقافة (السوشيال ميديا) لها في الغالب مرادفات عربية، فبدلاً من كلمة (أبلّك) هناك بديل فصيح وهو (أحظر) وبدلاً من (عملت سيرش) هناك كلمة (أبحث)»، موضحاً أن «المشكلة ليست في إتاحة البديل العربي، بقدر ما هي أزمة ثقافية في تلقي البديل العربي بنوع من الشعور بالدونية أو الخوف المجتمعي من الاتهام بعدم العصرية».
«ركاكة» التعبيرات المتداولة أو عدم الاعتناء باستخدام اللغة العربية هما انعكاس لحالة أشمل من الانحدار الثقافي بشكل عام، حسب عبد المولى الذي يُشبّه الوقت الراهن بالظروف التي واكبت كتابة الأديب والمؤرخ ابن منظور لكتابه العلامة «لسان العرب»، الذي كتبه في وقت كانت تعاني فيه اللغة العربية من تشتت وانحدار ثقافي واستغناء من جانب أهلها واللجوء للغات الأجنبية، وهو الكتاب الذي صاغ في مقدمته سبب كتابته له، وقال فيه: «جمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُه بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفُلك وقومه منه يسخرون، وسمّيته لسان العرب».
ويصف الباحث اللغوي «السوشيال ميديا» بأنها آلة تأثيرية أكبر من أي وسيلة إعلامية أخرى، قائلاً: «أتصوّر أن الحديث عن تفصيح (السوشيال ميديا) كمبادرة لن تنجح دون مخاطبة المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي أنفسهم ومحاولة جذبهم لاستخدام مفردات عربية سليمة، فالمتابعون لصفحة (مجمع اللغة العربية) نفسها لا يتجاوزون 110 آلاف متابع، وجمهورها هم من محبي اللغة العربية بالأساس، لذلك فاللجوء لمبادرات مثل (قل ولا تقل) سيظل تأثيره محدوداً في النهاية، إذا ظلت بمعزل عن المؤثرين الحقيقيين على (السوشيال ميديا)، وتصبح عندها كالسباحة ضد التيار».


مقالات ذات صلة

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

إعلام مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
إعلام شعار "ميتا" (رويترز)

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ «خادشة للحياء».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

منصة «لينكد إن» المهنية ملاذٌ جديد للباحثين عن علاقات عاطفية والسبب المصداقيّة في مواصفات المستخدمين، والإرهاق من تطبيقات المواعدة.

كريستين حبيب (بيروت)

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».