السيرة العاطفية لشاتوبريان: آخر أحلامي سيكون لأجلكِ يا حبيبتي

جان دورميسون يكتب عن العلاقة الوثيقة بين مغامراته وإنجازاته الفكرية والأدبية

شاتوبريان
شاتوبريان
TT

السيرة العاطفية لشاتوبريان: آخر أحلامي سيكون لأجلكِ يا حبيبتي

شاتوبريان
شاتوبريان

هل يمكن فصل النتاج الإبداعي للأدباء الكبار عن حياتهم الشخصية العاطفية إن لم نقل الغرامية؟ مستحيل يقول لنا الكاتب الفرنسي الشهير جان دورميسون. ومعلوم أنه كان معجباً جداً بسلفه الأكبر شاتوبريان. وربما كان يعده أهم كاتب في اللغة الفرنسية. وعلى أي حال فإذا كان الإنجليز يفتخرون بشكسبير، والألمان بغوته، والإسبان بسرفانتس، والإيطاليون بدانتي، والعرب بالمتنبي أو المعري، فإن الفرنسيين يفتخرون بشاتوبريان الذي استشهد به ديغول أكثر من مرة في مؤتمراته الصحافية على رؤوس الأشهاد.
وأكبر دليل على ذلك أن فيكتور هيغو الذي هو مفخرة فرنسا بالإجماع صرخ في بداية حياته الأدبية قائلاً: «إما أن أكون شاتوبريان أو اللاشيء»! وقد كان. ومعلوم أن شاتوبريان عاش من منتصف القرن الثامن عشر تقريباً إلى منتصف القرن التاسع عشر (1768 - 1848). لقد عاش على ضفتَي قرنين: وبينهما يقع زلزال الثورة الفرنسية. في تلك الفترة العاصفة من تاريخ فرنسا عاش شاتوبريان. وكتاب جان دورميسون يتحدث عن ذلك أيضاً وليس فقط عن مغامراته العاطفية وفتوحاته الغرامية. بل إن الكتاب يستمد أهميته من موضعة هذه المغامرات داخل العصر والظروف والفتوحات الفكرية والسياسية والأدبية التي حققتها فرنسا في تلك الفترة.
الكتاب مكثف جداً وغنيٌّ بالمعلومات والإضاءات عن إحدى أهم الفترات في تاريخ فرنسا. على أي حال هناك علاقة وثيقة بين الفتوحات الغرامية لشاتوبريان وفتوحاته الفكرية والأدبية. هذه من تلك. في كل مرحلة من مراحل حياته كانت تظهر له سيدة تعشقه ويعشقها ويبدع أجمل النصوص على أثرها أو بفضلها.
وقد نجح جان دورميسون في الربط بين حياة شاتوبريان العاطفية وحياته السياسية لأنه كان سياسياً كبيراً أيضاً بل ووزيراً للخارجية في عهد الملك لويس الثامن عشر. من هنا كثافة الكتاب وقيمته الحقيقية. أنه يقدم لنا صورة غنية عن أوضاع فرنسا الأدبية والفلسفية والسياسية في تلك الفترة الحاسمة من تاريخها.
يقول لنا جان دورميسون ما معناه: لقد ربط شاتوبريان حياته العاطفية بحياته الأدبية والسياسية أكثر من أي شخص آخر. لا يمكن فصل هذه عن تلك. ومعلوم أنه عرف عدة قصص حب كبرى مع ست سيدات متلاحقات. هذا ناهيكم بزوجته الشرعية غير المحسوبة والتي يبدو أنها كانت مجرد ديكور أو فولكلور. وكل واحدة كان يقول لها هذه العبارة: «آخر أحلامي سيكون لأجلك يا حبيبتي»... نذكر من بينهن سيدة أرستقراطية تدعى باولين دو بومون.
ويبدو أنه ذاق في عهدها طعم المجد لأول مرة. فقبل ذلك كان لا يزال كاتباً مغموراً. وقد وصفها أحدهم بأنها «عندليب» شاتوبريان. إنها ملهمته الأولى. لقد تفجرت عبقريته على يدها. ولكنها مرضت فجأة وانتهت نهاية مأساوية وهي في عز الشباب. لقد ماتت في أحضانه وهي في الخامسة والثلاثين من عمرها فقط. وقد بكاها بكاءً مراً ولم يتخلَّ عنها لحظة واحدة طيلة فترة المرض. بل سمعوه ينتحب بحرقة في الغرفة المجاورة وهي تُحتضر.
بصراحة أكبرت شاتوبريان عندئذ وغيّرت نظرتي عنه كلياً. كنت أعتقد أنه شخص انتهازي خبيث يتلاعب بقلوب السيدات فإذا بي أكتشف شخصاً آخر مختلفاً تماماً. هل يمكن لكاتب كبير أن يكون شخصاً حقيراً؟ هل يمكن ألا يكون مشبعاً بالنزعة الإنسانية العميقة؟ ويرى البعض أنه لولا هذه المغامرات العاطفية المتلاحقة لَما أصبح شاتوبريان أكبر كاتب في عصره. فالعشق الولهان هو الذي ينعش الإبداع الأدبي ويغذيه. وكذلك الفراق والقطيعة والهجران. من سيؤلَّف كتاباً ضخماً ألف صفحة بعنوان: «لوعة الفراق»؟ متى سأتفرغ له كلياً وأتوّج حياتي به؟ ولكن هل أنا قادر عليه؟ أشك في ذلك كل الشك. على أي حال، تظل الكتابة بحاجة إلى تجارب حياتية معيشة، مكثفة، وإلا فلا تكون كتابة.
ونفهم من كلام جان دورميسون أنه على أنقاض الحب الجارف المشتعل ينهض الكتاب الكبار. ثم يتحدث بعدئذ عن رائعة شاتوبريان التي خلّدته على مدار العصور والأزمان. ونقصد بها كتابه الشهير ذا العنوان العبقري: «مذكرات ما وراء القبر». وهي مذكرات لم تُنشر إلا بعد موته وبعد أن أصبح في القبر. يبدو أن هذا الكتاب بهر جان دورميسون بهراً طيلة حياته كلها. وقد عايشه وعاشره على طول الخط. وما معنى حياة من دون دهشة أو إعجاب وانبهار؟ وهو يقول لنا إن هذا الكتاب يشكّل واحداً من خمس أو ست روائع كبرى للآداب الفرنسية كلها. وإذا كانت اللغة الفرنسية قد وصلت إلى مثل هذه الشهرة العالمية فإن الفضل في ذلك يعود إلى كاتب عبقري كبير كشاتوبريان من جملة آخرين بالطبع. ثم يواصل جان دورميسون كلامه قائلاً: «هذا الكتاب الضخم يصل إلى مصاف (الإلياذة والأوديسة)، وكتاب (الكوميديا الإلهية) لدانتي، وكتاب (دونكيشوت) لسرفانتس، وكتاب (آلام فرتر الشاب) لغوته، وكتاب (الحرب والسلام) لتولستوي».
ثم يضيف هذه الفكرة المهمة: لا ريب في أن كل أدب مرتبط بشكل أو بآخر بتجربة الفشل في الحياة والانتقام من هذا الفشل بالذات. وكلما فشلت أكثر كان أدبك عظيماً أكثر. بمعنى آخر فإن الأدب العظيم ليس إلا تعويض عن الفشل الذريع في الحياة. وبالتالي فلا تخافوا من الفشل أيها الكتاب والشعراء. لا تخافوا من الآلام والفواجع المدمِّرة. إنها كنزكم الوحيد.
الحياة الفاشلة أو الخائبة هي التي تصنع الكتاب الكبار. وكذلك التجارب المريرة والأحداث الجسام. انظروا إلى نيتشه أو دوستيوفسكي أو بودلير على سبيل المثال لا الحصر. وانظروا أيضاً إلى المتنبي أو المعري أو بدر شاكر السياب في جهتنا نحن. الناجحون في الحياة ليسوا بحاجة لأن يكتبوا أدباء. الأغنياء، الأثرياء، أبناء العائلات، ليسوا بحاجة لأن يكتبوا حرفاً واحداً. يكفيهم أن يعيشوا ويستمتعوا بالفلوس والوجاهات والمقامات.
ولكن المشكلة هي أن جان دورميسون ذاته كان غنياً أرستقراطياً مترفاً من أعلى طراز. لقد «وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب» كما يقول المثل الفرنسي. وكان ناجحاً كل النجاح في الحياة. وكان يسكن القصور في باريس أو ضواحيها الراقية جداً. ومع ذلك فقد أصبح كاتباً كبيراً. وبالتالي فهناك استثناءات. ولكنه يعترف بكل تواضع: «أنا لست في مستوى شاتوبريان، ولا في مستوى فلوبير، أو بلزاك، أو ستندال، أو بروست. كنت أتمنى أن أكون. ليتني كنت، ليتني استطعت. لقد حاولت جهدي ولكني لم أستطع الارتفاع إلى مستوى هذه القمم». برافو جان دورميسون! شكراً على هذه الصراحة، على هذا التواضع الجمّ. ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه. ولكنك كاتب كبير يا سيدي. وقد استمتعت بقراءة مؤلفاتك كل الاستمتاع ولا أزال. إنك تعرف كيف تطرب لسحر البيان. قصيدة واحدة لبودلير أو فيرلين قد تدوخك وتُخرجك عن طورك. كل من يحب الأدب شعراً ونثراً هو أستاذي، سيدي، معلمي. أنا تلميذ صغير في محراب الأدب.
أخيراً نقول ما يلي: كان جان دورميسون يتموضع في قلب السلطة الفرنسية وفي مركز الأحداث على مدار ستين سنة متواصلة. فقد كان رئيساً لتحرير جريدة «الفيغارو»، وكان موظفاً كبيراً في القسم الثقافي في «اليونيسكو»، وكان مستشاراً كبيراً لجيسكار ديستان وجاك شيراك. كان له صوت مسموع. كان أحد المنظّرين الفكريين الكبار لليمين الفرنسي المعتدل بالإضافة إلى ريمون آرون وبعض الآخرين. كان ديغولياً مشهوراً. لقد اعتلى سلطة السياسة وسلطة الأدب في آن معاً. ويمكن القول إنه عاش حياة الأرستقراطيين الكبار. ولا ننسى أنه كان عضواً في الأكاديمية الفرنسية: قمة القمم. ولهذا السبب تحسر كثيراً عندما اقتربت منه لحظة المنية وقال هذه العبارة: كيف يمكن لشخص مثلي عاش أرقى حياة في العالم وأسعد حياة أن يموت؟ كيف يمكن أن يترك كل ذلك ويرحل عن هذه الحياة؟ والله مصيبة! ونحن نقول له: هنا في هذه النقطة بالذات يتفوق الفقير على الغني يا جان دورميسون، وابن الشارع على أكبر أرستقراطيٍّ في العالم. إنه لا يتفوق عليه إلا في لحظة الموت. لولا العيب لقلت إنه ينتصر عليه بالضربة القاضية! فهو لا يملك شيئاً لكي يخسره أو يتحسر عليه. إنه يرحل سعيداً عن هذا العالم. إنه يرحل وهو في قمة السعادة. وربما صرخ قائلاً: اللهم عجّلْ، خذّ وديعتك وخلّصنا!



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.