القاهرة وحكاياتها... جدل المتن والهامش

ميسون صقر تتناولها في «مقهى ريش... عين على مصر»

القاهرة وحكاياتها... جدل المتن والهامش
TT

القاهرة وحكاياتها... جدل المتن والهامش

القاهرة وحكاياتها... جدل المتن والهامش

مغامرة سردية شيقة ومهمة تخوضها الشاعرة والكاتبة ميسون صقر، في كتابها «مقهى ريش... عين على مصر»، الصادر أخيراً عن دار «نهضة مصر» للنشر بالقاهرة؛ محولة المقهى بطابعه «الكوزموبوليتاني» العريق بوسط العاصمة القاهرة إلى معول للنبش والإبحار في التاريخ والأفكار والرؤى والوثائق والعادات والتقاليد، ومدارات الثقافة والسياسة وتحولاتهما الفارقة التي وصلت إلى حد الصراع والثورة على طاولات هذا المقهى الذي شكل واحدة من أهم البؤر الحاضنة لكل هذا النشاط في مصر منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، وشهد نهضتها الحديثة التي انطلقت على يد محمد على (1805 - 1849) وامتدت مع خلفائه من الأسرة العلوية.
يقع الكتاب في 650 صفحة وتشكل فصوله الأربعة (القاهرة الخديوية – المقاهي في حاضرة القاهرة – دفتر أحوال ريش - مقهى ريش) موسوعة مصغرة للقاهرة تجوب في الأماكن والمقاهي والبنايات والقصور، تستقصى طرز عمارتها وتاريخ نشأتها، كما تستقصي الحدائق والميادين والتماثيل والكباري الواصلة بين ضفتي المدينة التي حصلت في ذلك الزمان (1925) على وسام أجمل وأنظف مدينة في حوض البحر المتوسط وأوروبا، متفوقة على عواصم أوروبية كبيرة وعريقة، على رأسها باريس ولندن وبرلين.
بعين حكاءة يتجول الكتاب في تاريخ تلك الحقبة في قوس شاسع يمتد حتى أحداث وتداعيات ثورة 25 يناير 2011 التي تفجرت وقائعها في ميدان التحرير على بعد خطوات من مقهى ريش. ويوثق للمكان بالكثير من الوثائق والشواهد، من بينها عقود وخطابات ومراسلات ومحاضر بوليس وحسابات بنوك وإعلانات لحفلات فنية، وينفرد الكتاب بمجموعة من الوثائق والمستندات غير المعروفة عن نشأة المقهى، وحقيقة الأرض التي بني عليها وملاكه ومستأجريه على مدار أكثر من مائة عام. كما ينفرد بالكشف عن ماكينة طباعة يرجح أنها كانت تستخدم لطباعة المنشورات السياسية، عثر عليها في أثناء عملية الصيانة والترميم للمقهى عقب الزلزال العنيف الذي ضرب مصر عام 1992.

مرايا متجاورة
تتفاعل فصول الكتاب مع بعضها بعضاً في بوتقة واحدة، وينعكس كل فصل على الآخر، فتبدو وكأنها مجموعة من المرايا المتجاورة، لا فصل بين السياسي والثقافي، بين التاريخي والاجتماعي، بين الفني والوجدان العام. إنها الحالة المصرية بامتياز، وفي واحدة من أسطع تجلياتها، هكذا تقبض عليها ميسون صقر بشغف ومحبة، ولا تنسى أنها - رغم أرومتها الإماراتية - ابنة هذه الحالة، عاشت في نسيجها وتشربت روحها وهي بعد طفلة عمرها 5 سنوات. هذه المحبة الوفية كانت وراء هذا الجهد المضني الذي بذلته في هذا الكتاب على مدى سنوات عديدة حتى خرج للنور.
يبدأ الكتاب باستهلال خاطف يوسع من أفق الرؤية، ويبرز معنى العين في التراث الحضاري والموروث الشعبي المصري، وكيف تعددت رمزيتها وأصبحت دلالة على المكان والحكمة والعاطفة، ومضرباً للأمثال: «عين الحياة، عين حورس، عين شمس، العين السحنة، مجرى العيون، عين الحسود فيها عود، العين عليها حارس».
وفي المفتتح يتعمق هذا الاستهلال، ويتحول من «موتيف» شعبي إلى حجر أساس يساهم في الربط بين الأماكن وما تثيره من فكرة الانتماء، وفكرة الصورة كنواة للتكوين «فالصور لها قدرة حميمية وفاعلة في التأثير على تصورنا عن المكان، تلتصق بالجسد والروح». لكن هذا التصور ليس محض صدفة عابرة، إنما ينطوي على تجسيد عميق لفكرة الخصوصية، خصوصية المكان وتقاطعاته الحية في حركة الزمن والبشر والأشياء، ثم التعايش والحيوية ما بين كل عناصر اللوحة/ الكتاب، وكيف في انجذابها للماضي ينبثق الحاضر بأسئلته الحارة ووقائعه الشائكة.
تحت هذه المظلة تبزر «ريش» حالة متناغمة خلقت تميزها من سر موقعها وتفرده، وبقيمة روادها، كما تبرز روح المكان ومحاولة القبض عليها في كل تجلياتها، حسبما يشير الكتاب: «في ريش، ربما يكون المثقف هو القادر على التقاط هذه الحساسية المرهفة لروح المكان، التي امتزج فيها الثقافي والسياسي والفني بالاجتماعي، مشكلاً حراكاً حراً للإبداع، قادراً على إثارة الحوار بين أجيال وأطياف شتى من المثقفين والمبدعين والشعراء».
لا ينفصل الحوار عن الحكاية فهو ابن معناها وطبقاتها المتعددة والمتنوعة وكتلها المجمعة والمتناثرة، كما يتجاوز الحكي بإيقاعه الحي ولغته السلسلة فكرة الأثر كشاهد عابر، ويتحول إلى جسر يربط ما قد كان بما هو كائن بالفعل... هذه واحدة من مناطق الجدارة الجمالية في الكتاب فالأثر ليس بما مضى، بل بما هو مقيم وباق، حتى ولو كان بقعة ضوء وصورة على جدار: «كُتلٌ وتَجمعات ومجموعات تلتقي وتفترق، لكن صوتَهم يظل يرن في أرجاء القاعة، وأنفاسهم تظل عالقة بالكراسي والطاولات... وكأن كل نفس جديد يستعيد صورة من كانوا هنا ورحلوا؛ في مزيج يتصاعد بين الماضي والحاضر... فمن جلس على هذه الطاولة أو تلك، لم يكن في حاجة إلى شهادة محبة للمكان، حسبه أنه يأتي، يعبر ويمر مع الضوء من خلال الزجاج والطريق المؤدي إلى المكان».
إضافة إلى ذلك، ثمة وعي ثاقب بجدلية المتن والهامش وتضافرها في تكوين الكتلة/ المقهى، وتلمس أبعادها التي قد تتناثر في حكايات صغيرة، بعضها في سياق هذا التضافر قد يكون ناقصاً ومبتوراً وهامشياً، لكنه يبقى مهماً في سياق الكتابة، واستعادة اللحظة ومحاولة تثبيتها بخصوصيتها لفترة أطول، وفي حياة أخرى، وهامش آخر.
ومن ثم، لا يبحث الكتاب عن حقائق مكتملة بذاتها، وإنما هي حقائق تسعى إلى الاكتمال بضعفها وهشاشتها وأخطائها. فهكذا، يمكن أن تستعاد الحكاية من جراب الماضي مرات ومرات، وفي كل مرة ثمة عين تنظر إليها بشكل جديد.

السياحة في المكان
ورغم أن تاريخ مقهي ريش يعود إلى عام 1908 إلا أن ميسون صقر تبدأ سياحتها في متن المكان من نقطة أوسع، فتمر على القاهرة في عصورها التاريخية المتعاقبة: الفرعوني والروماني والإسلامي، وترصد أهم معالمها وأسمائها في كل عصر: «أون»، «عين الشمس»، «هليوبوليس»، «الفسطاط»، «مدينة القطائع»، ثم القاهرة نسبة إلى المعز لدين الله الفاطمي، وتتوقف عند أشهر معالمها آنذاك ومنها: حصن بابليون، الكنيسة المعلقة، كنيسة أبي سيفين، قباب البنات السبع، جامع عمر بن العاص، وتستمر السياحة بإيقاع الرصد والنبش والتحليل للوقائع والقصص والحكايات حتى عهد محمد على، وبداية النهضة المصرية الحديثة، والمشروعات الكبرى في الصناعة والزراعة والتعليم وتحديث الجيش، والاهتمام بالري ومياه النيل وإنشاء القناطر الخيرية، ودخول الإنارة البلاد. ثم صعود قوس النهضة إلى تخوم الحداثة في عصر الأسرة الخديوية، بخاصة عصر إسماعيل مؤسس القاهرة الحديثة الذي جعلها «قطعة من أوروبا».

رمانة ميزان
في هذه السياحة من بين مقاهي القاهرة التي يرصدها الكتاب، تبقى ريش رمانة الميزان، للمتن والهامش معاً. فحين يلتقي على طاولتها رموز المعارضة وشبابها من المثقفين والكتاب والفنانين والشعراء وكل طوائف المجتمع، منذ ثورة 1919، وحتى ثورة 25 يناير 2011، وحين يتخذها عريان سعد طالب الطب نقطة ارتكاز لاغتيال رئيس الوزراء يوسف وهبة لاتهامه بالخيانة، وذلك في أثناء مرور موكبه صباحاً من ميدان سليمان باشا على بعد خطوات من المقهى، وحين تنطلق منها المظاهرات ضد اتفاقية كامب ديفيد، وغيرها من الأحداث المهمة التي يذكرها الكتاب، حينئذ يتحول ريش إلى هامش وطني يقلق المتن ويهدد سلطته على شتى الأشكال السياسية والاجتماعية والثقافية، متميزاً عن غيره من المقاهي التي كان معظمها مجرد مكان للهو وتمضية الوقت.
أسس المقهى وأطلق عليه اسم «ريش» رجل الأعمال الفرنسي هنري ريسنييه، وحرص على أن تكون به لمسة من المقاهي الفرنسية، ثم تعاقب على ملكيته أربعة أجانب آخرون، معظمهم من اليونانيين، حتى اشتراه في عام 1962 المحاسب عبد الملاك ميخائيل وكان أول مصري تؤول إليه ملكية المقهى.
حفر المقهى تاريخه عبر ملاكه ومستأجريه الستة، وصمد كثيراً في وجه الزمن والمحن، واستطاع أن يكون مرآة تعكس ما استقر في الوجدان العام باسم «الروح المصرية»، وهو ما ميز فترة مالكه الثالث ميشيل بوليتس، اليوناني المغامر محب الفن والثقافة، الذي يعد مؤسس نهضة ريش، فقد وعى دوره، وخاض حرباً إدارية مع البوليس من أجل أن يلحق بحديقة المقهى كشكاً للموسيقى، ثم مسرحاً، استقطب نجوم الطرب والغناء في تلك الفترة، وبعد مماطلة البوليس في إعطائه الترخيص بحجة إزعاج السكان، تضامن السكان مع الفكرة ووقعوا على عريضة شعبية بقبولها، فشقت طريقها إلى الوجود قبل أن يحصل بوليتس على التصريح بذلك رسمياً. لقد تشبع بوليتس بالروح المصرية، وكانت الحافز وراء نظرته لتوسيع أنشطة ريش، ليصبح بمثابة ملتقى متنوع للثقافة والفن، ثم يأتي لقاء نجيب محفوظ أو ما عرف بـ«قعدة الجمعة»، التي أصبحت بمثابة دفتر أحوال الحالة المزاجية المصرية المفتوحة على هموم السياسة والثقافة والنضال.
يجسد الكتاب هذه الحالة بعمق وينفتح على تخومها بمخيلة خصبة، كما يرسم صوراً وبورتريهات لها، تنبض بملامح أزمنة وأمكنة وخطوات بشر معظمهم رحل لكن لا تزال أرواحهم تسكن المكان.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.