عماد جبار تصالح مع ذاته... والمنفى ضاعف حنينه للوطن

الشاعر العراقي يواصل غنائيته في ديوانه الجديد

عماد جبار تصالح مع ذاته... والمنفى ضاعف حنينه للوطن
TT

عماد جبار تصالح مع ذاته... والمنفى ضاعف حنينه للوطن

عماد جبار تصالح مع ذاته... والمنفى ضاعف حنينه للوطن

دائماً الشعر هو الذي يقدم نفسه بنفسه، كما أن القصائد تفصح عن سحرها وسرها دون إفصاح، تمس الأشياء مسا خفيفاً، فتترك في الروح أثراً بليغاً.
وحين أتابع أبناء جيلي وهم يصدرون أعمالهم الشعرية ودواوينهم تنتابني لذة الشعر الطفولية، لأن الكتابة عنهم تعني أنني أكتب عن لحظة اشتركنا بتأثيثها كثيراً، وانطلقنا في حياة القصيدة مسرعين يداً بيد.
الشاعر عماد جبار أحد أكثر الشعراء العراقيين المخلصين لمشروعهم الشعري، بل يكاد يكون الشاعر الأكثر إخلاصاً للشعر من بين كل أبناء جيله، صداقاته سببها الشعر، سفره بسبب الشعر، صمته وصراخه بسبب الشعر، كل شيء في حياة عماد جبار وما يصادفه يحوله إلى طاقة شعرية تضخ دماء جديدة في قصيدته.
تعرفت على عماد أواسط التسعينات، حيث كنا نتردد على بعض المنتديات والمقاهي الثقافية مثل حوار وحسن العجمي، ومنتدى عبد الرزاق عبد الواحد ورابطة الرصافة، كنا غير متوافقين في تلك المدة، فهو يرانا مجموعة صلدة أنا وعدداً من الشعراء، حيث كنا نكتب القصيدة العمودية، بينما عماد كان مخلصاً للنهر الذي شقه السياب، وأخذ طريقه الوسط في تلك المدة التي انقسمت إلى قسمين، فإما أن تكتب شعراً عمودياً، أو تكتب قصيدة نثر، ويبدو هذا التطرف في تبني الأشكال الشعرية في جزء منه يقترب من الشخصية العراقية حادة المزاج، كنا فريقين، أما عماد فكان فريقاً وحده - مع عدد من الشعراء طبعاً الذين يكتبون التفعيلة - إذ يكتب قصيدة التفعيلة بانسيابية عالية ولافتة للنظر، رغم انغماسها - في تلك المدة في ضوء الرومانسيين، ولكن اشتغالها على الهاشمي واليومي في المعسكرات أو أيام الحصار والجوع فتح لها أفقاً أكثر رحابة من كآبة الرومانسيين وفجائعيتهم.
شق عماد جبار طريقه الشعري المتعب في تلك المدة أيام التسعينات. والواقع الشعري أو المنطق الشعري الذي لا منطق له يقول إن من يستطيع أن تزاحم كتفه أكتاف الشعراء العراقيين ويكون له موطئ قدم في الشعرية العراقية، فهذا يعني أن له حظاً عظيماً، ذلك أن الوسط الشعري العراقي وسطٌ وعرٌ وصعب تحديداً في تلك المدة، ومن الصعب أن تثبت أنك شاعر بوجود كل الرواد والأجيال الشعرية العراقية من الخمسينيين والستينيين وحتى جيلنا جيل التسعينات، ذلك الجيل الذي فتح عيونه على نهاية حرب وبداية حرب وحصار وقمع أمني شديد، وانعدام فرص التعليم الجيد، وانعدام فرص العمل، والحياة في اصفرارها.
في تلك المدة أصدر عماد جبار ديوانه الأول «وكانت هناك أغاني»، وهكذا كتبها عماد «أغاني»، وما زلت أتذكر كيف كتب عنه الناقد الكبير عبد الجبار داود البصري، حيث وقف عند كلمة «أغاني» وصححها له، لكن عماد بقي مصراً على حرف الياء في هذه الكلمة، كما كتب عنه عددٌ من النقاد والأصدقاءِ، وكانت الكتابة في الصحافة عن أي شاعر هي عبارة عن حدث عظيم، لأن الصحافة محدودة، حيث تصدر أربع صحف رسمية وتتوزع في كل العراق، هذا يعني أن أي حرفٍ يُكتب عن شاعرٍ سيقرؤه عددٌ كبيرٌ من العراقيين.
عماد جبار صعد نجمه منذ تلك المدة، حيث كُتبتْ دراساتٌ ومقالاتٌ عن ديوانه الأول، وبدأ يتكرس شاعراً معروفاً له أسلوبه وخصوصيته في الكتابة وفي الحضور الشعري.
شاءت الأيام أن نكون معاً أنا وعماد حيث فزنا بجائزة الصدى (المبدعون للشعر) سنة 2000 وسافرنا معاً إلى عمان ومن ثم إلى دبي، وهي أول رحلة لنا في تلك الأيام البائسة أيام الحصار والجوع، تسكعنا طويلاً وقرأنا الشعر معا وأخذنا الجائزة معاً، وحين انتهت رحلتنا عدتُ لوحدي، وبقي عماد جبار خارج أسوار البلد حالماً بمدن أخرى تضمد وحشته.
هاجر عماد جبار إلى آخر الدنيا في مدينة شبه خالية حتى من العراقيين الذين ملأوا المنافي، وبقي وحيداً يدور في شوارعها، وبدأت تجربته في المدن تأخذ منحى مختلفاً، حيث تخفف من الكثير من الأعباء التي كانت تتعلق بقصيدته، العائلة والأهل والمحلة والمعسكر والأصدقاءِ والوطن، والحبيبة، وأشياء أخرى كانت تنام أو تحبس قصيدته وتمنعه من الطيران، وكأن عماد تحول إلى شاعر آخر، رغم أن لغته بقيت هي هي، حيث لم يطرأ عليها تغييرٌ كبيرٌ، ذلك أنها ممتلئة ماءً ومتشربة دفئاً، فالذي تحول لدى عماد هو زاوية النظر للأشياء وموقفه من العالم والوجود، واقترابه من العوالم الروحانية التي تتصالح مع العالم كله، وبهذا نجد نصوصاً لعماد جبار - لولا لغته التي نشخصها - لما عرفنا أنها له أساساً، وهي مسألة مهمة تقع في صالح الشعر، ذلك أن عماد جبار حين تخفف من الكثير من الأشياء بدأ يكتب الشعر للشعر ذاته، وهي مرحلة مهمة جداً يحتاج الشاعر لسنوات طويلة لكي يخلص لقصيدته، ولا وظيفية من الشعر إلا الشعر نفسه، ذلك أن الشعر حين يكون جسراً لغايات ما فإنه يتنازل عن موقعه الأول، وبهذا نخسر الكثير من بريق الشاعر وكبريائه، عماد جبار استطاع أن ينتج نصوصاً لا غرض من ورائها إلا الشعر، فمثلاً يكتب عن مديح الشجر أو زهر الأواني أو أسئلة الغصن أو الورق الأصفر:
«أنسى غدي
أمشي طويلاً تاركاً لبرودة الأمطار
أن تجري على نظارتي
أمشي طويلاً ممسكاً بيد ابنتي
أمشي طويلاً في الطريق إلى دفاترها
إلى ألعابها
وضجيج طلاب المدارس
ممسكاً بيدٍ كقلب الطير تخفق في يدي
أنسى غدي»
إن تلك الموضوعات ربما لا تطرأ ببال عماد لو بقي في العراق، سيبقى مشدوداً طوال الوقت للحياة العراقية الصاخبة، وستأخذه الموضوعات الكبرى الوطن والناس والجوع والصراعات لتكون حقله الدلالي الذي يدور ويحرث فيه، ولكنه حقل يشبه مئات الحقول لدى الشعراء، أما تلك الزاوية الصافية التي استدل عليها عماد وعكف على كتابة بعضٍ منها فهي دليل عافية شعرية كبيرة صنعت له أفقاً شعرياً ضاجاً بالدلالات والرؤى.
هذا لا يعني أن عماد جبار تخفف تماماً من حزنه وحنينه، على العكس فقد تضاعف حنينه للوطن في نصوص عديدة، ولكن الذي طرأ على شعرية عماد جبار هو دخول موضوعات جديدة فرضتها عليه طبيعة الحياة التي عاشها، وهذا يعني أنه يؤثر ويتأثر بالمكان الذي يعيش فيه، فهو لم يغلق تجربته الشعرية على ما اكتمل بها في وطنه، بل بقي صندوقه الشعري مفتوحاً للكثير من الأسرار والتجارب واللقى، عماد جبار في نصوصه التي كتبها في المنفى متصالح مع ذاته ومع الآخرين في معظمها، وهي نادرة أن يكون الشاعر العراقي متصالحاً في قصيدته مع ذاته ومع الآخرين دون أن يجرح أحداً.
«مخطئاً أم غير مخطئ
سامحوني
ليس لي أعداء في قلبي
فقد أفرغت قلبي كله
من كل بغض صدقوني»
فرغم وضوحها ومباشرتها إلا أنها تشير بوضوح أن تجربة روحية تتشكل في قلب هذا الفتى، لا تشبه أيامه في العراق حين يتحدث عن «قدح من دمي للبعوض»، أيام كان جندياً في المعسكرات، أو أن يصف أصدقاءه الراحلين بالمسامير التي تدق في القلب وحين يغادرون (واحداً واحداً يرحلون) فإنهم يخلعون المسامير واحداً واحداً، بينما يكتب في المنفى عن الأصدقاء:
«أنت ضيفي
كلما احتجت إلى وجه صديق
أنت سقفي
كلما جاء المطر
موحشاً في آخر الدنيا
ومحموماً أفيق
... رغم أن الأرض خضراء
وخضراء
وخضراء
ولكن
تقفر الدنيا بلا وجه صديق»
الفكرة هي الفكرة نفسها، فكرة الخوف من غياب الأصدقاء، ولكن في العراق يؤطر صورتهم بالمسامير، فيما هنا اختلفت طريقة المعالجة، لأن النظر إلى العالم اختلفت زاويته لدى عماد.
بقي عماد مخلصاً لصوته الشعري، ذلك أن صوته الشعري بقي هو هو لم يتغير، وأناه الشعرية حاضرة بقوة في كل النصوص دون أن يختفي خلف قناعٍ ما أو أسطورة يلوذ بها، أو يغذي من خلالها نصوصه الشعرية، وبهذا فإن غنائيته الجارحة والماطرة في الوقت نفسه بقيت مستمرة على طوال مسيرته الشعرية، وهي كما يبدو جزء من هويته الشعرية التي لا يتنازل عنها.
هذه المجموعة (لا بد من نقص ليكتمل الوجود) تأتي متوجة لتجربة المنفى، وكيف استطاعت قصيدة عماد أن تركض حافية القدمين في شوارع الغربة، وأن تصادق الأغصان والأشجار، ذلك هو النقص الذي يبحث عنه الشعراء لكي تكتمل تجاربهم الشعرية.
هذه المجموعة الصادرة من «دار أجنحة» في السودان مؤخراً تفصح عن الكثير من شعرية عماد جبار المغايرة، وتعطي للقارئ مساحة للتعرف على عماد شاعراً ممتلئاً بالحكمة والصمت.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.