السلطة والمفارقة والشر في فلسفة محفوظ الروائية

فيصل دراج يفسر كيف عالج نجيب الفلسفة

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

السلطة والمفارقة والشر في فلسفة محفوظ الروائية

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

يبدو كتاب د.فيصل دراج «الشر والوجود... فلسفة نجيب محفوظ الروائية» الصادر مؤخراً عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة مشروعاً أساسه تحقيق الالتئام لمسيرة الكاتب الذي طوَّر الرواية العربية بينما كان يطور روايته خلال خمسين عاماً.
من الطبيعي، مع مكانة الكاتب أن يحظى بعدد من الدراسات لم يحظَ بها كاتب عربي آخر، وبينها دراسات غالي شكري وإبراهيم فتحي المهمة، لكن الكثير من الدراسات اتجهت إلى تقسيم الإنتاج المحفوظي إلى حقب محددة استناداً إلى النهج الفني: حقبة تاريخية، واقعية، رمزية، وتجريبية، حتى بات هذا التقسيم طريقة مستقرة لعالم نجيب محفوظ، دون أن تنعدم بالطبع المعالجات التي تبحث عن المضمون الفلسفي.
في دراسته الجديدة يتخذ دراج مساراً مختلفاً؛ فالأساس عنده البحث في الفلسفة، أو الفلسفات التي عالجها محفوظ روائياً، وبعدها في الأولوية يقع التحقيب الفني، الذي لم يكن صارماً بالمناسبة، حيث عاود محفوظ زيارته للحقبة الفرعونية في وقت متقدم، «أمام العرش» 1983، و«العائش في الحقيقة» 1985، لكن عبر كل الانتقالات الفنية كان لدى محفوظ سؤاله الفلسفي، المفتوح على آفاق رحبة لا تقبل بالانغلاق. هكذا كان هذا الروائي الواحد متعدداً، ولهذا -يقول دراج- لن يكون الناظر إلى الرواية العالمية عادلاً إن لم يتوقف أمام رواية نجيب محفوظ المصرية والعربية والكونية في آن.
يقع كتاب دراج في 326 صفحة من القطع الكبير. وبشكل شخصي أعرف أن الناقد الكبير كان يراكم ملاحظاته عبر أكثر من عشرين عاماً، عندما بدأ حلمه بهذا الكتاب الذي تحقق أخيراً.

لديه سؤال
بدأ محفوظ كتابته السردية بالمجموعة القصصية «همس الجنون» عام 1983، أعقبتها روايات: «عبث الأقدار»، و«رادوبيس»، و«كفاح طيبة»، أوحت بأن الروائي الشاب يستلهم رواية جورجي زيدان التاريخية، لكنه كان ينفيه بكتابة أكثر عمقاً.
اختياره الزمن الفرعوني أملاه استعصاء الواقع ونزعة فرعونية صعدت في ثلاثينات القرن العشرين، أفصح عن منظور قومي يشدّ المصريين إلى أمجادهم، وأشبع الماضي الفرعوني بإشارات مشرقة تنطوي على «سماوي يراه الفرعون دون غيره ومجد أرضي ناصع الوجوه»، لكن كان لديه سؤال ينتمي إلى الأزمنة الحديثة موضوعه الاغتراب السياسي.
هجس محفوظ في روايته الأولى بسؤالين: كيف يولَد نهوضٌ حديث من مجد قديم؟ وهل يستوي المجد في نظام يسوسه فرد مستبد؟ وسرعان ما غادر المرحلة الفرعونية زاحفاً بأسئلته إلى زمن حديث عالجه في رواية «القاهرة الجديدة» 1946، مستعيضاً عن الاستهلال المتفائل في «عبث الأقدار» باستهلال يوازيه اتخذت فيه الجامعة المصرية التي تنشر الأنوار مكان الفرعون: «لاح قرص الشمس فوق القبة الجامعية الهائلة، كأنه منبثق إلى السماء، أو عائد بعد طواف». وفي مواجهة سلطة العلم رسم السلطة الفاسدة بمجاز مطاردة القيم، حيث حشد الروائي في الفضاء السلطوي نخبة عالية النفوذ، لها وجه خارجي براق يستند إلى الاحتجاب.
تتخذ السلطة أشكالاً متعددة في روايات محفوظ، وفي ملاحقته لثنائية الاستبداد والفساد، ترتحل السلطة من وجوه الزعماء والنخب المسيطرة إلى مختلف أشكال الفتوة بوصفها السلطة في ممارستها العارية.
يتوقف دراج مليّاً أمام «حضرة المحترم» 1975، التي يصفها بـ«نص بالغ الإتقان» استثمر فيه خبرة متراكمة وتحليلاً نافذاً لتحولات العالمين الداخلي والخارجي للإنسان السلطوي، حيث العبودية السعيدة التي تساوي السلطة بالحياة، يقدس الأولى ويختصر الثانية في طموح جشع، كلما تحقق غدا أكثر تطلباً، لكن الموت يأتي فجأة ليعصف بآخر ما تبقى من حياة.

المفارقة أصلاً محفوظيّاً
تبدو المفارقة، أصلاً ثابتاً في ملامح الكتابة المحفوظية يعلن عن نظره للعالم، حتى كاد يضع قاعدة «لا رواية بلا مفارقة». وحَّد من البداية بين السلطة وتقنية المفارقة. ضدٌّ يواجه ضده، يُبطل الضد الثاني فعلاً قصده الضد الأول، ويستولد من الضد الآخر فعلاً لم يسعَ إليه. ومن هذه المواجهة يرتسم الفعل الروائي وينغلق. وتعلن المفارقة عن هشاشة الإرادة الإنسانية.
في «عبث الأقدار» يبني محفوظ مفارقته على التباين بين قوة جيش جرار لفرعون عظيم، يجرد قواه لمنازلة طفل وليد، بناءً على أسطورة أن ذلك الطفل سيقوّض سلطة الفرعون. المنازلة بين السلطة الكبيرة وطفل بلا قوة يتوسطها طرف ثالث غامض مجهول يمد الضعيف بقوة منتصرة.
يسري نسغ المفارقة في روايات مختلفة الموضوعات في الكثير من رواياته من بينها: «القاهرة الجديدة»، و«خان الخليلي»، والثلاثية، تلك المفعمة بالمفارقات: المفارقة البالغة بين شقيقين شديدي التباين ثم يستحضر الموت الشقيق الجميل ويرفعه من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع (في إشارة إلى موت فهمي برصاص الإنجليز) وفي الأختين نرى الجمال وضده، سخاء الطبيعة وتقتيرها. يبدو الموت مختصاً في الجميل، دون أن يربط محفوظ المفارقة بقانون العقاب، لكنه يراها أحد أبعاد الوجود غير القابلة للتفسير.
ينطوي المفهوم المحفوظي للمفارقة على رؤية تمزج بين العبث والمخادعة، تحتضن المفاجأة واللامتوقع. ويتعرف عليها بشر اختبروا الحياة يرتكنون إلى ذكائهم، وهو يقترب في هذا من رؤية الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد الذي قال: «لا تقابل المفارقة في الطبيعة البشر الطبيعيين الأقرب إلى السذاجة، فهي تفصح عن نفسها فقط لإنسان وعى معنى المفارقة».
لا تنفصل المفارقة عن تطور الوعي الحديث الذي قوامه «فرد واعٍ لأهدافه قادر على توليد أسلوب يمايزه عن غيره» مع أنها موجودة في شكلها البلاغي منذ سقراط، لكن صعودها كان في القرن الثامن عشر الذي شهد النظرية الرومانسية في الأدب.
وحسب دراج فقد انتسبت حداثة محفوظ بمفارقة صدرت عن بصيرته. لم يكن مأخوذاً بالتجديد الأدبي الذي قال به شليغل ولم يقتنع بمثالية هاينه ولا تداخل الوعي واللاوعي الفرويدي، بل من تحديقته في السلطات الحاكمة التي فرضت عليه أكثر من قناع. لم يقاسم نيتشه تصوره عن تداعي العالم، وإنما جاءت معرفته من بصيرة تجعل من المعرفة فعلاً مقاوماً.

عتمة الوجود
رغم تقسيم الكتاب إلى سبعة أبواب، يندرج تحت كل باب منها ما بين مقال (فصل) وأربعة تنظر في كثير من أعمال محفوظ، فإن المؤلف يعود إلى التذكير بين وقت وآخر، بالرواية الأولى، كأن كل شيء كان هناك منذ البداية لدى كاتب لديه تصور متماسك عن الوجود مع ذلك لم ينغلق داخله، مواصلاً مساءلته بين عمل وآخر، واختبار ما يمكن أن يضيء شيئاً من عتمة الوجود، متحاوراً مع رؤى فلاسفة وروائيين آخرين.
يرى دراج في الثلاثية محاولة لفهم الزمن والشر وعتمة الوجود، بطموح الوصول إلى تصور شامل للوجود، فاتسعت الرواية لما اختبره في روايات سابقة: الصدفة، المفارقة، والسلطة، واصفاً جيلاً عدّ السياسة حقيقة الوجود الأصيل، مشاطراً إحدى شخصيات روايته أزمة روحية فكرية ترجم بها طوراً من قلقه. وأطلق الموت في أشكال تحتمل الطفل والشاب والشابة والكهل والعجوز، وبقدر ما أعطى الموت حرية اختيار واسعة، اتخذ من الزمن بطلاً روائياً نرى فعله في الوجوه، في المشية وفي تبدل الأمكنة، كما لو كان الزمن جوهر الوجود، بينما جعل التعدد يقاسمه البطولة: تعدد الطباع، والأعمار، والميول، والشر من وجوه معروفة ووجوه تبقى غامضة.

فكرة الاضمحلال
لطالما ربط النقد بين «الثلاثية» وبين «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، و«آل بودنبروك» لتوماس مان، من باب النوع الأدبي (رواية الأجيال). في هذا الكتاب يقيم دراج مقارنته بين الروايات الثلاث حول فكرة الاضمحلال والتداعي.
يَعبر المؤلف تشابهات «الثلاثية» و«الإخوة كارامازوف» كون كل منهما تعالج حياة عائلة بمصائرها المتطرفة، ليصل إلى ما يفرقهما؛ وبرأيه فقد أضاء محفوظ على الفضول المعرفي ومحدودية المعرفة، بينما ذهب الروائي الروسي إلى خواء الروح في غياب الإيمان. وبينما رسم دوستويفسكي إنساناً ضائعاً يحاكي الشيطان، كان محفوظ يصدر عن وحدة الإرادة اليقظة، مصوراً شغف الإتقان، متوغلاً في المعرفة والمساءلة، دون أن يحاكي أحداً.
وأما عن الالتقاء بين الثلاثية و«آل بودنبروك» مان، فيعبر دراج شكلانية المشابهة إلى تشاطر أثر الزمن والوعي المأساوي بعنف الوجود بين توماس مان ونجيب محفوظ.

الاغتراب السياسي
بعد الثلاثية كانت مرحلة سياسية جديدة قد فرضت تحولات اجتماعية تأملها محفوظ بوعي نقدي ورد عليها بتحولات في كتابته. «انتقل بعد أفول السلطة الملكية من زمن اجتماعي منفتح على احتمالات متعددة، إلى زمن سلطوي يصادر التعدد، ويفرض ذاته زمناً وحيداً. سار مع الزمن الجديد منقسماً، يحنّ إلى ماضٍ لا يرضى عنه، ويعيش حاضراً لا يقبل به».
تكشف «اللص والكلاب» وجه الاغتراب كاملاً بدءاً من اللاتوازن في العنوان «اللص»، تسمية عارية لـ«سعيد مهران»، في مقابل تسمية مجازية «الكلاب» لأعدائه. يعيش الإنسان في رواية محفوظ الجديدة اغتراباً سياسياً يتوالد في اغتراب حقوقي، واغتراب وجودي يمحو العلاقة بين الفرد والمعنى، ويمتد حتى إلى اغتراب لغوي يوائم الكبت ويخشى الإفصاح.
وقد اتخذ الاغتراب وجوهاً مختلفة من رواية إلى أخرى. في مستهل «السمان والخريف» نقرأ: «وقف القطار ولكنه لم يجد أحداً بانتظاره»، يبدأ «عيسى» وحيداً، لم يعرف السجن الصغير الذي دخله «سعيد مهران»، لكنه يحمل سجناً كبيراً في نفسه. فيما حاولت «ميرامار» احتواء اغتراب ساخر عنوانه الانفصال: انفصال الشيخ عن شبابه الوفديّ، والبنت عن قريتها، والشاب عن وعوده، وانفصال القول عن الفعل. ولا يشذ «أنيس» في «ثرثرة فوق النيل» عن صورة المهزوم الذي يقتات اغترابه.
سقوط الفردية لدى محفوظ يحدث بيد سلطة تحذف الفرد وتستبقي جموعاً سديمية، وتستبدل بالمواطن الفعلي مواطناً افتراضياً.
يتساءل فيصل دراج: هل قام محفوظ بترحيل دراسته للفلسفة إلى كتاباته الروائية أم أن روايته أنتجت فلسفتها؟
وحسبه فإن محفوظ لم يتوقف عن متابعة فضوله الفلسفي خارج الجامعة، مضيفاً إليه خبرة أسئلة تخصه وخبرة حياة، ذلك لأن النص المحفوظي ينطلق من حياة البشر الذين أنطقهم في رواياته. لهذا لا يمكن إرجاع النص إلى فلسفة جاهزة، كأن يقال رواية وجودية أو نفسية، ذلك لأن الفلسفة في النص المحفوظي لا تسقط عليه من الخارج، وفي الوقت ذاته لا تتطابق فلسفة النص مع فلسفة كاتبه لأن ذلك يُسقط البعد الروائي ومعنى الكتابة متعددة الأزمنة، ويترك الروائي شفافاً تصالحت لغته مع أفكاره. وهو كلام فقير المعنى.
كل نص لدى محفوظ يمنح القارئ سطحاً حكائيّاً مكشوفاً لا يسمح باقتراب فلسفي ولا يتضمن مقولات قابلة للمساءلة، لكنه ينطوي على غموض ونقاط عمياء تتيح قراءة مغايرة، تستقرئ الشر والتباس الوجود الذي يكتنف حياة البشر في شكله السلطوي الظاهر وفي شكله الغامض. وقد لازمت منظوره للعالم كآبة واسعة، أتت بها خصائصه الفردية قبل التجربة، دون أن يتخلى عن الأمل بقدرة الإنسان على بناء مدينته الفاضلة تتويجاً لدلالات العدل والحرية، كما جاء في نهاية «ملحمة الحرافيش».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended