مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية

السلطة الحاكمة تسعى دائماً إلى «صناعة» العاصمة كما تريدها وتفكر بها

خريطة بغداد
خريطة بغداد
TT

مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية

خريطة بغداد
خريطة بغداد

هل يختلف تخيل المكان في الشعر عنه في الرواية والقصة؟ ربما علينا أن نعيد صياغة السؤال بطريقة أخرى، فنسأل عن أمكنة الشعر فرقاً عن أمكنة السرد، هل الشاعر متحرر إزاء أمكنته فيخترع منها ما يشاء؛ يرفع منها ويحط غيرها، فيما الواضح أن كاتب السرد؛ الرواية والقصة القصيرة، ملزم بمكان ذي بعد تاريخي أو ثقافي أو سياسي؟ أفكر في بدر شاكر السياب وكيف حوَّل «قرية» بائسة ربما لم يسمع بها البصريون أنفسهم قبل ظهور السياب واشتهاره أيقونة علمية في الشعر العربي، والسؤال ذاته يُثار في أي محاولة لتفسير ترسّخ أيقونة النهر «بويب» حتى صار الناس يأتون من كل حدب وصوب ليصوروه أو يقفوا عند النهر الذي مات وشبع موتاً ربما حتى قبل أن يولد السياب نفسه؟ ما الذي حرر مخيلة السياب من «سلطة» المكان الشهير (البصرة مثلاً) ومنحه حرية «تصنيع» المكان المحلي غير المعروف، وتحويله إلى مكان عالمي؟ لا أظن الأمر يختلف في شعر البياتي أو نازك الملائكة أو شعراء مصر مثلاً. هذه الحرية والتداول الحر للأمكنة «التاريخية» أو «المحلية» غير المعروفة، هو النقيض المقابل لأمكنة الرواية؛ في الأقل نحن نتحدث عن الرواية في العراق. ولكن لماذا على المكان السردي أن يختلف عن أمكنة الشعر؟ هل هناك سلطة ما تلزم كاتب الرواية، مثلاً، اختيار مكان معين ليكون فضاءً لروايته؟

رواية المدينة... رواية بغداد
في حالة الرواية العراقية؛ فإن المتابع يلاحظ، ابتداءً، أمرين لم تحد عنهما نصوص الرواية العراقية إلا في حالات نادرة واستثنائية. والأمران اشتركا معاً في تأسيس نموذج مكاني اختصت به «مخيلة» بغداد التي سيجري اختصارها في «شوارع» بعينها وبضعة أمكنة بغدادية شهيرة وهي، من ثمّ، الخريطة الوحيدة المتداولة للمكان «الوطني» المعبر عن بلاد مثل العراق. الأول؛ قرره غائب طعمة فرمان في روايته الثانية «خمسة أصوات»، وهو الكاتب المؤسس. يكتب فرمان، وهو يُلاحق خمسة من مثقفي بغداد في خمسينات القرن الماضي: قال حميد وكأنه يقنع نفسه، سأكون في بلدي؛ فالعراق ليس بغداد وحدها. قال شريف: العراق بغداد فقط. والحديث يأتي تعقيباً على «نقل» حميد من بغداد للعمل في «الديوانية»، إحدى مدن الوسط العراقي. «ومثل هذا وجدناه في النخلة والجيران بكلام الشابة (تماضر) من مدينة العمارة - ميسان الجنوبية؛ إذ السخرية حاضرة من لهجة الجنوب ومن المدينة برمتها!». هكذا سيجري اختصار العراق في بغداد. الأمر الثاني؛ أن بغداد ستُختصر في صورة واحدة تمثلها ثلاثة شوارع وما يتصل بها من أحياء وساحات. وبتراكم النصوص الروائية؛ سنجد أنفسنا إزاء بغداد «تاريخية» يجري تكرار صورتها وتداولها بين الكتاب. سيُقال إن هناك روايات عراقية «مهمة» اتخذت من أجزاء ونواحٍ أخرى من بغداد عالماً لها، كما فعل الكاتبان المؤسسان فرمان والتكرلي في «ظلال على النافذة» و«المسرات والأوجاع». كما أن هناك روايات عراقية كثيرة اتخذت من مدن عراقية أخرى، غير بغداد، مكاناً لها: الناصرية كما في روايات وقصص عبد الرحمن مجيد الربيعي، البصرة في قصص محمد خضير، وفي «الشاهدة والزنجي: الصقر»، وأغلب روايات البصري جنان جاسم حلاوي، وروايات نجم والي لا سيما الأولى منها، وكركوك في رواية فاضل العزاوي. وهناك كثير غير ما ذكرنا ولا شك. غير أن هذه الكثرة، وهذا التنوع والاختلاف المتميز نصاً، لم يغير من صورة «المكان» الوطني العراقي، ولا تقاطع مع مخيلة بغداد «التاريخية». وهذا ليس استنتاجاً نتفرد به، أو ندعيه، إنما هو «قراءة» لأطلس المكان العراقي الذي تهيمن عليه مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية؛ إذ لم تستطع تلك الروايات أن تُحدث تغيراً في نمطية المكان البغدادي الأثير.

مخيلة بغداد
ما بين قصة جلال خالد ورواية «النخلة والجيران» ثمة مفارقة وخرائط أهملها «السيد» أو لم ينتبه إليها، فيما كان فرمان أحد مؤسسيها الكبار. تبدأ قصة «السيد» من لحظة السفر في باخرة ستتجه بـ«جلال خالد» إلى الهند - مومباي. لا مكان عراقياً سوى إشارة يتيمة للبصرة وفرضتها أمام المعقل هناك. ثم نمضي مع «خالد» إلى أماكن «هندية» مثل «بومباي» و«كلكته»، وفي طريق العودة نعثر على إشارات للبصرة وشرق بغداد أو جوامعها بلا توصيف مكاني أو حتى ذكر اسم لها. ونجد في القسم الثاني من القصة ذكراً لحديقة «الصالحية» بكرخ بغداد. تأتي المدن وأمكنتها القليلة شاحبة بلا اسم أو صفة. فهي محض «ديكور» متقشف يصلنا عبر عين المسافر المشغول بيأسه بعد فشل «الثورة». ذلك الاقتصاد المكاني يفسره، ولا شك، أن المكان «الوطني» ذاته لم يأخذ شكله وأوصافه بعد. وكان على القصة العراقية أن تنتظر إلى نهاية الأربعينات لنكون إزاء طوبغرافيا عراقية للمكان البغدادي. وربما الأدق أن نكتب أن تلك الحقبة قد شهدت ترسخ المكان البغدادي بصفته المكان «الوطني» المتخيل. نتحدث عن قصص الجيل الخمسيني ممثلاً في الرائدين الكبيرين فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ومجايلهما مهدي عيسى الصقر. وقد يتصل كلامنا بقصص سابقيهم، وأبرزهم نزار سليم (أشياء تافهة - 1950) و(زقاق الفئران – 1972)، ثم استقر ذلك المعجم المكاني في «النخلة والجيران» و«خمسة أصوات» و«المخاض» و«الرجع البعيد»، ثم تحولت بغداد التاريخية إلى مرجع ونستولوجيا في أغلب روايات ما بعد 2003.

خريطة المدينة
وطبوغرافيا السلطة

تشمل مخيلة بغداد ثلاثة شوارع، هي: «الرشيد» و«الجمهورية» و«الكفاح». هذه الشوارع الثلاثة تؤلف ما يشبه المثلث داخل بغداد. «شارع الرشيد»، مثلاً، يمتد أربعة كيلومترات داخل بغداد، ابتداءً من «الباب المعظم» وانتهاءً بالباب الشرقي «الشرجي» - الشورجة، ذهاباً وإياباً. والشارع يمثل ذاكرة سياسية ثقافية لبغداد والعراق برمته؛ إذ يشكل مبنى وزارة الدفاع القديمة (مقر حكومة قاسم بعد 1958) مدخله من «الباب المعظم». تقابله محلة الصابونجية التي تتصل بـ«الرشيد» وشارع «الجمهورية». تنفتح الصورة على ما تبقى من فنادق «الرشيد» ومقاهيه ومحاله على جانبيه، لا سيما اليمين منه، فيما يشغل «جامع الحيدرخانة» الجهة المقابلة لـ«مقهى حسن عجمي»، ثم شارع «المتنبي» المتفرع من «الرشيد» نفسه، وهي التسمية الأحدث لأحد مداخل سوق السراي المفضي للقشلة، حيث السراي الحكومي. يسير الشارع بمحاذاة «دجلة» وينفتح على مناطق بغداد التاريخية، كما يخترق أربعة ميادين ويتصل بأربعة جسور، وتتفرع منه شوارع فرعية اكتسبت شهرة عراقية كشارع «النهر». طول الشارع وتفرعاته ثمّ ما تضمنه من مؤسسات وأسواق ودور سينما ومقاهٍ وشركات كبرى، جعله المحرك السياسي والثقافي لبغداد، لا سيما في عهد الحكم الملكي. فهل هذا مسوِّغ كاف ليكون الشارع سردية بغداد الكبرى في القصة الخمسينية وما يتصل بها من نصوص روائية عراقية رائدة؟
لا يبدو الكتاب المعنيون مهتمين بتقديم إجابات مكتوبة ومقنعة؛ كانت حياتهم وقد عاشوها وكتبوا عنها، وعن البغدادي الذي يخرج من بيته في المربعة أو الحيدرخانة أو باب الشيخ أو راس القرية ويذهب إلى «الرشيد» كأنه النصف المتمم لحياته. هكذا يفتتح فؤاد التكرلي عالم قصته الطويلة «نوفيلا: الوجه الآخر» بتسمية المكان وتوصيفه: «خطر له حين مرَّ أمام مقهى حسن عجمي، أنه سيعود للجلوس (فيها) عصر هذا اليوم»، ثمّ قوله في فقرة ثانية: «كان شارع الرشيد مليئاً بحركة مستمرة والشمس البيضاء تملأه وتملأ نفس محمد جعفر... ص9». تنطوي هذه النصوص على أمرين: تسمية المكان بوصفه، ثم امتلاكه. ثمة «بغدادي» يمتلك حكاية، حكايته غالباً. ولا حكاية خارج أسوار المكان العتيق الضيق، والقذر غالباً. في «النخلة والجيران»، مثلاً، يستعيد (ربما الأصح أن نكتب: يعود!) صورة المكان الزائل الذي جرى محوه في أزمنة سابقة: الصولة وبيت سليمة الخبازة حيث النخلة القميئة والخان وأزقة أخرى في «الصبابيغ الآل - حي الصافن كما يسميها فرمان». في رواية «المخاض» نتحول إلى مشهد آخر للمكان البغدادي: شارع الجمهورية وشارع الكفاح والخلاني، فرقاً عن «خمسة أصوات» التي تبدأ بمتاهة الأزقة التي لا تنتهي بـ«الكفاح».

أزمنة السلطة... صور المدينة
هل اختلفت مخيلة بغداد باختلاف منظومات السلطة الحاكمة في العاصمة؟ هذا سؤال ربما لا معنى له؛ لأن السلطة كانت تسعى دائماً لـ«صناعة» بغداد كما تريد وتفكر فيها. ولا يختلف حال بغداد عن حال أي عاصمة عالمية. أفكر في باريس وتحولاتها، في برلين ولندن وغيرهما من مدن كبرى شهدت تحولات وتحولات جذرية. وفي حالة بغداد؛ فإن النصوص الروائية المؤسِّسة تضعني أمام ثلاث صور لبغداد التاريخية: صورة شارع الرشيد وما يتصل بها من أحياء وشوارع فرعية ومحال وسينمات وساحات، وهي الصورة الأثيرة في روايات الحقبة الملكية. أقصد هنا الروايات التي كتبت عن الحقبة الملكية. أذكر منها روايات فرمان الثلاث: «النخلة والجيران» و«خمسة أصوات» و«القربان» و«نوفيلا» التكرلي الوجه الآخر. وهناك روايات لكتاب عراقيين آخرين تتعرض لتلك المرحلة، لكنها لا تجعل منها عالماً كاملاً، نذكر منها روايتي علي بدر «بابا سارتر» و«صخب ونساء وكاتب مغمور». صورة شارع الجمهورية - الكفاح، وهي تمثل حقبة الجمهورية الأولى. نجد تلك الصورة في روايتين أساسيتين، هما: «المخاض» لفرمان و«الرجع البعيد» للتكرلي. نُشرت الأولى عام 1974، فيما انتهى التكرلي من روايته عام 1977 ونشرها عام 1980. «المخاض» قصة المنفي العائد إلى بلاده بعد «غربة» استغرقت سنوات جرى خلالها إزالة عالمه وذكرياته، فيضطر للسكن في فندق بشارع الرشيد «عالم الصورة الأولى»، ثم في «حمام المالح» بمنطقة الفضل. ولرواية «المخاض» يرجع الفضل في نقل عالم بغداد المتخيل من الرشيد إلى شارعي «الجمهورية» و«الكفاح»، حيث باب الفضل وباب الشيخ والخلاني والكيلاني. وهو الخيار الذي سيعتمده مؤرخ بغداد الآخر، فؤاد التكرلي، في روايته الشهيرة «الرجع البعيد»؛ في تلك الشوارع، كما في غيرها، احتدمت الأحداث واشتبك البغداديون مراراً. وعندما نصل إلى الصورة الثالثة؛ فإننا نستعيد مخيلة بغداد كلها، بصورتيها؛ الملكية والجمهورية. في روايات بغداد «المحتلة» سنكون إزاء سلسلة متصلة من نصوص بغداد بأزقتها المظلمة والضيقة التي ازدادت تلفاً ودماراً، لكنها، أيضاً، التي انفتحت على مواجع بغداد وضياعها؛ فحضرت مشرحة بغداد، وحضرت البتاوين، واستعاد «أبو نؤاس» حضوره وغيرها. وما زالت بغداد تستعيد أزمنتها وأمكنتها، هي نسخة أخرى عن كتابها، بل إن كتابها هم نسخ أخرى عنها. ولا بد من أنهم يتذكرون، مجتمعين أو فراداً، نصيحة «العم نوري»، سائق التاكسي الذي عاد «بكريم داود» من المطار، ثم أسكنه في بيته في «حمام المالح». قال له إجابة لطلبه أن يحدثه عن حياته: «كل ما أريده لك أن تكون مرتاحاً. والارتياح يأتي حين تعرف أي طريق تسلك، وإلا فستكون مثل بغداد اللي ما كانت تعرف وين تضع رجلها. (المخاض)».
أهذا كل بغداد: شارع الرشيد والقشلة والميدان والحيدرخانة والصدرية وباب الشيخ والبتاوين؟ أين الكاظمية والأعظمية والكرادة والدورة والمنصور؟ هل ستطردكم بغداد من جنتها لو كتبتم عن علي الصالح أو الصليخ أو الجادرية؟



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».