البنوك المركزية الكبرى أسيرة «فخ التضخم»

أغلبها على مسار التشديد... وبعضها يمضي «عكس الاتجاه»

تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
TT

البنوك المركزية الكبرى أسيرة «فخ التضخم»

تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)
تواجه البنوك المركزية الكبرى معضلة هائلة خلال محاولاتها التغلب على التضخم الجامح (رويترز)

في ظل معركة شرسة تخوضها كبرى البنوك المركزية في مواجهة مخاطر التضخم العالمي، تحركت غالبيتها - وإن كان بسرعات متفاوتة - في اتجاه التحول من التيسير النقدي الباذخ الذي اعتمد كأساس خلال العقد الأخير تقريباً، إلى تشديد نقدي يسمح بكبح التضخم الجامح والحفاظ على السيولة داخل النظم المصرفية.
وبعدما بدأ بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) الخطوة الجبارة واضعاً نقطة البداية العالمية في نهاية العام الماضي، تلاه الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي) على المسار، ثم أخيراً أعلن البنك المركزي الأوروبي، أنه سيقوم بالخطوة ذاتها بدءاً من يوليو (تموز) المقبل؛ ليبقى بنك اليابان المركزي وحيداً في الاتجاه المعاكس.
سيل من التشدد
وكان بنك إنجلترا المركزي، رفع سعر الفائدة من 0.1 إلى 0.25 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2021، ثم إلى 0.5 في المائة في فبراير (شباط) 2022، ثم مرة أخرى إلى 0.75 في المائة في مارس (آذار)، قبل أن يرفعها مؤخراً في مايو (أيار) إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 13 عاماً (منذ 2009)... وذلك بعدما وصل التضخم في بريطانيا إلى أعلى مستوى في 30 عاماً عند 7 في المائة خلال مارس الماضي، أي أكثر من ثلاثة أضعاف هدف البنك.
وفي مارس أيضاً، أقرّ مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع معدلات الفائدة على الأموال الفيدرالية ربع نقطة مئوية لتصبح 0.5 في المائة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2018. وقالت «لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية»، إن تداعيات الحرب في أوكرانيا ستتسبب «على الأرجح بضغط يؤدي إلى ازدياد التضخم ويؤثر على النشاط الاقتصاد»، في حين أشارت إلى أن «زيادات متواصلة في المعدل ستكون مناسبة».
وفي مايو، رفع الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار نصف نقطة مئوية، وهي الخطوة الأكثر تشديداً حتى الآن في معركته ضد ارتفاع التضخم لأعلى مستوياته في 40 عاماً. وينتظر بشكل واسع أن يقوم المجلس برفع جديد خلال الشهر الحالي.
ويوم الخميس، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في مؤتمر بأمستردام، إن مخاطر التضخم «مرتفعة»، وإن «توقعات التضخم على المدى المتوسط تتضمن تفاقماً مستمراً للقدرة الإنتاجية لاقتصادنا وارتفاعاً دائماً لأسعار الطاقة والغذاء»، مضيفة، أن «توقعات التضخم فوق هدفنا وأعلى من الزيادات المتوقعة للأجور... ومعايرة سياستنا النقدية سوف تستمر في الاعتماد على البيانات».
ويشار إلى أن البنك المركزي الأوروبي تمهل في اتخاذ خطوات، مقارنة بالبنوك الغربية الأخرى مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي اعتبر الضغوط التضخمية مؤقتة، ولكنه الآن يرفع معدل الفائدة لأول مرة منذ عام 2011.
موقف شديد التأخر
وتعليقاً على الخطوة الأوروبية، أعرب رئيس معهد «إيفو» الألماني الاقتصادي، كليمنس فوست، عن اعتقاده بأنها جاءت بعد فوات الأوان. وقال «لم يكن من المقبول أن يتمسك البنك المركزي الأوروبي بأسعار الفائدة السلبية وعمليات شراء السندات حتى اليوم، مع وصول معدل التضخم إلى 8 في المائة». وأضاف «لا شك في أن السياسة النقدية جاءت متأخرة للغاية»، متوقعاً الانزلاق إلى الركود بقوله «نعم للأسف».
وأعرب فوست عن اعتقاده بخطورة ارتفاع الديون مع ارتفاع أسعار الفائدة بالنسبة لدول اليورو المثقلة بالديون بالفعل. ورأى أنه عندما تنتهي فترة الأموال الرخيصة وشراء البنك المركزي الأوروبي للسندات، سيتعين على الحكومات أن تحدد ما هي النفقات الضرورية.
وقال، إن استمرار تخفيف قواعد الديون المعلقة حالياً ستكون مجرد «إشارة على تراجع مراعاة الاستدامة في السياسة المالية عما كان عليه الحال إلى الآن»... ولفت إلى أنه لا ينبغي الإفراط في التوقعات المنتظرة من القواعد الخاصة بضبط الديون.
ومن المقرر أن ينهي البنك المركزي الأوروبي مشترياته من السندات هذا الشهر؛ ما يعني أن رفع الفائدة يمكن أن يبدأ في النصف الثاني من 2022، ليصبح بنك اليابان المركزي الوحيد بين أقرانه الذي يطبق سياسة للتيسير النقدي.
موقف مختلف
وفي مطلع الأسبوع، اعتبر محافظ البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا، أن التشديد النقدي ليس إجراءً «مناسباً» على الإطلاق لبنك اليابان، معللاً بأن الاقتصاد المحلي لا يزال في خضم التعافي من جائحة كورونا، فضلاً عن الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار السلع والذي يؤدي إلى زيادة الضغط النزولي على الاقتصاد المحلي.
وأكد كورودا، أن المركزي الياباني لن يتردد في التيسير النقدي القوي لدعم الاقتصاد وضمان نمو أقوى للأجور، قائلاً «على عكس البنوك المركزية الأخرى، فإن البنك لم يواجه المفاضلة بين الاستقرار الاقتصادي واستقرار الأسعار... لهذا السبب؛ من الممكن بالتأكيد للبنك أن يواصل تحفيز الطلب الكلي من الجانب المالي».
وعززت تصريحات كورودا وجهة النظر القائلة بأن بنك اليابان سيظل بعيداً عن البنوك المركزية الرئيسية التي تنتقل إلى سياسة نقدية أكثر تشدداً لكبح جماح التضخم المرتفع.
تحرك عكسي
ولا يخلو الأمر من تحركات عكسية أيضاً؛ إذ إن البنك المركزي الروسي على سبيل المثال بادر مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا برفع هائل للفائدة بشكل طارئ من 10.5 إلى 20 في المائة في نهاية فبراير حفاظاً على سلامة العملة المحلية والاستثمارات من الهروب تزامناً مع توقع سيل من العقوبات الغربية. لكن البنك لم يلبث أن بدأ سلسلة عكسية من الخفض السريع للفائدة، لتعود إلى مستوى 9.5 في المائة قبل أيام، مع توقعات ربما بمزيد من الخفض.
آراء وتوقعات
ويرى كبير خبراء الاقتصاد بصندوق النقد الدولي، بيير - أوليفييه غورينشا، أنه من «الطبيعي» أن ترفع البنوك المركزية معدلات الفائدة خلال الأشهر المقبلة. قائلاً، إن من «الطبيعي تطبيع السياسة النقدية، التي ظلت ملائمة بصورة كبيرة على مدار العامين الماضيين». وأضاف، أن البنوك المركزية عليها أن تقوم بدور عندما يكون هناك عنصر تضخم ناجم عن الطلب، كما هو الحال الآن. وأوضح، أن هناك عنصراً في التضخم اليوم نتيجة للإجراءات الاقتصادية المتعلقة بـ«كورونا» من العامين الماضيين.
لكن هذه الخطوة يجب أن تكون محكمة ومؤقتة بحسب الملياردير راي داليو، مؤسس صندوق التحوط «بريدج ووتر أسوشيتس»، الذي قال، إن البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم سوف تكون ملزمة بخفض أسعار الفائدة في عام 2024 بعد فترة من تقيد الركود التضخمي لاقتصاداتها، وفقا لصحيفة «أستراليان فاينانشيال ريفيو».
وقال داليو «نعتقد أننا في وضع تشديد يمكن أن يتسبب في تصحيحات أو تحركات هبوطية للعديد من الأصول المالية... سيصبح ألم ذلك عظيماً، وسيجبر ذلك البنوك المركزية على التخفيف مرة أخرى على الأرجح في وقت قريب من الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024».
لكن هذه الرؤى لا تخلو من انتقادات بدورها، مع توجيه مزيد من اللوم إلى البنوك المركزية التي أخطأت التقدير في بدايات الأزمة، وبالتالي تأخرت كثيراً في التحرك، لتصبح حالياً مغلولة اليد إلى حد بعيد.
انتقادات عنيفة
ويقول المحلل الاقتصادي ماركوس أشوورث، في تحليل نشرته «بلومبرغ»، إن الزيادات الأخيرة في أسعار الفائدة والتي جاءت متأخرة وقليلة للغاية وتقليص الميزانيات لن تمنع معدلات التضخم من الوصول إلى أكثر من 10 في المائة. في الوقت نفسه، فإن تبني سياسات نقدية تدفع الاقتصاد في اتجاه الركود بعد سنوات من تبني سياسات نقدية فائقة المرونة لن يكون سوى فشل جديد بنكهة مختلفة. والمطلوب، بحسب أشوورث الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل في القطاع المصرفي، هو أن تتحمل السياسات المالية جزءاً أكبر من عبء تنشيط الاقتصاد.
وبعد فترة قصيرة من التفكير المشترك بين البنوك المركزية والحكومات عندما زاد الإنفاق الحكومي بالتنسيق مع برامج التحفيز المبتكرة من جانب البنوك المركزية، عدنا إلى الوضع الذي تكون فيه البنوك المركزية هي الحصن الوحيد ضد الركود، بحسب أشوورث. فالانفصال الحالي بين مستويات السياسة المالية التي تضعها الحكومات والسياسة النقدية التي تضعها البنوك المركزية يضع صناع السياسة النقدية والمسؤولين عن الاستقرار المالي واستقلالهم عن الحكومة في دائرة الهجوم بشكل خطير.
ولا تملك البنوك المركزية سيطرة تذكر على جانب العرض في الاقتصاد، لكنها تستطيع بالتأكيد خنق الطلب الذي سعت خلال السنوات السابقة إلى تشجيعه وتحفيزه بسخاء. في المقابل، تستطيع الحكومات تشجيع جانب الإنتاج والعرض، لكن عندما يكون ذلك مبرراً من الناحية التجارية. وتحتاج مشروعات البنية التحتية والمشروعات العملاقة إلى وقت طويل قبل أن تؤتي ثمارها، لكن هناك الكثير الذي يمكن أن تحققه السياسة المالية في هذا الشأن، بخاصة من خلال خفض الضرائب والحوافز الاستثمارية.
وفي أميركا، لا يرى مجلس الفيدرالي عقبات أمام تشديد السياسة النقدية وبوتيرة متسارعة. وسيؤدي هذا إلى تزايد التباين في أسعار الفائدة بين العملة الأميركية والعملات الرئيسية الأخرى، وهو ما يدفع بالدولار إلى المزيد من الارتفاع ويسبب الفوضى في سوق الصرف، وبخاصة في الاقتصادات الصاعدة. ولكن ليس أمام البنك المركزي الأميركي خيارات كثيرة غير التخلص من حزم التحفيز الحكومية الضخمة.
ويسعى كل من الفيدرالي وبنك إنجلترا إلى تهدئة وتيرة النشاط الاقتصادي وكبح جماح الطلب الاستهلاكي من خلال تشديد السياسة النقدية. لكن هذا لا يخاطر فقط بإهدار تريليونات الدولارات التي تم إنفاقها على جهود التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، وإنما يهدد أيضاً بخروج الأمور كلها عن السيطرة. وفي هذه الحالة يمكن أن يكون العلاج الذي يلجأ إليه البنكان المركزيان أسوأ من المرض نفسه، مع تآكل الثقة المتراجعة بالفعل في قدرة البنوك المركزية على القيام بواجباتها.


مقالات ذات صلة

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

الاقتصاد شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً.

«الشرق الأوسط» (كوبيرتينو (كاليفورنيا))
الاقتصاد أمين صندوق في متجر بقالة يسحب أوراقاً نقدية من فئة الدولار (أ.ب)

الدولار يتراجع والين تحت ضغط «شهية المخاطر» وترقب مفاوضات السلام

تراجع الدولار وسط تعرض الين الياباني لضغوط، يوم الثلاثاء، حيث اتجه المستثمرون نحو العملات المرتبطة بالمخاطر.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد امرأة هندية ترتدي حلياً ذهبياً في متجر مجوهرات في بنغالور (إ.ب.أ)

الذهب يتراجع مع ارتفاع الدولار وترقُّب «محادثات السلام» في إسلام آباد

تراجع الذهب يوم الثلاثاء مع ارتفاع الدولار، في حين يترقب المستثمرون المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد خزان «برايان ماوند» الاستراتيجي لتخزين النفط في تكساس (رويترز)

النفط يتراجع وسط توقعات باستئناف المحادثات الأميركية - الإيرانية

تراجعت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، عن مكاسب الجلسة السابقة، وسط توقعات بعقد محادثات سلام بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد عرض سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع مع ارتفاع الدولار وسط تصاعد التوترات الأميركية الإيرانية

تراجعت أسعار الذهب يوم الاثنين مع ارتفاع الدولار، بينما دفعت أنباء إغلاق مضيق هرمز مجدداً أسعار النفط إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

هل يطيح السيناتور المتمرد توم تيليس بمرشح ترمب في «يوم الحساب» النقدي؟

تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
تيليس يتحدث إلى الصحافيين لدى دخوله قاعة مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في مكاتب الكابيتول هيل المزدحمة لم يعد الحديث يدور فقط عن هوية الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، بل عن السيناتور الذي قرر فجأة أن يقلب الطاولة على الجميع. توم تيليس، السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية، تحوّل إلى «العدو اللدود» لخطط البيت الأبيض، مهدداً بمنع كيفن وارش من الوصول إلى سدة الحكم في أهم بنك مركزي في العالم، وذلك قبل ساعات فقط من مثول الأخير أمام لجنة الشؤون المصرفية في جلسة استماع وصفت بأنها «الأخطر» على مستقبل الاقتصاد الأميركي.

بينما يتجهز كيفن وارش للإدلاء بشهادته يوم الثلاثاء، يجد نفسه أمام كمين سياسي نصبه تيليس بعناية. فالسيناتور الذي اتخذ قراراً سياسياً استراتيجياً بـعدم الترشح لولاية ثالثة في مجلس الشيوخ، وهو ما منحه «قوة سياسية» غير متوقعة، يرهن صوت الحسم الذي يمتلكه داخل اللجنة بشرط وحيد وقطعي: وقف «الملاحقة الجنائية» التي تشنها إدارة ترمب ضد الرئيس الحالي جيروم باول.

ويصف زملاء تيليس موقفه بأنه «الانتحار السياسي الشريف»؛ فبما أنه لن يترشح مجدداً، لم يعد يهمه غضب ترمب أو تدويناته الهجومية على منصة «تروث سوشال». فتيليس، الذي كان يوماً حليفاً لميتش مكونيل، قرر أن يقضي شهوره الأخيرة في مجلس الشيوخ كـ«حارس للحقيقة»، رافضاً الانصياع لسياسات «الرجل الواحد». وهو يرى أن التحقيقات المتعلقة بتجاوز تكاليف تجديد مقر البنك المركزي (2.5 مليار دولار) ليست سوى «ذريعة» لكسر استقلالية المؤسسة النقدية، مؤكداً أنه لن يسمح بتمرير مرشح ترمب طالما ظل باول تحت وطأة «التهديد القضائي».

وتكتسب معارضة تيليس أهمية قصوى بسبب الحسابات الرقمية المعقدة داخل الكابيتول هيل؛ فلكي يخرج ترشيح وارش من أروقة لجنة الشؤون المصرفية بمجلس الشيوخ يحتاج إلى تأييد أغلبية أعضائها الـ23. وفي ظل الانقسام الحزبي الراهن، يسيطر الجمهوريون على اللجنة بـ12 مقعداً مقابل 11 مقعداً للديمقراطيين. وبما أن الديمقراطيين الـ11 يصطفون بجبهة موحدة ضد وارش، فإن انشقاق صوت جمهوري واحد -وهو صوت تيليس- سيؤدي إلى تعادل الأصوات مع امتناع أو معارضة تيليس، وهو ما يعني قانونياً «فشل المرشح» في نيل تزكية اللجنة.

هذا الرقم البسيط هو ما يمنح السيناتور المتمرد سلطة «الفيتو» الفعلي، ويجعل من صوته الجسر الوحيد الذي يجب أن يعبره وارش للوصول إلى التصويت العام في مجلس الشيوخ.

إرث «رجل المقطورات» في مواجهة «ثروة الـ 100 مليون»

تكتسب جلسة اليوم صبغة درامية؛ حيث يتواجه «رجل المقطورات» تيليس -الذي نشأ في فقر مدقع وحصل على شهادته في سن الـ 36- مع وارش، الذي كشفت إفصاحاته المالية اليوم عن ثروة هائلة تتجاوز 100 مليون دولار.

وتضغط اللجنة اليوم على وارش لكشف تفاصيل خطته للتخارج من أصوله المرتبطة بالملياردير ستانلي دروكنميلر، وسط مخاوف ديمقراطية من أن يكون تولي وارش للمنصب بوابة لـ«تضارب مصالح» غير مسبوق، حيث يتساءل المشرّعون: «من سيشتري أصول وارش؟ وهل سيكون دروكنميلر هو من يكتب شيك الخروج؟».

«لست ميتاً بعد»

يأتي مثول وارش اليوم في أعقاب حرب كلامية استعرت خلال الساعات الماضية؛ فبعد محاولة ترمب تهميش تيليس بوصفه «سيناتوراً منتهياً»، رد تيليس ببروده المعتاد: «لست ميتاً بعد... ونشأتي الصعبة علمتني ألا أستفز بسهولة».

هذا الإصرار يجعل من جلسة اليوم «موقعة تكسير عظام»؛ فإما أن يرضخ البيت الأبيض ويوقف تحقيقات باول لإنقاذ مرشحه، أو يواجه انتحاراً سياسياً لخطته في السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي.


بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
TT

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً في وقت لاحق من هذا العام؛ لينتقل إلى منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي. وسيشغل جون تيرنوس، المهندس الذي يقف وراء ثورة أجهزة «أبل» في السنوات الأخيرة، المنصب القيادي الأول بدءاً من مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل، ليرث تركة اقتصادية تقدر بتريليونات الدولارات، ولكنها محفوفة بتحديات وجودية لم تشهدها الشركة منذ عقود.

كوك يحضر حفل غداء توزيع جوائز معهد الفيلم الأميركي بلوس أنجليس في يناير (رويترز)

إرث تيم كوك وتوقيت «الخروج المسرحي»

يرى المحللون في «وول ستريت» أن رحيل كوك في هذا التوقيت هو «تحول مدروس»؛ فبعد قيادته للشركة لأكثر من عقد وتحويلها إلى أضخم كيان مالي في العالم، يترك كوك المنصب والشركة تمر بمخاض عسير في استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي. ويؤكد الخبراء أن الضغوط المتزايدة لتقديم رؤية واضحة في هذا المجال كانت المحرك الأساسي لضخ دماء جديدة في «الجناح التنفيذي».

جون تيرنوس يتحدث خلال مؤتمر «أبل» العالمي السنوي للمطورين (أرشيفية - رويترز)

خريطة الطريق لتيرنوس لإنقاذ العرش

لكي يتمكن تيرنوس من إسكات المشككين وبناء مصداقية سريعة في الأسواق؛ عليه حسم سبعة ملفات شائكة وصعبة:

1. معضلة الذكاء الاصطناعي: التحول من «اللحاق» إلى «السيادة»

المهمة الأولى والأكثر إلحاحاً هي جعل «ذكاء أبل» (Apple Intelligence) عنصراً حاسماً في قرار الشراء. رغم الشراكة الاستراتيجية مع «غوغل» لدمج نموذج «جيميناي» في أنظمة «أبل» مقابل مليار دولار سنوياً، فإن تيرنوس مُطالَب بتطوير قدرات سيادية للشركة تجعل «سيري» أكثر من مجرد مساعد صوتي، بل محركاً حياتياً يعتمد عليه مئات الملايين.

2. ابتكار «المستقبل»... هل انتهى زمن «الأيفون»؟

يواجه تيرنوس ضغطاً لتقديم «الشيء الكبير القادم». ومع دخول شركة «أوبن إيه آي» مجال الأجهزة من خلال استحواذها على شركة المصمم السابق لـ«أبل» جوني آيف، بات التهديد حقيقياً. تيرنوس، بخبرته الطويلة في هندسة الأجهزة، مُطالَب بابتكار جهاز ثوري يتجاوز فكرة الهاتف الذكي التقليدي؛ وهو ما قد يتخطى مجرد «أيفون قابل للطي» المنتظر.

3. جراحة مؤلمة في القوى العاملة

على غرار ما فعله عمالقة التقنية (أمازون، ميتا، وأوراكل)، قد يضطر تيرنوس إلى إعادة هيكلة ضخمة في حجم العمالة. «أبل» التي توظف أكثر من 160 ألف شخص عالمياً، قد تلجأ تحت قيادته لتقليص الأعداد في الأقسام التقليدية لإعادة تخصيص الموارد نحو استثمارات النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي خطوة يترقبها المستثمرون لرفع كفاءة الأرباح.

4. مراجعة مليارات «Apple TV+»

أنفقت «أبل» ما يقارب 30 مليار دولار على المحتوى الأصلي منذ عام 2019، ورغم نيلها بعض الجوائز، فإن عدد «الضربات الكبرى» (Hits) لا يزال ضئيلاً مقارنة بالإنفاق. التحدي أمام المدير الجديد هو الحسم: هل تندفع «أبل» بقوة لمنافسة «نتفليكس» و«أمازون» عبر صفقات استحواذ ضخمة، أم تنسحب تدريجياً لتقليص الخسائر في قطاع المحتوى؟

5. إعادة تشكيل «المطبخ القيادي»

من المتوقع أن يقوم تيرنوس بتعيين فريقه الخاص في المناصب العليا. تغيير المدير التنفيذي عادة ما يتبعه تغيير في رؤساء القطاعات الرئيسية. سيبحث المستثمرون عن أسماء شابة ومبتكرة في فريق تيرنوس تعكس التوجه الجديد نحو البرمجيات والذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز التاريخي على التصميم الخارجي فقط.

6. دبلوماسية «البيت الأبيض»

أتقن تيم كوك فن التعامل مع التقلبات السياسية في واشنطن، وبنى علاقة قوية مع الرئيس دونالد ترمب لحماية «أبل» من الرسوم الجمركية. تيرنوس لا يمتلك هذا التاريخ الدبلوماسي، وعليه البدء فوراً في استثمار الوقت لبناء علاقة شخصية مع الإدارة الأميركية، لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية للشركة دون عوائق سياسية.

ترمب يصافح تيم كوك بالبيت الأبيض في أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

7. كسب ثقة «حكماء أومها»

تُعدّ شركة «بيركشاير هثاواي» أكبر مساهم منفرد في «أبل» بحصة تبلغ 62 مليار دولار. ومع انتقال القيادة فيها إلى «غريغ أبل» (خلفاً لوارن بافيت)، يحتاج تيرنوس إلى تأسيس كيمياء خاصة مع «أبل» (المستثمر)؛ لضمان استمرار هذا الدعم المالي والمعنوي الذي يمنح السهم استقراره التاريخي في الأوقات الصعبة.

في الخلاصة، تيرنوس ليس مجرد «مهندس أجهزة» يترقى، بل هو الآن يقود سفينة تعبر عاصفة تكنولوجية لم يسبق لها مثيل. نجاحه يعتمد على قدرته في دمج عبقرية «أبل» في التصميم مع الثورة القادمة في البرمجة، والأسواق لن تمنحه الكثير من الوقت قبل أن تطلب منه نتائج ملموسة.


نائب رئيس «المركزي الأوروبي» يدعو إلى التروي في خفض الفائدة وسط ضبابية الحرب

لويس دي غيندوس يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد على مأدبة إفطار في مدريد 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
لويس دي غيندوس يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد على مأدبة إفطار في مدريد 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

نائب رئيس «المركزي الأوروبي» يدعو إلى التروي في خفض الفائدة وسط ضبابية الحرب

لويس دي غيندوس يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد على مأدبة إفطار في مدريد 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
لويس دي غيندوس يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد على مأدبة إفطار في مدريد 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دعا نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، لويس دي غيندوس، يوم الثلاثاء، إلى ضرورة التحلي بالحذر عند تحديد أسعار الفائدة، في ظل حالة عدم اليقين المرتفعة الناجمة عن الحرب في إيران.

ويأتي ذلك قبيل اجتماع البنك المركزي الأوروبي الأسبوع المقبل، حيث أشار عدد من صانعي السياسة، بمن فيهم الرئيسة كريستين لاغارد، إلى عدم توافر أدلة كافية حتى الآن لتبرير رفع أسعار الفائدة، بهدف كبح التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة.

وشدد دي غيندوس على أهمية مراقبة ما إذا كانت الزيادات في أسعار النفط والغاز ستنعكس على بقية أسعار السلع والخدمات، وفق «رويترز».

وقال خلال فعالية في إسبانيا: «نحتاج إلى التريث، والتحلي بالهدوء، وتحليل البيانات في ظل مستوى مرتفع من عدم اليقين».

وأضاف أن أسعار الطاقة الحالية تقع بين السيناريو الأساسي للبنك المركزي الأوروبي الذي يتوقع تأثيراً تضخمياً مؤقتاً، وسيناريو أكثر تشدداً قد تكون له تداعيات أوسع وأكثر استدامة على التضخم.

كما حذّر من ثلاثة مخاطر تهدد الاستقرار المالي في منطقة اليورو، تشمل ارتفاع تقييمات الأسواق، والسياسات المالية التوسعية في بعض الدول، وتنامي المخاطر المرتبطة بسوق الائتمان الخاص.

ومن المقرر أن يقدم «دي غيندوس» آخر تقرير له حول الاستقرار المالي خلال فترة ولايته في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في 27 مايو (أيار)، قبل مغادرته منصبه في نهاية الشهر ذاته.