عمارة الحرية وبنيان الاستبداد

مأمون فندي يقرأ المنظور العمراني للتخلف

عمارة الحرية وبنيان الاستبداد
TT

عمارة الحرية وبنيان الاستبداد

عمارة الحرية وبنيان الاستبداد

اختار د. مأمون فندي العمران مدخلاً لتفسير ما جرى في المجتمع المصري خلال الأعوام السبعين الماضية؛ فكانت النتيجة كتاباً في الاجتماع السياسي منظوراً إليه من زاوية العمران. وهذا ما يجعله قريباً من الدراسات البينية التي تفتح مجالات العلوم الإنسانية بعضها على بعض، لكن ما يتضمنه الكتاب من سيرة ذاتية للكاتب يجعله أقرب إلى النص المفتوح.
«العمران والسياسة... منظور عمراني لتفسير التخلف» هو عنوان كتاب فندي الصادر حديثاً عن مكتبة «مدبولي» بالقاهرة، في 285 صفحة من القطع الكبير. وفي مقدمته يقرر أن بذور رغبته في تأمل مصر من خلال عمرانها في الريف والمدينة، الشمال والجنوب، وُلدت في نفسه مبكراً جداً. ويبدو أن ذلك التأخير كان خيراً، حيث يصف فندي قراءته للعمران المصري بعد أن جاب الآفاق بـ«القراءة» الانعكاسية. ولهذا نلمس في الكتاب تشابك الظواهر المصرية مع غيرها من الظواهر العالمية، سواء بالموافقة أو المخالفة؛ حيث يضع الكاتب عمران الديكتاتورية في مواجهة عمران مدن الديمقراطية.
ويوضح فندي مفهوم العمران بأنه يشمل العمارة وتخطيط الشوارع وتفاعل البشر فيها، مؤكداً أن ادعاء الموضوعية ليس بالأمر الحاسم عنده، منحازاً إلى نهج «المتأمل المشارك» حيث يصعب أن يكون الإنسان موضوعياً عند تناوله عالماً هو جزء منه.
هذا التورط في الموضوع الذي يعلنه فندي بوضوح لم يعد ذنباً ينبغي على باحث العلوم الإنسانية الاعتراف به، منذ أعلن تودوروف صرخته «الأدب في خطر» بعد أن تسببت المناهج الجامدة بعزلة النقد الأدبي والأدب ذاته لأنها ساوت بين النصوص في قراءتها للظواهر الأدبية.

بين الموضوعي والذاتي
لا يفوت المرء وهو مسافر بالقطار من الأقصر متجهاً نحو الشمال، ونحو صرّة الحكم في القاهرة أن الديني والدنيوي يمثلان خطين متوازيين لا يلتقيان إلا عند ملامستهما محيط دائرة المركز: «القاهرة» وعند المركز سيكتشف المعادلة الثلاثية التي تربط العمران بالتدين بالحكم.
في الماضي عبد المصريون النيل، وقدموا له القرابين لكي يفيض بالحياة، وابتهلوا له كي يرحم المدينة من طغيانه، وبعد السيطرة على النيل بالقناطر والسدود صاروا يعبدون مَن ينظم مياه النيل. والآن توسعت المدن بشكل رهيب، بعشوائية غالباً وبنظام أحياناً، ولا أحد يعرف كيف يمكن حماية النهر من طغيان المدينة!
يكشف العمران المصري عن البنية الرمزية للسلطتين الدينية والزمنية وما بينهما من تشابهات واختلافات. تجد المنظومة الدينية صداها في المنظومة الدنيوية (المواطن، وعضو مجلس الشعب، والحكومة). سلطتان متوازيتان، ولا غرابة في أن المصريين يسمون السيدة زينب رئيسة الديوان، حيث توجد حكومة روحية خفية توازي الحكومة الزمنية كما أن الحكومة الزمنية ذاتها تكتنفها جوانب من الخفاء. والجغرافيا محددة خصوصاً في الصعيد، حيث يكون مبنى المحافظة شرق النيل ويكون مقام الولي غربه.
ويشد الكاتب ثنائية الخفي والعلني على استقامتها، فيقرأ تداعياتها في الاقتصاد والسياسة، حيث يوجد اقتصاد علنيّ وآخر سرّيّ، ولكل ظاهر باطن من أبسط الأمور إلى أكثرها تعقيداً، وعلى سبيل المثال فمظهر الورع في تخصيص أحدهم الطابق الأرضي من عمارته لمسجد، هو في عمقه تمرير مخالفات البناء التنظيمية والمعمارية، أو من أجل إعفاء المبنى من الضريبة.
ولا يرى فندي في التصاق الديني بالسياسي ظاهرة تخص مصر وحدها؛ فقد كان حافظ الأسد يؤدي صلاة العيد في الجامع الأموي الذي لا يصلي فيه العلويون والشيعة عادةً، ليكتسب قبولاً رمزياً من عمارة الأغلبية السنية. والالتصاق الأبرز عربياً بالطبع هو المسجد الأقصى، المعمار الذي يقف في قلب الصراع.
من ملاحظة عمران الحكم في مصر وثقافة الشعب ومخيلته يبدو فندي متشائماً بشأن إمكانية الفصل بين الديني والدنيوي، متشائماً بشأن التحول الديمقراطي، حيث يتعامل المصريون مع المجلس النيابي تعاملهم مع الضريح الولي؛ التوسل بدلاً من المطالبة بالحقوق، وذبح القرابين لتحقيق المطالب بدلاً من الاحتجاج.

عمارة النفس المشروخة
من ملاحظات ابن الصعيد على عمران القاهرة أنها مدينة مخططة من أسفل، الغلبة فيها للبشر، بينما مدن الجنوب من الأقصر إلى أسوان مخططة من أعلى، حيث الصدارة للمعبد. يربط تخطيط المدينة في الصعيد العبد بربه وبالطبيعة، ويمنح الإنسان سلاماً داخلياً لا تمنحه القاهرة التي قامت في البداية كفسطاط للعسكر. وعلى الرغم من أنها تستأثر بأكبر الأولياء بحكم مركزها، فقد أتت مقاماتهم لاحقاً بعد تأسيس المدينة.
يلمس فندي الشرخ الذي تعاني منه الشخصية المصرية بين الوطني والديني؛ والذي ينسحب على موقفهم من الفراعنة واليهود؛ فعمارة الهرم والمعابد الكبرى والمقابر تدعو لتمجيد الأجداد، بينما يجد المصري نفسه بحكم النص الديني مأموراً بنظرة معاكسة للطرفين. على أن الصدع العمراني الذي نشأ في العقود الماضية لا يقل خطراً عن الصدع التاريخي؛ حيث يتمدد عمران ومجتمع طبقي كما في الهند (كاست سيستم). يسكن الأغنياء في كمبوندات مسيجة، حمل أسماءً أجنبية، وعلى النقيض يوجد سكان المقابر والعشوائيات الفقيرة. وتتضاعف المشكلة لأن ذلك يجري في توازٍ وتزامن مع تقليص مساحات الفضاء العام من ميادين وأرصفة مشاة وحدائق عامة، الأمر الذي يجعل من المسجد الفضاء الوحيد الذي يتساوى فيه المصريون وقت الصلاة، ثم يعودون إلى عمران الطبقية بقية اليوم. ربما علينا أن ننظر إلى هذه الفكرة من الجهة الأخرى؛ ففي الوطن شركاء آخرون لن يجمعهم شيء سوى الكنيسة، ولدينا من أتباع الديانتين من لا يرتادون دور العبادة، بل إن العزل الطبقي ينطبق على مرتادي المساجد كذلك، لأن المساجد مرتبطة طبقياً بمناطق السكن. ربما يختلط المصريون في المساجد التاريخية كالأزهر والحسين والسيدة زينب مرات قليلة بوصفها مزارات.

ميادين الحرية
لا يخلو الكتاب من فرضيات ساخرة، تحفز الخيال حتى لو كان دافعها السخرية لا الواقع، منها افتراض الكاتب أن ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 كانت بشكل ما انتقاماً متأخراً قام به الخديو إسماعيل ضد عبد الناصر الذي أنهى حكم أسرة محمد علي عام 1952!
ينوه فندي إلى أن افتراضه خيالي إلى حد ما، وأن الخديو لم يكن أكثر ديمقراطية من البكباشي، لكنه يعتقد أن عمران الخديو المتسع -وليس السوشيال ميديا- هو ما جعل الثورة ممكنة، حيث استوعب ميدان التحرير بالقاهرة ما يقرب من مليون متظاهر وكذا ميادين الإسكندرية والسويس وغيرها. والميدان ليس مجرد فيزياء الفضاء لكنه ذاكرة ساكني المدينة، وفي أيام الثورة الثمانية عشر استعاد الناس ذاكرة مدينتهم واستعادوا عطفهم عليها وبدأوا في تنظيفها بأنفسهم. وبدا الميدان سياقاً تتعارك فيه الأفكار والرمزيات. حيث كان الصراع مع كل الفاشيات صراع أفكار «فالديكتاتور لا يحكم وحده، وإنما عبر نظام مهيمن للأفكار ينتشر في المجتمع من خلال الإعلام والمدارس والجوامع يجعل الناس لا يرون ما هم فيه داخل فقاعة الديكتاتور».

بين إعادة التأهيل والسطو
يتوقف فندي أمام مدن مثل واشنطن، ونيويورك، ولندن، بوصفها أمثلة على عمران الحرية، من خلال علاقة العمارة بفضاء المدينة، كما يتعرض للتجربة الألمانية في إعادة تأهيل عمارة الرايخستاغ (قصر الحكم النازي) ليلتحق بالحرية كمفهوم والديمقراطية كنظام حكم (ليصبح البوندستاغ-البرلمان) في عملية أشرف عليها المعماري نورمان فوستر. حيث قام بفتح رئتي المكان للهواء بإدخال إضافات منها القبة الزجاجية، لكن هذا التحويل لا تمكن مقارنته بمبنى البوندستاغ- البرلمان في بون، المؤسس من البداية كعمارة ديمقراطية.
مع ذلك، فالديكتاتور الذي يبني يختلف عن الديكتاتور الذي لا يحس بأن لديه وفرة من الوقت أو القدرة على البناء فيقوم بالسطو على العمارة الليبرالية أو على كنيسة لتحويلها إلى مسجد ليكسب نقاطاً لدى الجمهور، يلتقي هذا المسلك بثقافة سائدة هي «ثقافة وضع اليد» التي تلتقي بظواهر متعددة في المجتمع من وضع اليد في المستويات العليا من السياسة إلى ساسة السيارات في شوارع المدينة، الذين يطلبون نقوداً مقابل صف السيارة، كأنهم امتلكوا الشارع. في كل الأحوال يبتغي الديكتاتور من العمارة ثلاثة أشياء: الإبهار، والتأييد، والحشد.

القفز فوق المشكلات
تأملات المكان تستدعي تأملات الزمان المصري، بالنظر إلى مظهر بسيط كبيانات الصفحة الأولى من جريدة «الأهرام» حيث يكشف تاريخ العدد اليومي عن ثلاثة تقويمات هي ثلاثة أزمنة يتحرك خلالها المصري بسلاسة وهدوء: التقويم الغريغوري الشمسي المرتبط بالوظائف وبالغرب، والتاريخ الهجري القمري المرتبط بالروح، والتاريخ القبطي وهو زمن زراعي مرتبط بالزرع. الأزمنة الثلاثة يستدعي كل منها إلى الذهن ثلاثة أنواع من الأماكن: فضاء القرية، وفضاء المدينة، وفضاء المسجد. وتستوقف الكاتب في السنوات الأخيرة ظاهرة تمدد المسجد إلى فضاء الشارع، من خلال ظاهرة افتراش الأرصفة للصلاة، عندما يفيض المصلون على فضاء المسجد في صلاة الجمعة والعيدين، وفي المقابل يتمدد الشارع إلى داخل المسجد من خلال انحدار لغة الخطابة.
ومن عمارة المسجد وعلاقتها بالجسد والنفس، إلى النقيض حيث عمران الكذب والواجهات البراقة التي تُخفي المشكلات، إلى عمارة القفز على المشكلات التي تُمثلها ظاهرة تكاثر الكباري العلوية للسيارات في القاهرة.
يعدّ فندي التوسع في إنشاء الكباري تعبيراً عن ثقافة متأصلة في الإدارة المصرية تفضل القفز فوق المشكلات بدلاً من حلها. ويعد الظاهر إقراراً بأن «القاهرة اللي تحت الكوبري» غير قابلة للإصلاح هي ما يعبر عنه الكوبري، وفي هذه الرمزية يشترك الحكم ومعارضاته وكرة القدم وحتى مفهوم الكوبري في وصلات الكهرباء غير النظامية.
للأمر علاقة بعمران الثقة والكذب. عمران الواجهات المغالطة، وعمران حواري الفقراء، ثم يطوف الكتاب بعمران سيناء، والعاصمة الإدارية، قبل أن يختتم بالعودة إلى «25 يناير» التي يراها انهياراً لعمران يوليو (تموز) 1952، وهذا يعني حاجة مصر إلى معمار جديد. لكنه لا يرى حتى الآن رغبة مصرية في بناء المعمار الجديد، بل هناك رضا بمساكن الإيواء، لأن النخبة الجديدة تريد أن تسكن فحسب، دون اعتبار لمقاييس السلامة أو معايير الصحة والنظافة والنظام في البناء.



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!