«مذبحة 13 نوفمبر»: باريس ضمدت جراحها... لكن بعض الكدمات لا يُمحى

«الشرق الأوسط» تجول على المواقع التي استهدفها انتحاريو «داعش» عام 2015

ملهى باتكلان الذي استهدفه إرهابيو «داعش» في ليلة 13 نوفمبر 2015 المشؤومة (الشرق الأوسط)
ملهى باتكلان الذي استهدفه إرهابيو «داعش» في ليلة 13 نوفمبر 2015 المشؤومة (الشرق الأوسط)
TT

«مذبحة 13 نوفمبر»: باريس ضمدت جراحها... لكن بعض الكدمات لا يُمحى

ملهى باتكلان الذي استهدفه إرهابيو «داعش» في ليلة 13 نوفمبر 2015 المشؤومة (الشرق الأوسط)
ملهى باتكلان الذي استهدفه إرهابيو «داعش» في ليلة 13 نوفمبر 2015 المشؤومة (الشرق الأوسط)

كان مساء يوم جمعة رائعاً. إنه بداية العطلة الأسبوعية. باريس تعيش حالة إثارة استثنائية. فريق كرة القدم الوطني يتحضر لمواجهة نظيره الألماني في الملعب الكبير القائم في محلة «سين سان دونيس» الواقعة على مدخل العاصمة الشمالي. ثمانون ألف مشجع كانوا يتدفقون أفواجاً على الملعب يتقدمهم رئيس الجمهورية فرنسوا هولند في حين وصل وزير الخارجية الألماني فرانك فولتر - شتاينماير لتشجيع فريقه. أرصفة المقاهي تعج بالزبائن، خصوصاً تلك التي كانت ستنقل المباراة على شاشات كبيرة. المطاعم، كبيرها وصغيرها على حد سواء، كعادتها مساء الجمعة، عندما يتيح الطقس ذلك، تتمدد إلى الأرصفة. وذاك المساء، كانت السماء صافية والحرارة معتدلة؛ ما شجع الفرنسيين والسياح للاستفادة ربما من أواخر الفرص لريادة المطاعم وللتنزه في شوارع وجادات باريس الجميلة. وفي الدائرة العاشرة من باريس، حيث يقع مسرح وملهى الباتاكلان عند الرقم 50 من بولفار فولتير، كان الزبائن وأكثريتهم الساحقة من الشباب، يقفون في صفوف طويلة للدخول إلى هذا المعلم الفني الاستثنائي من أجل سهرة موسيقية أميركية. المبنى فريد من نوعه في باريس؛ إذ بُني في العام 1864، زمن حكم الإمبراطور نابوليون الثالث على طراز «الباغود» الصينية وكان يسمى لسنوات «المقهى الصيني الكبير».
باختصار، ذاك الـ13 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2015 كان يراد له أن يحمل الفرح والسعادة للناس. لا أزمات اجتماعية أو اقتصادية حادة ولا حروب على أبواب فرنسا أو في جوارها القريب، كما الحال اليوم. النقطة السوداء الوحيدة في هذا المشهد الاستثنائي كان اسمها الحرب في سوريا والعراق وصعود تنظيم «داعش» الذي أقام «خلافة» مزعومة على أجزاء من الأراضي السورية والعراقية. والأهم من ذلك بالنسبة لباريس أمران: الأول، تدفق مئات الفرنسيين على ميادين القتال للانخراط في صفوف «داعش» الناشط على وسائل التواصل الاجتماعي لاجتذاب المقاتلين. والآخر، التهديدات التي يطلقها بين الحين والآخر بحق البلدان «المارقة»، ومنها فرنسا. لكن لا أحد في تلك الليلة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية الفرنسية، كان يدور في خلده أن مأساة كبيرة كانت قيد التحضير وأن ثلاث فرق إرهابية موجودة داخل العاصمة تتأهب للقيام بأكبر عملية قتل جماعية عرفتها فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. صحيح أن باريس عرفت هجمات إرهابية سابقة في العام نفسه استهدفت صحيفة «شارلي إيبدو» ومتجراً يهودياً، إلا أنها كانت محدودة الأهداف ومن فعل عدد قليل من الإرهابيين ولا تقارن بشيء مما كان يحضّر لتلك الليلة التي شهدت عمليات كوماندوس حقيقية من مجموعات ثلاث بالغة التنظيم وتأتمر بما يأتيها من سوريا ومن مدينة الرقة تحديداً.

مطعم «لو كاريون» الذي شملته الهجمات (الشرق الأوسط)

ثلاث مجموعات كوماندوس

كانت هجمات تلك الليلة المشؤومة محكمة التنظيم. ثلاث مجموعات انطلقت من ثلاثة أحياء مختلفة وكانت أهدافها ثلاثة: الملعب الكبير، مقاهٍ ومطاعم في الدائرتين العاشرة والحادية عشرة، وملهى الباتاكلان حيث تواجد 1500 شخص للاستمتاع بالسهرة الموسيقية التي كانت تحييها فرقة «أيغل أوف ديث ميتال» الأميركية. الهجمات جاءت متزامنة بدءاً من الساعة التاسعة وعشرين دقيقة قرب الملعب الكبير، حيث حصلت ثلاث تفجيرات انتحارية. وحاول أحد الإرهابيين الثلاثة أن يجتاز الحاجز الخارجي إلا أن أحد الحراس نهره لأنه لم يكن يحمل بطاقة دخول؛ فما كان منه إلا أن ابتعد قليلاً وفجّر نفسه ليتبعه بعد دقائق قليلة تفجيران انتحاريان إضافيان. ولحسن الحظ، فإن «الداعشيين» الثلاثة لم يبدأوا عمليتهم إلا بعد أن كانت المباراة قد انطلقت، فإن التفجيرات الثلاثة لم توقِع سوى قتيل واحد وبضعة جرحى. وكانت هذه الأعمال الانتحارية الأولى من نوعها التي تعرفها فرنسا. وبعد التفجير الأول، عمد رجال الأمن والحرس الرئاسي إلى إخراج هولند من الملعب الكبير بشكل آمن في حين استمرت المباراة بحيث لم يعلم الجمهور شيئاً مما يجري في الخارج. وبحسب خبراء، فإن مقتلة كانت ستحصل داخل الملعب لو نجح أحد الإرهابيين بالدخول إليه وقام بتفجير نفسه بين الجمهور.
في الوقت عينه، نزل ثلاثة إرهابيين مدججين بالسلاح من إحدى السيارات الثلاث المسـتأجرة في بروكسل لهذا الغرض في الدائرة العاشرة. وباشروا فوراً بإطلاق النار على رواد المقاهي والمطاعم، فاستهدفوا تباعاً مطعم «لو بوتي كومبودج» ثم «لو كاريون» ثم «كافيه بون بيير» فـ«كوزا نوسترا»، مستكملين «غزوتهم» القاتلة باتجاه «لو كونتوار دو فولتير» لتنتهي بهم هذه الجولة أمام مقهى «لا بيل ايكيب» في الدائرة الـ11، حيث قام أحد الثلاثة بتفجير نفسه أمام المطعم المذكور بينما لاذ اثنان من المنفذين بالفرار بينهم المسؤول «الميداني» عبد الحميد أبا عود، وهو حامل للجنسيتين المغربية والبلجيكية. والمحصلة، إضافة إلى حالة الخوف والهلع والبكاء والصريخ والهروب من الموت التي اجتاحت هذه الأحياء، كانت 39 قتيلاً و32 جريحاً.
بيد أن رعب الشوارع لا يقاس بتاتاً بما حصل داخل ملهى «باتاكلان». فمنذ لحظة نزول القتلة الثلاثة من السيارة التي أقلتهم، بدأوا بإطلاق النار على الأشخاص والحرس خارج الملهى. ولدى ولوجهم إلى الداخل، باشروا بإمطار الحضور بوابل من الرصاص دون تمييز مع رغبة واضحة بالقضاء على أكبر عدد ممكن من الناس. ولأنهم كانوا يتخوفون من تدخل الشرطة ورجال الأمن، أو من استهدافهم بالرصاص من الخارج، فقد سدّوا المدخل والنوافذ بمجموعة من الحاضرين. وطيلة دقائق لا تنتهي، واصل الثلاثة عملية القتل الجماعي التي لم تنته إلا في الساعة الواحدة إلا دقيقتين من يوم السبت بعد أن نجح رجال الأمن في الوصول إلى الطابق الأول، حيث احتجز إرهابيان عشرات الرهائن لحماية نفسيهما من احتمال القضاء عليهما. وكان الإرهابي الثالث قد قُتل على أيدي رجل أمن في الدقائق العشر الأولى، إلا أن وقوعه أدى إلى انفجار الحزام الناسف الذي كان يحمله. وجاءت المحصلة ثقيلة للغاية؛ إذ قتل 90 شخصاً وأصيب العشرات بجروح، منهم 90 شخصاً حالتهم خطرة. وكانت المحصلة النهائية الجماعية 131 قتيلاً و300 جريح.

مطعم ومقهى «لا بون بيير» في شارع «لو تومبل» (الشرق الأوسط)

حالة الطوارئ

إزاء هذه الضربة التي حلّت بفرنسا والخوف الذي ألمّ بالمواطنين، سارعت حكومة فرنسوا هولند، في اليوم التالي، إلى إعلان حالة الطوارئ على كامل الأراضي الفرنسية وهي الأولى منذ المحاولة الانقلابية ضد الحكومة انطلاقاً من الجزائر في العام 1958، وإلى تشديد الرقابة على الحدود وإنزال وحدات من الجيش ورفع حالة التأهب الأمني... والتخوف الكبير كان توقع وجود مجموعات إرهابية أخرى على الأراضي الفرنسية، في حين الهمّ المباشر وضع اليد على الإرهابيين اللذين نجحا في الفرار واللذين قضي عليهما في ضاحية سان دوني بعد ثلاثة أيام مختبئين في شقة استؤجرت لصالحهما. ومن كل أفراد الكوماندوس المولج تنفيذ العمليات وليس توفير الدعم اللوجستي، لم يبق على قيد الحياة إلا صلاح عبد السلام الذي نجح في الفرار إلى بلجيكا ولم يقبض عليه إلا بعد ستة أشهر. وفي محاكمة دامت عشرة أشهر، كان عبد السلام الوحيد الذي شارك مباشرة في العملية وكان دوره تفجير حزامه الناسف الذي رماه لحظة هروبه من ساحة العمليات وزعم لاحقاً أنه امتنع عن التنفيذ لرفضه قتل مدنيين. إلا أن تقرير الادعاء أفاد بأن حزام عبد السلام لم ينفجر. وفي نهاية يونيو (حزيران) الماضي، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد غير قابل للتعديل في حين تفاوتت أحكام الآخرين الذين لعبوا أدواراً لوجيستية متنوعة بين عامين إلى ثلاثين عاماً من السجن. وبُرّئ شخص واحد من التهم الموجهة إليه.
كان من الطبيعي أن تثير موجة القتل الجماعي موجة من التعاطف مع فرنسا عبر العالم. إلا أنها، بالمقابل، وضعت المسلمين في قفص الاتهام باعتبار أن القتلة زعموا زيفاً أنهم يدافعون عن الإسلام. وسارعت الحكومة إلى التنبيه من مخاطر الانقسامات وشددت، بالانسجام مع المسؤولين عن مسلمي فرنسا، على أن هؤلاء هم أولى ضحايا الإرهاب. بيد أن هذه المساعي لم تكن كافية وسعى اليمين المتطرف وبعض الأصوات الرديفة إلى استغلال المأساة للتنديد بضعف الحكومة وباستحالة تكيّف المسلمين مع قيم الجمهورية، إلى غير ذلك من المزاعم العنصرية التي وجدت في العمليات الإرهابية وقودا يغذي آيديولوجيتها. وتبع ذلك استصدار مجموعة من القوانين التي أريد منها محاربة التطرف والأصولية وما سمي لاحقاً «الانفصالية الإسلاموية».

زواج صلاح عبد السلام

اليوم، تمر سبع سنوات على تلك الليلة المشؤومة، إلا أن مأساة 13 نوفمبر 2015 ما زالت في أذهان الناس، وخصوصاً في أذهان أقارب الضحايا الذين قُتلوا والجرحى الذين أصيبوا. وجاءت المحاكمة التي دامت عشرة أشهر لتنكأ الجراح مجدداً وتعيد إلى الذاكرة الصور المرعبة التي حُفرت في أذهان الناس. وخلال ساعات طويلة، استمعت المحكمة إلى شهادات الضحايا وأقربائهم واستمعت أيضاً للمتهمين وعلى رأسهم صلاح عبد السلام لفهم ما حصل. وتراوحت ردود الأفعال على المحاكمة التي شملت عشرين شخصاً بينهم ستة غيابياً (أكثريتهم ممن قُتل في المعارك في سوريا والعراق) بين الإحباط والشعور بأن العدالة أخذت مجراها. وآخر ما استجد الأسبوع الماضي خبر الزواج الديني لصلاح عبد السلام وهو في السجن، وقد تم عبر الهاتف وقد اختارت عائلته المقيمة في بلجيكا عروسه وهي غير خطيبته التي انفصل عنها قبل أيام قليلة على عمليات باريس. ووفق الحكم النافذ بحقه، فإن عبد السلام لن يخرج من السجن أبداً طيلة حياته.
لا تحب الطبيعة الفراغ. ولأن هذه سُنة الكون، فقد استعادت الحياة نبضها منذ زمن بعيد في الأحياء والأماكن التي كانت مسرحاً للمجزرة. فالتحدي الأكبر كان عنوانه استمرار الدورة الطبيعية والتغلب على الخوف ورفض الخضوع للتهديدات الإرهابية. ولذا؛ بعد مرور فترة زمنية قليلة على أحداث 13 نوفمبر، وبعد انتهاء التحقيقات الأمنية، أعادت المقاهي والمطاعم والحانات فتح أبوابها أمام الزبائن بعد إصلاح الأضرار والتغلب على الصدمة. أما ملهى «باتاكلان» فله قصة أخرى. فقد أكد مديره جول فروتاس سابقاً، أن الإدارة قررت إصلاح الأضرار الكبيرة التي حلّت بالملهى وإعادة ترميمه ليعود كما كان تماماً دون أي تغيير. وقد استغرقت هذه العملية عاماً كاملاً وأعيد فتحه في 12 نوفمبر عام 2016. وسعت «الشرق الأوسط» للقاء مدير «باتاكلان» أو أحد مسؤوليه. إلا أن إدارته ردت الطلب بحجة أن ما أرادت قوله بخصوص العملية الإرهابية التي استهدفت الملهى وزبائنه وتبعاتها قد قيل ولا شيء جديد تضيفه. ويبين موقع الملهى على موقع الإنترنت أن برنامج أنشطته الفنية ممتلئ تماماً. لكن الملاحظ أن لا نشاط مقرراً ليوم 13 نوفمبر في حين الأيام اللاحقة وحتى للعام 2023 تضج بالحفلات الموسيقية والرقص والمحاضرات وعروض الأزياء...
وفي الجولة الموسعة التي قامت بها «الشرق الأوسط»، عرجت على ملهى «باتاكلان» المطل تماماً على بولفار فولتير. وبعكس المؤسسات الأخرى، فقد كان لافتاً قلة زبائن المقهى والمطعم اللذين يشكلان جزءاً من الملهى، وفي دردشة مع كاترين، إحدى الزبونات التي كانت خارجة من المقهى مع صديقة لها، قالت، إنها «نسيت تماماً» أن «باتاكلان» قد تعرض لعملية إرهابية، علماً بأنها تقيم في شقة لا تبعد كثيراً عن الموقع وأنها اعتادت منذ سنوات أن تجلس في المقهى لأنه «هادئ، له ديكور جميل، وخدمته لطيفة».
لا تبعد المقاهي والمطاعم التي شهدت دراما العمليات الإرهابية كثيراً عن ساحة «لا ريبوبليك» التي ضاقت، في نوفمبر 2015، بباقات الورد وكلمات التضامن وأعلام الدول المساندة الموضوعة عند أسفل تمثال «ماريان» الذي يمثّل الجمهورية الفرنسية. وقريباً منها، تمر «قناة سان مارتين» التي تسبغ على الأحياء المطلة عليها مسحة من الجمال والهدوء. وعند الرقم 167 من «رصيف فالمي» في الدائرة العاشرة يقع مطعم «لو كاريون» الذي استهدفه الإرهابيون وليس بعيداً عنه مطعم «لو بوتي كومبودج». ويروي فانسان، أحد مسؤولي المطعم الكابوس الذي عاشه في تلك الليلة المشؤومة ويؤكد أن حظه الأكبر أن الإرهابيين اكتفوا بإطلاق النار على الزبائن الذين كانوا خارج المطعم ولم يدلفوا إلى داخله. ويضيف «كانوا يحملون رشاشات كلاشينكوف والكثير من الطلقات ويبدو أنهم كانوا يريدون إحداث مجزرة أكبر. من استطاع الهرب لم يتردد للحظة. لكن آخرين استبد بهم الرعب ولم يجدوا الشجاعة فبقوا مسمرين في أماكنهم أو انبطحوا تحت الطاولات». ويضيف فنسان «إنه مشهد لا يمكن أن أنساه. أحياناً استفيق في الليل بسببه ولكن ذلك لا يمنعني من أن آتي كل يوم إلى مطعمي وكأن شيئاً لم يحصل». اليوم، المقهى كان ممتلئاً والموسيقى تصدح عالياً والزبائن يتسامرون. الستار أسدل. ولكن ما بين لو كاريون و«لو بوتي كمبودج» سقط 13 قتيلاً والكثير من الجرحى.
ليس بعيداً من هناك، يقع مطعم ومقهى «لا بون بيير» في شارع «لو تومبل». وعلى بعد خطوات منه المطعم الإيطالي «كوزا نوسترا» الذي أغلق أبوابه. روايات الرعب تتكرر. الكلمات نفسها والمشاعر هي هي. ولكن ما يتغير ردات الفعل بين من نجح في قلب الصفحة ولا يريد أن يتذكر ومن يعتبر أن تكرار الرواية ضروري حتى لا ينسى.
ككل عام، تعد بلدية باريس تجمعات متعددة لتبقى ذكرى أكبر مجزرة عرفتها العاصمة حية في الأذهان ولتكريم ذكرى الضحايا الذين قضوا بفعل الإرهاب الأعمى.


مقالات ذات صلة

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

العالم إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

قضت محكمة إسبانية، الجمعة، بالسجن 10 سنوات على زعيم خلية «إرهابية» نشطت في برشلونة، و8 سنوات على 3 آخرين بتهمة التخطيط لهجمات ضد أهداف روسية في المدينة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وذكرت «المحكمة الوطنية» في مدريد، في بيان، أنها أدانت «4 أعضاء في خلية إرهابية متطرفة مقرُّها برشلونة، حدّدوا أهدافاً روسية لتنفيذ هجمات ضدَّها في عاصمة كاتالونيا بشمال شرقي إسبانيا. وأضافت المحكمة، المسؤولة خصيصاً عن قضايا «الإرهاب»، أنها برّأت شخصين آخرين. وجاء، في البيان، أن زعيم الخلية «بدأ تحديد الأهداف المحتملة، ولا سيما المصالح الروسية في عاصمة كاتالونيا، وأنه كان في انتظار الحصول على موادّ حربية». وأوض

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

أعلنت السلطات الألمانية، الثلاثاء، القبض على سوري، 28 عاماً، في هامبورغ للاشتباه في تخطيطه شن هجوم ارهابي. وأعلن المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، والمكتب الإقليمي للشرطة الجنائية في ولاية هامبورغ، ومكتب المدعي العام في الولاية أنه يُشتبه أيضاً في أن شقيق المتهم الذي يصغره بأربع سنوات، ويعيش في مدينة كمبتن ساعده في التخطيط. ووفق البيانات، فقد خطط الشقيقان لشن هجوم على أهداف مدنية بحزام ناسف قاما بصنعه.

«الشرق الأوسط» (هامبورغ)
العالم هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

حكمت محكمة هولندية، اليوم (الخميس)، على أربع نساء، أعادتهنّ الحكومة العام الماضي من مخيّم للاجئين في سوريا، بالسجن لفترات تصل إلى ثلاث سنوات بعد إدانتهنّ بتهم تتعلق بالإرهاب. وفي فبراير (شباط) 2022 وصلت خمس نساء و11 طفلاً إلى هولندا، بعدما أعادتهنّ الحكومة من مخيّم «الروج» في شمال شرقي سوريا حيث تُحتجز عائلات مقاتلين. وبُعيد عودتهنّ، مثلت النساء الخمس أمام محكمة في روتردام، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، حيث وجّهت إليهن تهمة الانضمام إلى مقاتلين في تنظيم «داعش» في ذروة الحرب في سوريا، والتخطيط لأعمال إرهابية. وقالت محكمة روتردام، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ النساء الخمس «قصدن ساحات ل

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
العالم قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

أفادت صحيفة «بيلد» الألمانية بسقوط قتيلين عقب إطلاق نار بمدينة هامبورغ اليوم (الأحد). وأوضحت الصحيفة أنه تم استدعاء الشرطة قبيل منتصف الليل، وهرعت سياراتها إلى موقع الحادث. ولم ترد مزيد من التفاصيل عن هوية مطلق النار ودوافعه.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

أعلن الادعاء العام الألماني في مدينة كارلسروه، اليوم (الخميس)، تحريك دعوى قضائية ضد شابين إسلاميين بتهمة الإعداد لشن هجوم في ألمانيا باسم تنظيم «داعش». وأوضح الادعاء أنه من المنتظر أن تجري وقائع المحاكمة في المحكمة العليا في هامبورغ وفقاً لقانون الأحداث. وتم القبض على المتهمَين بشكل منفصل في سبتمبر (أيلول) الماضي وأودعا منذ ذلك الحين الحبس الاحتياطي. ويُعْتَقَد أن أحد المتهمين، وهو كوسوفي - ألماني، كان ينوي القيام بهجوم بنفسه، وسأل لهذا الغرض عن سبل صنع عبوة ناسفة عن طريق عضو في فرع التنظيم بأفغانستان. وحسب المحققين، فإن المتهم تخوف بعد ذلك من احتمال إفشال خططه ومن ثم عزم بدلاً من ذلك على مهاج

«الشرق الأوسط» (كارلسروه)

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.