المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»
TT

المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»

بوصول روايته «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، يكون الروائي المغربي محسن الوكيلي قد أكد أن الحضور المتواصل للروائيين المغاربة في مشهد التتويج الثقافي العربي ليس وليد الصدفة أو فلتة إبداعية، بل نتيجة لدينامية إيجابية صارت تميز المشهد الإبداعي المغربي، في السنوات الأخيرة.
في هذا الحوار، يتحدث الوكيلي عن «بوكر»، وعن منجزه الإبداعي، قبل التركيز على روايته الأخيرة، حيث سيشدد على أن للتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم؛ وأنه لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر، ومن هنا تكون «العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً».
وفيما يلي نص الحوار:
> تم اختيار روايتك الأخيرة ضمن القائمة القصيرة لـ«بوكر»... أود أن أسألك عن مشاعرك وأنت تتلقى الخبر؟
- جائزة «بوكر» من الجوائز العربية والعالمية العريقة. لا يمكنني إلا أن أكون سعيداً بوصول رواية «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة في منافستها على اللقب. نعم، أسعدني تلقي الخبر، كان لا بد للصوت أن يذهب أبعد في طريقه إلى جمهور القراء والشغوفين بالأدب عامة والرواية خاصة.
> ما رأيك في وجهات النظر والآراء التي تظهر بين الحين والآخر لتنتقص أو تنتقد الخلفيات التي تحكم الجوائز، عربيا وعبر العالم؟ وإلى أي حد يمكن لجوائز الرواية أن تؤثر بشكل إيجابي في تأكيد حضور وتطور الرواية العربية؟
- لا يوجد إجماع مطلق حول أي نشاط أو تظاهرة إنسانية. من الطبيعي جداً، لا سيما في وجود متوجين وخارجين من المنافسة، أن ترتفع أصوات منتقدة. الأمر ليس جديداً في ثقافة الجوائز العالمية، جائزة «نوبل» أكبر دليل على هذا. في الوقت نفسه يصعب على أي أحد أن ينفي الدور الذي تلعبه الجوائز بشكل عام في تكريس الرواية العربية وتطوريها. لقد بات جمهور القراء في عموم الدول العربية يتطلع إلى جائزة «بوكر». الكتب التي تنافس على الجائزة تحقق انتشاراً واسعاً وتجلب أيضا مبدعين جدداً. هذا أمر مهم للغاية وأراه ضرورياً لتكريس الرواية في مجتمعاتنا.
> هل يمكن أن تلخص لنا «أسير البرتغاليين» في بضع كلمات؟
- هي مغامرة سردية تُسخر الأدب والتاريخ لأجل فهم أدق للحاضر.

محسن الوكيلي

> تتعدد شخصيات الرواية، لنكون، مثلا، مع الأسير وهو يلعب مع سجانه «لعبة يقايض فيها السجان الأيام بالحكايات». كأنها حكاية شهرزاد من زمن آخر، بمضامين مختلفة يجمعها مبدأ المقايضة بالحكي؟
- حكاية شهرزاد مستمرة، لا تعترف بزمان أو مكان، فمبدأ المقايضة موجود في ثقافة جنس بني البشر، قد يكون عادلاً وقد يكون ظالما مثل ما في «أسير البرتغاليين». المقايضة بالحكم أقسى صور المقايضة لأنه يمتد ليطال كل شيء في حياة الفرد والجماعة.
> هذا خامس عمل سردي تنجزه في ظرف عشر سنوات... ألا يحتاج المبدع إلى بعض الوقت لإنجاز عمل روائي؟
- أستحضر، هنا، ما كتبه أمبرطو إيكو في «اعترافات روائي ناشئ» عن «جزيرة اليوم السابق» و«بندول فوكو» و«اسم الوردة»، وحديث أوهان باموك في كتابه «الروائي الساذج والروائي الحساس» عن تجربته مع كتابة الرواية، مشيراً إلى «متحف البراءة»، التي قال عنها إنها أخذت منه «عشر سنوات من التخطيط وأربع سنوات من الكتابة».

عشر سنوات أصدرت فيها خمس روايات وأعمالا أدبية أخرى، في القصة والمسرح. أؤمن بأن الزمن ليس محددا في جودة النصوص، هناك أعمال روائية عالمية استغرقت كتابتها بضعة شهور. الأمر يرتبط بالمبدع نفسه وقدراته الإبداعية ومدى تكريسه للوقت المخصص للكتابة. أسوق هنا مثالا بيّنا: «رواية مائة عام من العزلة» للكبير غابرييل غارسيا ماركيز.
> إلى أي حد ساعدك مسارك الجامعي كحاصل على الإجازة في التاريخ والحضارة في كتابة «رواية تاريخية»؟
- الرواية آسرة بما توفره من إمكانيات التعبير. إنها أكثر الأجناس انفتاحاً على غيرها. يمكنك أن توظف الشعر والقصة القصيرة وتقنيات الإخراج السينمائي والمسرحي بكل يسر وهو ما يتأتى في غيرها. مع ذلك أنا أعشق القصة القصيرة وأداوم على كتابتها بشكل مستمر، كما أكتب النص المسرحي بشغف. بيد أن الرواية تأخذني أكثر من غيرها. هذا أمر صحيح تماماً. أحببت الأدب، ومعه التاريخ والفلسفة. أؤمن بأن الفلسفة والتاريخ ركيزتان لكل عمل سردي متميز. درست التاريخ في الجامعة. كانت دراسة رافد مهم، لكن اهتمامي بقراءة المؤلفات التاريخية استمر. صادفت في هذا الإبحار الحر كتبا ملهمة وعبقرية. أعمال ستبقى معي إلى نهاية الدرب.
> أنت من الوجوه الروائية المغربية الشابة التي برزت عربياً، في السنوات الأخيرة. ما سر هذا الحضور، وكيف هي علاقتك بالأجيال السابقة، التي تكرست مغربياً وعربياً؟
- أعتقد أن الإبداع بكل صنوفه وعاء لرسائل إنسانية، إسهام في بناء عالم أكثر انفتاحا وتسامحا وجمالا. من هنا أعمل بجد، وبشكل يومي. الحضور هو تجل للصبر والثبات والمثابرة والإيمان بالإنسان. تربطني علاقات جميلة مع كتاب من مختلف الأجيال، بعضهم رحل، لكن أعمالهم لا تزال حاضرة معنا وبيننا، محمد شكري ومحمد زفزاف وعبد الكريم غلاب وغيرهم كانوا ملهمين بالنسبة لي. آخرون ما زالوا بيننا أشبه بفوانيس. أحترمهم جميعا، أحافظ على علاقات طيبة معهم دون استثناء لأنهم يستحقون منا كل الاحترام. دونهم ما كنا لنكون.
> من هو الروائي المغربي أو العربي الذي تجد نفسك قريباً منه؟
- روائيون كثر تعلقت بهم، مغاربة وعرب. أحببت الطاهر بن جلون ومحمد زفزاف. يبقى محمد شكري الأقرب إليّ. إنه أحد الكتاب الذين انطلقوا من الصفر وحققوا ما لم يحققه غيرهم في المغرب.
> لماذا برأيك هذا الارتفاع الملحوظ في منسوب الروايات التي تبني أحداثها انطلاقا من الماضي؟
- شخصياً أكتب أكثر الروايات التي تعنى بالحاضر كما هو الشأن مع رواية «رياح آب» و«شظايا» و«في كراهية الحدود». الروايات التي تنحاز للتاريخ ليست الأكثر انتشاراً. لننظر إلى القائمة الطويلة لـ«بوكر» وسنكتشف أن معظم ما كتب كان خارج نطاق التاريخ والذاكرة. مع ذلك فللتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم. مرد هذا في نظري أننا في حاجة دائمة للعودة للماضي حتى نفهم حاضرنا. لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر. من هنا تكون العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً. الرواية باعتبارها الجنس الأدبي الأكثر انتشاراً معنية بتكريس الوعي وبناء عالم أفضل. ولعلها الأجدر والأكفأ للخوض في هذه العلاقة الشائكة من جهة والممتعة من جهة أخرى.
> يتحدث بعض الروائيين عن المصادر التي اعتمدوها في بناء عوالمهم السردية ذات الخلفية التاريخية. لا بد أن هناك مراجع اعتمدتها بالنسبة لـ«أسير البرتغاليين»؟
- لا يمكن للروائي أن يكتب نص سردياً بطابع تاريخي دون أن يرجع إلى مراجع تاريخية. لا بد لنا، فضلا عن معرفة الأحداث والوقائع، أن نعرف نمط السلوك والذهنية السائدة للإنسان آنذاك. للأسف معظم المراجع التاريخية تكتفي بسرد سيرة الحكام والوقائع الكبرى على حساب حياة الشعوب، لكن بعضها يفتح أبوابا نطل عبرها على ماضينا، سأكتفي بذكر مرجع أثار اهتمامي أكثر من غيره. إنه كتاب «الدولة السعدية التكمدارتية» لمؤلف مجهول.
> بمناسبة صدور روايتك الأخيرة، هل سبق لك أن زرت البرتغال؟
- كلا، لم أزر البرتغال إلى حد اليوم، لكن آثارهم الباقية في أرضنا كانت كافية، ولعلها الأهم، بالنسبة للرواية، فمعظم الأحداث جرت على أرض مغربية في مدن وحصون كان البعض منها برتغاليا.
> ربما تستحق «أسير البرتغاليين» أن تترجم إلى البرتغالية ليستعيد بها البرتغاليون جانباً من علاقتهم مع المغرب، في قرون سابقة؟
- يحتاج الأدب للترجمة لكي يحقق غاياته القصوى في ملاقاة ثقافات جديدة. «أسير البرتغاليين»، بتطرقها لزمن سجل احتكاكاً كبيراً بين ثقافة المغرب بأبعادها المختلفة وثقافة البرتغال بأبعادها المتنوعة تكون في حاجة للترجمة إلى أكثر من لغة، على رأسها البرتغالية. سيكون جميلا أن يقرأ البرتغاليون عن ماضيهم المحفور في أرضنا.
> تَكتب الرواية والقصة. أيهما الأقرب إلى نفَسك... هل أنت قاص أكثر أم روائي أكثر أم هما معا؟
- نعم، أكتب في أجناس أدبية مختلفة، كما ذكرتُ سابقا، أعشق القصة والرواية على السواء. أجد نفسي أكثر في الرواية، ذلك أنني أكتب أحيانا القصة داخل الرواية. الرواية منفتحة أكثر، لا تعترف بحدود، لعل هذا ما يجعل منها الشكل الأدبي الأقرب إليّ. لكنني في الأخير قاص وروائي بالدرجة نفسها.
> رواية تمنيتَ لو أنك أنت من كتبها؟
-«مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.