«يوليسيس» و«الأرض اليباب»... 100 عام على انقسام العالم الأدبي إلى «ما قبل» و«ما بعد»

جيمس جويس وتي إس إليوت نشرا عمليهما «الصاعقين» في وقت متقارب

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

«يوليسيس» و«الأرض اليباب»... 100 عام على انقسام العالم الأدبي إلى «ما قبل» و«ما بعد»

جيمس جويس
جيمس جويس

قبل مائة سنة، في فبراير (شباط) من عام 1922، غامرت مكتبة «شكسبير آند كومباني» في العاصمة الفرنسية، بطبع رواية «يوليسيس» لجيمس جويس، كاملة، للمرة الأولى، بعدما رفضها كل الناشرين في بريطانيا وآيرلندا. وكان الفضل في ذلك لصاحبة المكتبة سيلفيا بيتش (1882- 1962)، هذه المرأة الطليعية الشجاعة التي هاجرت من أميركا إلى باريس، وأسست المكتبة عام 1919، وكان من أصدقائها مجموعة من أشهر كُتاب وكاتبات القرن العشرين: أرنست هيمنغواي، وأزرا باوند، وتي إس إليوت، وغيرترود ستاين، ومينا لوي. ومن الكتاب الفرنسيين: أندريه جيد، وبول فاليري.
عبر هذه المكتبة التي ظلت مفتوحة حتى 1941 حين أغلقها المحتلون النازيون، استطاعت بيتش أن تربط أميركا وبريطانيا وآيرلندا معاً، حسب تعبير الكاتب الفرنسي أندريه تشامسون. والمفارقة أن النازيين أغلقوها بسبب جيمس جويس نفسه. ففي ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام، دخل المكتبة أحد الضباط النازيين، طالباً شراء نسخة من رواية «يقظة فينيغان» لجويس، الأكثر تعقيداً من «يوليسيس»، واستغرقت كتابتها 17 عاماً. ولكن بيتش رفضت أن تبيعه النسخة الأخيرة التي تملكها، فهددها بأن يغلق المكتبة كلها في اليوم التالي.
نقلت بيتش كتبها في اليوم نفسه إلى شقة في الطابق العلوي، وأقفلت المكتبة. وكان عقابها 6 أشهر في معتقل نازي في باريس! كما تنقل لنا في مذكراتها المعنونة باسم المكتبة «شكسبير آند كومباني» التي نشرتها عام 1959.
والآن، تعود المكتبة لتحتفل بـمرور مائة عام على إصدارها «يوليسيس»، إصدارها الأول والوحيد في تلك الفترة الذي غير المشهد الروائي العالمي للأبد، هو و«الأرض اليباب» التي غيَّرت المشهد الشعري العالمي بالقوة نفسها، والتي صدرت بعد «يوليسيس» بثمانية أشهر، في أكتوبر (تشرين الأول) 1922.
احتفال مكتبة «شكسبير آند كومباني» مختلف هذه المرة. فهناك 80 كاتباً وفناناً وممثلاً وموسيقياً، سيتناوبون على تسجيل «يوليسيس» كلها، ومنهم الروائية الكندية مارغريت آتوود، والممثل الكوميدي البريطاني أدي إيزارد، والروائي البريطاني ويل سيلف، والروائي والشاعر النيجيري بين أوكري. وتبدأ هذه الفعالية الكبيرة يوم 2 فبراير، وهو اليوم الذي انطلق فيه ليوبولد بلوم يجوب شوارع دبلن، والذي عُرف بشكل واسع في الأوساط الثقافية والأدبية بـ«يوم بلوم». وهدف إحياء مئوية «يوليسيس» هو «تسليط الضوء على الرواية لإيقاظ الرغبة لدى الجمهور لقراءتها».
ولكن من يستطيع من «الجمهور» أن يقرأ «يوليسيس» إذا كان معظم المثقفين الإنجليز والآيرلنديين أنفسهم عاجزين عن ذلك؟
قبل سنوات، أجرت صحيفة «الغارديان» البريطانية استفتاء موسعاً بين الكتاب، حول قراءة «يوليسيس»، والنتيجة كانت أن 300 كاتب فقط قرأوا الرواية، وبعضهم «يشعر بالذنب»؛ لأنه لم يقرأها، أو لم يستطع إكمال قراءتها. هل السبب «سوء القراءة»، كما يعتقد ريتشارد أولمان الذي قدم للرواية في طبعة دار «بنغوين» البريطانية عام 1986؟ وقال: «إن ثيمة جويس في (يوليسيس) سهلة. وهو يستدعي أكثر الأساليب سعة لتقديمها. إنه -مثل كل الكتاب العظماء- يشعر بأن الأساليب المستخدمة في الأدب السابق لم تعد كافية. إن الشخصية الساردة في الروايات السابقة التي تدور بالقارئ حول الحدث قد اختفت، وحلت محلها في (يوليسيس) سلسلة من الساردين، وهم عادة غير محايدين، ويظهرون ويختفون، من دون أن نحدد هوياتهم، كما أن السرد فيها غير مشخص أحياناً؛ بل تدور العين –الكاميرا- بشكل عشوائي في أنحاء دبلن، مركزة على مواضع تبدو لا رابط بينها».
هل تنبع من هنا صعوبة قراءة «يوليسيس»؟ ربما، هذه المواضع التي لا رابط بينها كما يبدو، حين لا نقرأ العمل كله، أو فلنقل حالة التشظي، هي أيضاً من أبرز ما يميز «الأرض اليباب» لإليوت، وأدب الحداثة عموماً، وهي نتاج واقع خلفته الحرب العالمية الأولى المدمرة، والتي هي بدورها نتاج عالم بدا يتداعى منذ نهاية القرن الـ19، إذا استعرنا تعبير دبليو بي ييتس، في قصيدته «العودة الثانية» التي يتحدث فيها عن «قوة اضطراب جديدة تجتاح العالم» فـ«تتداعى الأشياء»، إنه عالم بدأت تسوده الفوضى، ويجتاحه «مد مغموس بالدم»، راسماً بذلك أجواء جهنمية لما يمكن أن يقود إلى خراب العالم.
ولم تُترجم هذه الرواية الصعبة إلى العربية إلا بعد 60 سنة من صدورها، وأنجزها المترجم المصري الدكتور طه محمود طه. وأكثر من ذلك، قدَّم لقراء العربية عملاً ضخماً عن أعمال الروائي وسيرته، سماه «موسوعة جيمس جويس»، وقد قضى 20 عاماً في تأليفه. والترجمة الثانية كانت للدكتور صلاح نيازي، وصدرت عن دار «المدى».
عاصفة «الأرض اليباب»
«الأرض اليباب» هي أيضاً عبارة عن قطع متناثرة، يبدو أن لا علاقة ظاهرية بينها، ولا نمواً عضوياً ينتظمها؛ لكن يوحدها، في النهاية، الموضوع العام عن الخراب والجدب، روحياً ومادياً، وانهيار القيم في أوروبا ما قبل وبعد الحرب الكونية، حسب رؤية إليوت التي يختلط فيها الديني بالميتافيزيقي، والفلسفي بالأخلاقي، والذي توحي به القصيدة عبر استخدام ما سمَّاه إليوت نفسه «المعادل الموضوعي»، ويعني به أنه لا ينبغي على الشاعر الحديث -بعكس الشاعر الكلاسيكي والرومانتيكي- التعبير عن عواطفه بشكل مباشر؛ بل عبر إيجاد مجموعة من الأشياء، ووضع سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تكوِّن الصيغة الفنية لهذه العواطف. ولذلك لا بد من فهم القصيدة كلها فهماً دقيقاً؛ خصوصاً أنها تستند في بنيتها إلى مصادر أنثروبولوجية وفلسفية وثقافية وشعرية من التراث الإنساني كله، في كل سطر منها تقريباً، وتتناص مع الأساطير القديمة، اليونانية والرومانية والشرقية، مع إدخالها في النص مفردات من لغات أخرى، كالإغريقية واللاتينية والإيطالية والألمانية والفرنسية، وتحضر فيها التوراة والإنجيل والأسطورة الآرثرية والكأس المقدسة وبوذا وأوفيد ودانتي وشكسبير وجيرار دو نيرفال وبودلير، وسواهم. لكنها -مع ذلك، وعلى العكس من «يوليسيس»- حظيت بمقروئية واسعة، في أماكن كثيرة من العالم، وكذلك بترجمات ودراسات لا تزال مستمرة.
وكان كتاب «قصائد تي إس إليوت» لكريستوفر ريكس وجيم ماكيو -وهو سفر ضخم صدر بمجلدين عام 2015 في أكثر من 2000 صفحة- قد نفد من الأسواق خلال أقل من شهر، مما يدل على أن قارئ القرن الحادي والعشرين، ابن التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية الهائلة، لا يزال يجد نفسه في هذه القصيدة، رغم مرور ما يقرب من قرن على صدورها، ومئات الدراسات التي صدرت خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة.
ومن الملاحظ، حسب بيانات دور النشر البريطانية، أن الإقبال على قراءة «الأرض اليباب» قد ازداد بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب رواية «1984» لجورج آرويل، وكأن الظروف التي يمر بها البلد الآن هي تقريباً الظروف نفسها التي مر بها في بداية القرن العشرين، وقت نشر القصيدة عام 1922: القلق، وعدم الشعور باليقين تجاه أي شيء، والمستقبل الغامض، وأخيراً صعود التيار الشعبوي الذي لا يمكن أن ينتج سوى العنصرية والفاشية، كما تعلمنا تجربة الحرب العالمية الثانية.
ترجمة هذه القصيدة للعربية قد تأخرت أيضاً، فقد ترجمها الشاعر توفيق صايغ عام 1953، أي بعد أكثر من 30 سنة من صدروها؛ لكنها بقيت مخطوطة إلى أن أصدرتها دار «الجمل» قبل سنتين. وأول ترجمة منشورة كانت ترجمة مشتركة لأدونيس ويوسف الخال نشرت في مجلة «شعر» عام 1958، وتلتها ترجمة لويس عوض، 1968، وترجمة يوسف سامي اليوسف، 1975، وترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، 1980، ثم ترجمة الدكتور ماهر شفيق فريد، 2013. وأخيراً ترجمة كاتب هذه السطور عام 2021 التي قدَّم معها دراسة مقارنة للترجمات الست السابقة، بالإضافة إلى ترجمات كثيرة متفرقة.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.