«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

اليابانية «أوغاوا» تخترع عالماً لم نعد نمتلكه

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«شرطة الذاكرة»... كيف تمنع تأليف القصص والحكايات؟

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في رواية اليابانية يوكو أوغاوا شرطة الذاكرة، «الآداب: 2021» ثمة عالمان متضادان يطرد أحدهما الآخر. عالم رجال الشرطة المطارين للذكريات، وعالم فاقدي الأشياء وذكرياتهم عنها. يمكننا أن نختصر المشهد فنتحدث عن عالمي الذاكرة ونقيضه الأبدي النسيان. أظن أن هذا الاختصار يفيد ويرضي المشتغلين بسرديات التذكر، ولا بأس؛ لكن هذا الاختصار يبعدنا عن عالم الرواية واشتغالاتها المبهرة الخاصة برغبة الفرد الأعزل بمقاومة النسيان، وهو، برأيي، جوهر العالم السردي في الرواية. تفتح الراوية / الكاتبة عينها على عالم أمها الزائل، عالم الأشياء المختفية، يقابله ويوازيه عالم آخر سيأخذ بالتشكِّل لاحقاً. إنه عالم الرواية المتخيل الذي تعكف الكاتبة / الراوية على تشييده أمامنا بصفة مخطوط. العالمان المتخيلان يؤلفان، معاً، الصياغة السردية لمقولة النسيان؛ بالضبط كيف نكتب عن عالم، عالمنا ولا شك، لم نعد قادرين على تذكَّر أشيائه؟

- أي ذاكرة... أي نسيان؟
لكن «شرطة» الذاكرة لا تبني عوالمها باستدعاء أو تذكّر ماضٍ سعيد أو تعيس، إنها رواية عن الفقدان التدريجي للماضي وعوالمه. وهي كذلك رواية عن الأشياء المختفية، عن ذلك الفقدان المفاجئ والمؤلم لموجودات العالم المحيط بنا. والمفارقة أن الرواية يصلنا عالمها السردي عبر «راوية: لا نعرف اسمها» لا تتصل سيرتها الشخصية بتاريخ الأشياء المختفية. نتحدث، هنا، في الأقل، عما ورثته «الراوية» من حكايات عن أمها تخصّ أشياء اختفت من الجزيرة، فضلاً عن أشياء شهدت، هي نفسها، اختفاءها. لا ماضٍ، إذن، ولا تاريخ عظيم الشأن أو خلافه تحيل إليه الرواية سوى تاريخ زوال أشياء المشهد العام. فهل هذا الزوال / الاختفاء هو عالم الرواية؟ وهل يمكن لـ«السردية» أن تتحقق من دون عناية «كبرى» بماضي الأشياء وتاريخها؛ أليس هذا شأن الرواية «السرديات عامة» في مجمل تاريخ نصوصها، وبمختلف اللغات، إنها حكاية متخيلة عن «ماضٍ» فردي ذي سمة شخصية خالصة، أو جماعي ذي سمات بطولية؟. هل نتحدث، من ثمّ، عن رواية تختصر عالمها السردي بما نلمسه من «مقاومة» تبديها الراوية، ومن قبلها أمها النحاتة وجدها ثم ناشرها «ر» إزاء النسيان؟ لا أظن أن ذلك هو جوهر التأويل السردي في الرواية؛ فالأم التي تفتح الرواية عالمها بكلامها تؤكد للراوية، ابنتها، وهي تعرض عليها نسخاً مخبأة من أشياء «اختفت» من الجزيرة «من الذاكرة والتداول الحكائي»، أن الاختفاء هو الأصل، هكذا أخبرتها أمها، جدة الراوية، وهي مثل سواها لا تملك جواباً، ولا تعرف متى بدأ الاختفاء، ولا الأشياء الأولى التي اختفت من الجزيرة. ثم إن الناس، مواطني الراوية وأمها على الجزيرة، لا يملكون القدرة على الاحتفاظ بقيمة الأشياء المختفية في قلوبهم. ربما نكون، هنا، إزاء قيمة مضادة لمقولة ماركيز الشهيرة: «التذكر سهل للذين لديهم ذاكرة، والنسيان صعب للذين لديهم قلب»؛ فالناس، هنا، لا يقاومون فعل الاختفاء القسري للأشياء، وهذه حقيقة تؤكدها لنا الراوية في أماكن مختلفة من الرواية: والأم في مطلع الرواية، وفي خاتمتها. نقرأ ونشهد أسف الراوية من عدم اكتراث الناس بموت الأشياء وإزالتها من الذاكرة والاستعمال اليومي. وهو ذاته المعنى الذي شرحته الأم لابنتها عما يحدثه الاختفاء في النفس من خوف وذعر. وستكون الإجابة منسجمة، بل ومتمثِّلة للمشهد العام بعدم الاكتراث والإحساس بفقدان الأشياء؛ فالفقدان / الاختفاء «لا هو بالمؤلم ولا بالمحزن. تفتحين عينيك صباحاً في سريرك، فيكون ثمة شيء قد اختفى، من غير أن تلحظي اختفاءه». أمثولة الاختفاء وكتابة تاريخ موجز له، هي، باختصار، جوهر التمثيل السردي في الرواية. ألا يعيدنا هذا الاختصار لجدل التذكَّر ومقاومة النسيان؛ لا سيما أن سلطة مخصوصة ومسماة بـ«شرطة» هي التي تفرض الاختفاء؟ ربما؛ لكن الكلام هنا ليس عن ماضٍ مكتمل تختص وقائعه وحكاياته بأشخاص محددين ومعروفين في الرواية، إنما عن فعل الإخفاء القسري للأشياء حتى يصل إلى إخفاء / محو الجسد ذاته أو أجزاء رئيسية منه.

- متحف المفقودات
تشرح الأم / النحاتة لابنتها في قبو البيت ماذا يعني اختفاء شيء، أو ماذا يحدث بعد اختفاء شيء ما؟ لا شيء؛ سوى أن اضطراباً يحدث للناس فيتجمعون ليحكوا لبعض قصصاً وحكاياتٍ عما اختفى، ثم يعمدون لحرق «الأشياء» المختفية، أو دفنها، أو رميها في النهر، ثم ينسى الجميع تفاصيل ذلك الشيء المختفي بعد أيام قليلة. لكن الأم لا تكتفي بمشهد الفرجة لجمهور يفقد «قصصـ»ـه أشياءهم على مهل و«ينسا»ـها، بل تسعى لأن تترك خلفها صواناً «متحفاً» يتضمن نسخاً من الأشياء المختفية. نشدِّد، هنا، على موضوعة المتحف وسردياته لأهميتها القصوى في رواية تبني عالمها السردي على الموت / الإخفاء التدرجي لأشياء الواقع وقصصه؛ إذ سنعرف لاحقاً أن هذه الأشياء المخفية قد «أخفتها» الأم في منحوتات وخبأتها بعيداً عن البيت وقبوه. ولكن لماذا تحظى سردية المتحف بهذه الأهمية؟ هل لأنها المقابل السردي لدلالة القمع والمطاردة المعلنة عبر العنوان الرئيسي للرواية / «الشرطة» المكلَّفة بمطاردة «المتذكرين»؟ لنتذكر مرة أخرى أن «أوغاوا» تفتتح روايتها بمحتويات الصوان / المتحف، وتكاد تختمها بها؛ وكأن «القصة» كلها تكمن في سردية «الإخفاء / الاختفاء» وتاريخها، فيما تعمل الصياغات الأخرى بصفتها عوامل «ساندة» للتاريخ السردي المقترح للمتحف.
ربما لأجل هذا لا تشرح لنا الراوية لماذا علينا أن ننسى؛ أو ما الداعي لوجود «شرطة الذاكرة»؛ وهل يقتصر عملها على حدود الجزيرة، أم يشمل باقي الجزر اليابانية؛ وهل نحن في سياق سردية الديكتاتور أو الأخ الأكبر؟ نعرف عبر إشارات متفرقة لا يجري التركيز عليها كثيراً أن «الشرطة» تحافظ على صفتها «القهرية» الدَّالة على القمع والضبط البوليسي كما يحيل إليها العنوان؛ ثمة أناس يجري اعتقالهم وتعريض حياتهم للخطر. النحاتة، أم الراوية، تُعتقل ثم تموت بعدها، مشاهد رعب عامة تتضمن اعتقالات أشخاص لا يلتزمون بقوانين شرطة الذاكرة، ومثلها مصير الجد / عامل العبارة الذي سيعتقل ثمّ يموت في الشارع، ليس بعيداً عن مكان العبارة التي غرقت «اختفت». أحداث أخرى تستعملها الرواية تضعنا في السياق السردي لرواية الأخ الكبير / الديكتاتور وتشدِّد، من طرف خفي، على مركزية «الإخفاء» بصفته مدخلاً سردياً للمتحف وتحولاته؛ ذلك أن «أولى مهام شرطة الذاكرة، الحرص على إرساء الاختفاءات»، ومنع الناس، من ثمّ، من استعادتها، بل واستخدامها في تأليف «اختراع» قصة ما.

- غرفة «سرية» لإخفاء «المتذكر»
ولكن ما الذي يجمع «مخطوط» الرواية بالغرفة السرية، حيث أخفت الراوية أشياء أمها «المخفية» و«ر» ناشر رواياتها؟ بتصوري إنها سردية المتحف مرة أخرى. يفسر «ر» الأمر للراوية، كاتبة الرواية، عندما يعبر عن دهشته من قدرة «الكلمات»، وهو يثني على مخطوط الكاتبة، على صناعة شيء في «جزيرة» تزول «تختفي» أشياؤها. إنها قوة الحكاية وسحر السرد، أو كما سنقرأ لاحقاً تأكيداً يقترب من يقين النبوءة: «لا أحد سيمحو ذكرى الروايات». هذا اليقين الذي ستنتهي به الرواية لا يغير من هيكلية العالم السردي، ولا يحسم الصراع أبداً؛ إذ ستنهي الكاتبة حوارها مع ناشرها بتساؤل معبر عن حجم الخسارات الحاصلة فيما لو اختفت الكلمات «ما الذي سيحدث؟»؛ لا حكاية، حينئذٍ، ولا عالم متخيل يمكنه مواجهة سلطة الاختفاءات.
ثمة مساران أو خطان ينتظمان مشهدية المتحف: خط يمثله مخطوط الرواية. وخط يشغله مشهد الاختفاءات. عالم المخطوط المتخيل يقابله، إلى حين، عالم متخيل، أيضاً، لكنه عالم رواية شرطة الذاكرة. تجمل الكاتبة قصة روايتها الرابعة بأنها عن «طابعة» على الآلة الكاتبة تفقد صوتها وتستخدم الآلة الكاتبة لتعويض خسارتها. وهي تستعين بمعلمها في معهد الطباعة لاستعادة صوتها، لكنها لا تحصل من «صاحبها» سوى على «حبس» منفرد في «برج»، هو أشبه بالمتاهة، مع وجبات جنس شبه يومية. في البدء، تجهل الكاتبة مصير بطلتها، مثلما نجهل، نحن كذلك، مصير الكاتبة نفسها. لكننا نعرف، في المحصلة، أنهما ينتهيان إلى المصير ذاته: بطلة الرواية محبوسة في متاهة البرج، فيما تنتهي الكاتبة، أو ما تبقى من جسدها بعد أن وصلت ظاهرة الاختفاء لأعضاء الجسد الإنساني، وحيدة في الغرفة السرية بعد أن يغادرها ناشر روايتها، المتذكر الوحيد، بقاياها. ومثلما أن بطلة الرواية تفقد صوتها نجد الكاتبة تفقد قدرتها على الكتابة بعد أن تختفي الروايات. فهل كانت الكاتبة بصدد تأليف سيرة روائية عن نفسها؟ ليس هناك إجابة مفصلة وقاطعة، إنما هناك إشارات واضحة عن «روايات» ثلاث، سبق للكاتبة أن أصدرتها، والروايات الثلاث تتحدث عن شيء ما يختفي. ومثلها الرواية/ المخطوط سبق للكاتبة أن أنجزتها في غرفة أبيها. والروايات كلها لم تكن بحاجة لـ«وثائق وتدوينات»؛ فهي محاولات فاشلة لملء «الفراغ الذي خلفته شرطة الذاكرة». المخطوط، ومن ثمّ سيرة الكاتبة، تظهران أمامنا بصفتهما محاولة أخيرة لكتابة قصة «تقتصد» بأشيائها، فهي «يوميات» الأشياء المختفية، أو إن شئت قل، إنها «شهادة» الكاتبة على عالم يفقد ذاكرته، عفوا أشياءه.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».