جهود صينية في إغناء النظرية السردية العابرة للحدود

بيو شانغ وفكرة العناصر في السرد غير الطبيعي

الباحث الصيني بيو شانغ
الباحث الصيني بيو شانغ
TT

جهود صينية في إغناء النظرية السردية العابرة للحدود

الباحث الصيني بيو شانغ
الباحث الصيني بيو شانغ

شهدت الساحة النقدية العالمية في السنوات الأخيرة اهتماماً كبيراً بعلم السرد غير الطبيعي، وقد أدى هذا الاهتمام إلى احتلال هذا العلم مكاناً جنباً إلى جنب علوم أخرى مستحدثة مثل «علم السرد ما بعد الكلاسيكي» و«علم السرد النسوي» و«علم السرد المعرفي»... وغيرها. وتبدو الميزة الأكثر إثارة في «علم السرد غير الطبيعي» نظرياته التي تسعى إلى توطين مفاهيم تخرق المعتاد وتعطله، وتنتهك ما هو منطقي، وتتجاهل ما هو معلوماتي، بمقصدية إعادة صياغة كل ما هو إشكالي ومستحيل، وإعمال مراجعة كل ما هو سردي طبيعي.
وقد انبرى لهذه المهمة نقاد وباحثون غربيون، كما شاركهم العمل باحثون من خارج منظومة النقد الأنجلو – أميركي؛ ومنهم الصيني بيو شانغ Biwu shang أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة جياو تونغ في شنغهاي بالصين ورئيس تحرير جريدة «مقدمات في حدود السرد» ومؤلف كتاب «في السعي وراء ديناميات السرد»، وآخر كتاب صدر له كان باللغة الإنجليزية عام 2019 عنوانه: «Unnatural Narrative across Borders Transnational and Comparative Perspectives (السرد غير الطبيعي عبر الحدود: منظورات مقارنة عابرة للوطنية)» عن «منشورات روتلدج» في نيويورك. وفيه سعى شانغ إلى إعادة دراسة مفهوم «السرد غير الطبيعي» الذي نوقش كثيراً من زوايا النقد الأدبي ونظريات السرد والدراسات الثقافية متعددة التخصصات. والجديد الذي قدّمه شانغ في هذا الصدد هو اعتماده منظوراً تاريخياً عابراً للحدود استدعى منه استعمال منهجية مقارنة، طبّقها على أعمال وتجارب قصصية صينية وعراقية، محاولاً الكشف عن سمات العوالم المستحيلة في السرد غير الطبيعي مما لم تطرقه الدراسات السردية الأنجلو – أميركية، كدراسات جيمس فيلان وجيرالد برنس وروبين وارهول... وغيرهم من الذين قدّم لهم شانغ شكره في مفتتح الكتاب لجهودهم القيمة في هذا الجانب، مهتماً بما للسرد غير الطبيعي من تعريفات عدة تلتقي في أنه يخالف النظرية السردية التقليدية التي تقوم على محاكاة الواقع؛ فهو سرد تجريبي، ومتطرف، وغير تقليدي، وغير مطابق، وخارج عن المألوف، ومضاد للتقليد، ومنتهك للأعراف، وبسيناريوهات مستحيلة تحكم العالم المادي... وذكر من تلك التعريفات أربعة:
ابتدأها بتعريف ريتشاردسون للسرد غير الطبيعي، وأنه يضاد المحاكاة... «السرد غير الطبيعي هو السرد الذي ينتهك بشكل واضح أشكال السرد وأنماطه الخيالية المعتادة الشفوية أو المكتوبة، متبعاً تقاليد سردية متغيرة وجديدة تخالف العناصر الأساسية المألوفة، من خلال تقديم فرضيات غير محتملة أو لافتة للنظر». ثم انتقل إلى تعريف جان ألبر؛ وفيه يحدد السرد غير الطبيعي بأنه عبارة عن عوالم نصية مستحيلة يتم تمثيلها سردياً بسيناريوهات غير طبيعية مادياً أو منطقياً أو بشرياً. وفي التعريف الثالث يركز ألبر وايفرسون على القارئ واصطدامه بالقواعد التي تحكم عالم السرد والسيناريوهات المستحيلة فيه والاشتباكات التي تتحدى تفسيراته المعتادة.
والتعريف الرابع يعود لنيلسون؛ وفيه يرى أن السرد غير الطبيعي فرع من السرد الخيالي الذي هو خلاف الواقعي، وله استراتيجيات وتمثيلات تختلف عن تلك التي توظف في السرد الطبيعي. ولأنها غير قابلة للتصديق؛ يغدو دور القارئ مهماً في تفسيرها تفسيراً يجعلها ممكنة الحدوث أو موثوقة.
وقارن شانغ بين هذه التعريفات، مبيناً أن الانبهار بما هو غير معقول للغاية؛ مستحيل أو غير واقعي أو من عالم آخر، هو الذي يدفع إلى معالجة واختبار علاقة هذا السرد بغيره من السرود الأخرى، يقول: «في رأيي؛ اللاطبيعية في النص السردي إنما هي مسألة درجة ومستوى، فبعض النصوص الطبيعية أكثر لا طبيعية من غيرها»، وأساس قياس الدرجة يكمن فيما سماها «العناصر غير الطبيعية»؛ فقد تكون درجتها عالية أو منخفضة أو تكون محلية أو عالمية. ويتوقف الأمر في الحكم على اختلاف الإدراك الأدبي؛ فبعض القراء يحكمون على النص السردي بوصفه نصاً طبيعياً، وبعضهم الآخر يحكم عليه بوصفه نصاً غير طبيعي. لكن المهم يبقى قدرة «العناصر غير الطبيعية» على الترابط؛ سواء على مستوى القصة، ومستوى الخطاب، والتي بها يغدو اللاطبيعي طبيعياً.
واهتم شانغ كثيراً بما ذكره ديفيد هيرمان عن «صناعة العالم» بوصفها عنصراً أساسياً في السرد غير الطبيعي، وما قالته ماري لوري رايان عن «العوالم المستحيلة» وحين حددت سمات هذه العوالم بالتناقض والاستحالة الوجودية والإهمال والانتباذ المكاني... مؤكداً أن الخلاف حول مفهوم السرد غير الطبيعي يتمحور حول مظاهر هذا السرد اللاطبيعية والاستراتيجيات المعتمدة في تفسيره والقضايا العلمية الأساسية المدروسة فيه. لذا قام شانغ بدراسة مقارنة طرح فيها فكرة جديدة، فقال: «أحاول إلقاء ضوء جديد على السرد غير الطبيعي من خلال اقتراح فكرة (العنصر غير الطبيعي)، مما يمكن أن يخرج بالنص السردي من محليته، ويقارن لا طبيعيتها مع غيرها عالمياً» (الكتاب - ص10). وبيّن أنه كلما زاد عدد العناصر غير الطبيعية في النص السردي، تضاعفت المقارنة مع نصوص السرد المحاكي للواقع الموضوعي.
ولأجل فحص المظاهر الاستحالية في الخطابات السردية غير الطبيعية، قام شانغ برسم خريطة للأدب الصيني القديم والأدب القصصي في الصين المعاصرة، مبيناً أن السرد الصيني غير الطبيعي له طرقه الخاصة وسياقاته الأخلاقية التي تتعدى ما قدمه نقاد الغرب من استراتيجيات السرد غير الطبيعي.
ولعل أهم أمر طرحه شانغ في كتابه موضع الرصد هو تأكيده إفادة السرد غير الطبيعي من تقانة التعدد في الرؤى؛ وفيها يتحرك السراد ذهاباً وإياباً بحسب المواقف السردية المختلفة، تنتج عن ذلك تأثيرات ومعاكسات غير متجانسة ومشاهد متناقضة. وهو ما يصلح في التمثيل الذاتي لحال المهمّشين في «أدب الأقليات» و«أدب ما بعد الاستعمار» و«الأدب الشعبي» و«أدب الهجرة واللجوء»، وبالشكل الذي يحقق لهذا السرد بعض الأغراض الآيديولوجية مما لا يستطيع السرد الطبيعي تحقيقها. وهو ما سيوسع – في رأي شانغ - من أطر السرد غير الطبيعي في تجاوز المعايير الواقعية في معرفة العالم الحقيقي.
ولا شك في أن تبني شانغ منهجية الدراسة المقارنة له أهمية كبيرة في قراءة الأدب العالمي وما فيه من سرديات غير طبيعية، لكن ذلك يظل مرهوناً بما لكل أدب من الآداب من الترجمات الكافية والدّالة... وشانغ نفسه يؤكد أن ترجمات الأدب الصيني غير كافية لتوصيله إلى العالم.
وعلى الرغم مما في الأدب الصيني من تمثيلات على السفر عبر الزمن عُرفت في وقت مبكر، مثل القصص المروية عن الأسرة الحاكمة «سوم سبرينغ»، وموضوعها يدور حول حلم يوتوبي صيني قديم بالبحث عن الجنة الدنيوية، فإن الأشكال الحقيقية للسفر عبر الزمن في الصين الحديثة - بحسب شانغ - لم تتشكل إلا في أوائل القرن العشرين في أعمال شي وهوانغ، ووجد فيها شكلين رئيسين من السفر عبر الزمن: الأول سفر روحي، والآخر سفر جسدي.
ومن بعدها شهدت قصص السفر عبر الزمن في الأدب الصيني المعاصر ثلاثة أنماط؛ هي: السفر في الوقائعي التاريخي، والسفر في المتخيل التاريخي، والسفر المستقبلي الانبعاثي. وأكثر التواريخ توظيفاً وشعبية في هذا الأدب هو تاريخ أسرة تشينغ.
أما في العقد الأول من هذا القرن، فإن السرد الصيني شهد توسعاً كبيراً في توظيف السفر عبر الزمن، وقد نال قدراً معيناً من الاهتمام الأكاديمي، معظمه يستكشف آيديولوجية هذا التوظيف.
وطبّق شانغ فكرته في التركيز على العناصر غير الطبيعية على قصص صينية وعراقية؛ فأما الصينية فتتمثل في قصص الأسر الست في الصين ويعود تاريخها إلى 286 قبل الميلاد وأعمال ليزي وجوي كانغ من القرن الثالث إلى القرن السادس الميلادي، مبيناً أن «الشخصيات» و«الرواة» و«الفضاء» و«الزمان» هي أكثر العناصر توظيفاً في السيناريوهات الخيالية التي تعيد كتابة التاريخ الأدبي، كما وجد شانغ أن لعبور الحدود في الرواية الصينية غير الطبيعية ضمن سياقها الثقافي الخاص ثلاث فئات رئيسة؛ وكلها مستحيلة جسدياً وبشرياً؛ هي: العبور من عالم الموتى إلى عالم الأحياء، ومن عالم الأرواح إلى عالم البشر، ومن عالم الحيوانات إلى عالم البشر.
هذا على المستوى المحلي؛ أما على المستوى العالمي؛ فإن شانغ اختار قصص الكاتب العراقي حسن بلاسم المترجمة إلى الإنجليزية، ووجد فيها عوالم رعب مستحيلة تنتهك القوانين الفيزيائية أو المبادئ المنطقية أو القياسية من خلال سيناريوهات رواة قتلى أو بإعاقات جسدية مع اختلاق أمكنة مستحيلة وأحداث متضاربة.
وقد انتهى شانغ إلى أن الاختلاف في طبيعة التقاليد القصصية في قصص شرق آسيا تؤكد الحاجة الماسة مستقبلاً إلى وضع دراسات مقارنة للسرديات غير الطبيعية.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».