السرد النسوي «غير الطبيعي» في روايات أنجيلا كارتر

كاثرين روماجنولو تقرأ أعمالها بشكل مغاير

أنجيلا كارتر
أنجيلا كارتر
TT

السرد النسوي «غير الطبيعي» في روايات أنجيلا كارتر

أنجيلا كارتر
أنجيلا كارتر

اهتمت الناقدة كاثرين روماجنولو بدراسة السرد النسوي غير الطبيعي في رواية «ليالي السيرك» «Nights at the Circus1984» لأنجيلا كارتر وذلك في بحثها المعنون «اتصالات غير طبيعية: التجريب النسوي غير الطبيعي في رواية ليالي السيرك» المنشور في كتاب «السرد غير الطبيعي: الامتدادات والمراجعات والتحديات» تحرير جان ألبر وبراين ريتشاردسون، والصادر عن جامعة ولاية أوهايو عام 2020. وروماجنولو باحثة وأستاذة في جامعة وادي لبنان الخاصة في بنسلفانيا في أميركا، ولها كتاب نقدي هو «أفعال افتتاحية: البواكير السردية في قصص القرن العشرين النسوية» 2015. ولأن في رواية «ليالي السيرك» خرقاً لمواضعات السرد الواقعي وتعطيلاً لدور المحاكاة الأرسطية في صنع الحبكة القصصية، تناولت روماجنولو خصائص ما فيها من سرد نسوي قاسٍ ومختلف كانت قد عُرفت به الروائية أنجيلا كارتر التي تعد واحدة من الروائيات ما بعد الحداثيات، كونها حولت واقعية ماركيز السحرية وأدب دي ساد العنيف إلى واقعية أنثوية سحرية، تجسدت واضحة على يد بطلة الرواية «فيفير Fevver» المرأة المجنحة التي امتلكت جناحين طويلين يمتدان على طول ظهرها وهما اللذان جعلاها لاعبة محترفة داخل سيرك هو المعادل الموضوعي للعالم الكبير الذي نعيشه.
ودراسة كاثرين روماجنولو للنسوية غير الطبيعية في هذه الرواية إنما تأتي في سياق ما أخذ يحظى به علم السرد غير الطبيعي من اهتمام بعض النقاد في العالم، بحثاً عن نظرية لنموذج إنتاجي جديد يوظّف في السرد أساليب مضادة للواقعية وبسمات تتجاوز الصور السحرية والغرائبية والفانتازية بالعموم، وتدخل في إطار الاستحالة واللامعقول، عبر إنشاء مواضعات تخرق كل ما هو معتاد في الفعل السردي وتعطله بنماذج جديدة من الساردين والشخصيات والأزمنة والأمكنة والأوصاف والمنظورات مع تجريب آليات قراءة جديدة واستراتيجيات تلقٍّ مبتكرة. وليس السرد غير الطبيعي في حقيقة الأمر سوى عودة بالسرد الواقعي إلى الخيالية التي عرفتها الحكايات الخرافية والملاحم وقصص العصور الوسطى حتى روايات القرن الثامن عشر التي بدأت تتخلص تدريجياً من جموح الخيال متسمةً بواقعية كلاسيكية على وفق مواضعات المحاكاة الأرسطية واستمرت من بعدها على هذا التوجه روايات القرن التاسع عشر وبعض روايات القرن العشرين. وما يفعله السرد غير الطبيعي أنه يمارس خرقاً كتابياً للفهم المعتاد للواقعية مستعيضاً عن المحاكاة بما هو غير معقول أو لا ممكن وبطرائق مرنة إما كممارسات وتجارب وإما ككائنات غير واقعية. وما يُراد من وراء التمثيل السردي لعوالمها المستحيلة هو أن تبدو منطقية ومتوافقة مع ما هو واقعي.
وعلى الرغم من أن التنظيرات التي وضعها منظّرو علم السرد غير الطبيعي ليست مختلفة كثيراً عن السرد الطبيعي فهي مبنية أو مستوحاة من دراسات منظرين شكلانيين وبنيويين مثل شكلوفسكي وباختين وجينيت... فإن هناك بعض التوجهات التي تبدو ثقافية أكثر منها نقدية، ومنها دراسة كاثرين روماجنولو آنفة الذكر، وفيها أوْلت السرد النسوي اهتماماً، متتبعةً الطبيعة الأدائية للسرد النسوي في «ليالي السيرك» وأخلاقية وجهات النظر الآيديولوجية فيها والطريقة التي بها اختلفت المؤلفة أنجيلا كارتر عن كاتبات عُرفن بأنهن روائيات نسويات مثل الأميركية توني موريسون والكندية مارغريت أتوود والصينية ماكسين هونغ كينغستون.
وأساس اختلاف كارتر عنهن أنها خرقت استراتيجيات السرد التقليدية وانزاحت عن البنى المهيمنة في صناعة الذات النسوية وتوجهت بدل ذلك إلى تجسيد العلاقة الإشكالية بين النسوية والمواقف الفلسفية ما بعد الحداثية أو ما سمّته روماجنولو «التقارب الاختياري بين النسوية وما بعد الحداثة» (الكتاب، ص 13) وهو ما يجعل النسوية في موضع التساؤل حول القيم التي تنادي بها الحركة النسوية بعمومها. وأشارت الناقدة إلى آراء بعض منظّرات ما بعد الحداثة، ومنهن ليندا هيتشون التي ذهبت إلى أن النموذج النقدي لنسويات ما بعد الحداثة نموذج عابر ومتقاطع يفكك ويتحدى السائد من الخطابات الذكورية من خلال التركيز على الوعي الذاتي وتوظيف المحاكاة الساخرة.
وما سعت إليه روماجنولو هو الانعطاف بالنظرية السردية نحو نسوية غير طبيعية من خلال التركيز على استراتيجيات التجريب السردي في التحايل على الهيمنة الذكورية مما كان قد حددها وتحدّث عنها منظّرو السرد غير الطبيعي مثل جان ألبير وهنريك سكوف نيلسون وبراين ريتشاردسون وستيفان إيفرسون.
وليست اللاطبيعية في النسوية سوى التحوّل الخيالي المخيف والمنتهك لحدود الواقعية التقليدية وما عرفته النظريات السردية حول أعراف السرد النسوي التاريخية التي تقوم على تقويض آيديولوجيات الهيمنة الذكورية بينما يعمل السرد النسوي غير الطبيعي على تخريب تلك الأعراف التاريخية آيديولوجياً باستعمال لغة تعطِّل ما هو عقلي بما هو جنوني، مستبعدةً المنطق ومتعمدةً أن تزعزع أفق التوقع بطرق مستحيلة. فتغدو جدلية الطبيعة - الثقافة هي نفسها جدلية الخيال- الآيديولوجيا. وهو ما عكسته رواية «ليالي السيرك» التي وظّفت الجندر بشكل لا يمكن إنكاره أو تجاهله مع أنه تخريبي وقمعي يُخضع النسوية ويقهرها ويشيئها.
وهذا هو مَوطن الاستفزاز في تجريب السرد النسوي غير الطبيعي لأن عواقبه تربك المنظور النسوي المعتاد أو الطبيعي -كما تسميه مونيكا فلودرنك- وما يترتب على ذلك من آثار تفسيرية ومنها مفهوم «التجنس naturalization» كنمط سردي يخالف الأنثوية وما فيها من أسطورية ورومانسية. وهو ما تجسد في البطلة التي ما عاد عالمها يحفل بـ«جمال نائم» ينتظر أن ينقذه أمير، ولا أميرة تشعر بأنها في خطر وأن هناك «شاباً سيأتي وينقذها» إلى آخره من الصور المعتادة التي غادرها هذا السرد غير الطبيعي، بل الصيغة التي وفقها تتحرك الساردة - البطلة هي السخرية من استراتيجيات النسوية السردية والميتاسردية والتقاطع مع أساليبها الواقعية في التعامل مع التحيز الذكوري عبر استعمال التقانات الفنية بطريقة غير معقولة تجعل الصوت الأنثوي مستحيلاً جسدياً ومكانياً وزمنياً. وتصبح البطلة (Fevver) -التي كانت في صباها تنمو بطبيعية- تلك المرأة الطائرة الشقراء الصاخبة التي تسرد قصتها بضمير المتكلم وقد نما لها جناحان فجأة وبهما أتقنت الرقص على حبال السيرك باحتراف من دون اكتراث جسدي ولا استغراب ذهني، مستحضرةً أسطورة كوبيد، متحولةً أنثى قوية بينما هي تتحدث بجدارة ذكورية كأنها مخوّلة من هذه الأخيرة لأن تمارس سلطتها.
وهذا بالطبع مستحيل، وهو مختلق ووهمي، بيد أن بطلة الرواية تمارسه بصوتها وجسدها في شكل تمثيل ذكوري لذاتٍ هي أنثى وبوجهة نظر نسوية متحيزة جنسياً للمرأة مستعملة للتعبير عن ذاتها أوصافاً شعرية مثل «فرس رقيق أكثر من ملاك» مزيحةً بذلك السمات غير الطبيعية ومضفية على السرد منطقية مقبولة. وهذا التنازع السردي بين المستحيل والمنطقي هو ما تسميه الناقدة روماجنولو «التشرذم» بين سلطة ذكورية استولت عليها امرأة وسلطة أنثوية تستولي عليها الذكورية.
والنتيجة أن السلطة ستغدو مجزأة، يصعب تحديد موقعها وتحديد الصوت الذي يمثلها، فهي بالنسبة إلى الذكورية مجرد هيكل، وبالنسبة إلى النسوية لا تتعدى الخضوع الجنساني في التمسك بالمفهوم التقليدي للسلطة.
وما تنتهي إليه روماجنولو هو أن قصص أنجيلا كارتر تعتمد على ما في عالم السرد الطبيعي من قواعد المكان والزمان ولكنها في الآن نفسه تخالف هذا العالم وتتحرك باتجاهات متضادة وغير منطقية يستحيل وقوعها غير أن منظور السارد الذاتي هو الذي يجعل احتمالات وقوعها واردة من خلال عدسة تقرب اللامعقول وتجعله عقلانياً. والغاية توجيه التفكير نحو قراءة المشهد السردي قراءة مخالفة فليس النص انعكاساً مباشراً للسلطة الجندرية بين المذكر والمؤنث، ولا هو تعددية الصوت السردي من ذكوري وأنثوي، وإنما هو تفكيك سلطة المذكر بتشيئية الأنثى وإضفاء مركزية على الذات المؤنثة من خلال تفسير خاص ومعقد للتاريخ والذاكرة والسرد معاً. إن هذا الذي تعكسه قراءة روماجنولو لرواية «ليالي السيرك» يقدم رؤية جديدة للاطبيعية في السرد النسوي كما يسلِّط أضواءً نقدية على كيفيات تحقيق التكافؤ الآيديولوجي بين الجنسين في تمثيلات السرد النسوي باتباع طرق غير معتادة وجديدة تخالف تلك المفاهيم التقليدية وتبتكر تفسيرات جنسانية ما بعد حداثية مختلفة لمفاهيم السلطة والجندر والهوية والصوت.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.