الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية

طاهر المصري يروي محاولات الأردن نزع اعتراف أميركي بمنظمة التحرير الفلسطينية (2)

الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
TT

الملك حسين اجتمع سراً مع بيريز في لندن وصاغا اتفاقية

الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991
الملك حسين وطاهر المصري في حديقة قصر الأمير الحسن عام 1991

يكشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، في الحلقة الثانية من مذكراته التي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات منها، عن اجتماع للراحل الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز في لندن عام 1987، إذ أسفر اللقاء عن اتفاقية عرفت بـ«ورقة بيريز - الحسين» وقتها.
وفي كتابه «الحقيقة بيضاء» الذي سيطلقه في «المركز الثقافي الأردني»، مساء غدٍ، يضع المصري حقائق حول أسباب فشل «اتفاق عمان» الذي راهن عليه الراحل الملك حسين ورجال القصر، في خطته نحو حل القضية سلمياً، والحصول على اعتراف أميركي بمنظمة التحرير الفلسطينية، كاشفاً عن انهماك الأردن في اتصالات سرية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وحتى مع إسرائيل.
وفيما وصف المصري مصير «اتفاق عمان» بأنه «قتل بطيء لاتفاق جيد»، ليسفر عن إلغائه إجراءات ضد المنظمة، عزا الأمر لأسباب عدة، منها شكوك عرفات في مطامح الملك حسين غير المعلنة، بسبب شعوره بطموح لعودة الضفة الغربية إلى سلطة الأردن.
وكان إلغاء «اتفاق عمان» أدى إلى اتخاذ إجراءات التضييق على منظمة التحرير، واختراع قيادة بديلة، وإغلاق مكاتب «فتح» في عمان، وإبعاد خليل الوزير (أبو جهاد)، ليزيد المصري في مذكراته أن الحكومة الأردنية التي شغل فيها موقع وزير الخارجية آنذاك، خططت للقبول بمشروع حكم ذاتي واسع للضفة الغربية كخطوة أولى لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.
وتنشر «الشرق الأوسط» حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، التي اختار لها عنوان «الحقيقة بيضاء»، كاشفاً عن معلومات وحقائق لمحطات من تاريخ الأردن السياسي، بعد تعاقبه على المناصب منذ 1973، واشتباكه مع مركز القرار في عمر مبكر وعلى مدى سنوات طويلة.
المصري، وهو أردني من أصول فلسطينية، عرف عنه تمسكه بهوية وطنية جامعة، وشكل جسراً في العلاقة بين البلدين، واستثمر الراحل الملك حسين في شخصية المصري منذ اختياره وزيراً في 1973، ثم سفيراً في عواصم القرار، ثم وزيراً للخارجية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ثم نائباً في البرلمان في 1989، ثم رئيساً للوزراء في 1991، ورئيساً لمجلس النواب في 1993، مختتماً سلسلة رئاساته رئيساً لمجلس الأعيان في 2009. وفيما يلي نص الحلقة الثانية:
لا يجوز اتهام زيد الرفاعي بأنه من وقف خلف إلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني. فقد رأت فيه سوريا استهدافاً مباشراً لأمنها الوطني، واتهمت الأردن وعرفات بالعمل ضد أمنها الوطني، بخاصة بعد خروج المنظمة من بيروت عام 1982، وما آلت إليه العلاقة بين عرفات وحافظ الأسد. كما أن الموقف السوفياتي ساهم هو الآخر في دعم الموقف السوري وتقويته.
كان من أولويات زيد الرفاعي ترميم العلاقة مع سوريا، لذلك سارع إلى زيارة دمشق في سبتمبر (أيلول) 1985، وكان هدفنا المعلن هو إعادة المياه إلى مجاريها بين عمان ودمشق، خصوصاً بعد توقيع الاتفاق الأردني - الفلسطيني الذي رفضته دمشق بقوة وبدعم مباشر من موسكو.
ترأس الرفاعي وفداً كبيراً من وزراء ومسؤولين لزيارة دمشق، تعبيراً عن أن الأمور عادت إلى مجاريها، ليس فقط على مستوى التعامل السياسي والدبلوماسي فحسب، بل على المستوى الثنائي أيضاً.
كنت أحد الوزراء المرافقين، وأجرينا لقاءات عادية جداً مع المسؤولين السوريين، إلا أن زيد الرفاعي اجتمع منفرداً بالرئيس حافظ الأسد لمدة سبع ساعات متواصلة، وعاد إلينا بعدها في ساعة متأخرة من الليل، وكنا بانتظاره في فندق «شيراتون» إلى جانب عدد من القيادات السورية، أذكر منهم العماد مصطفى طلاس. وأعطى الرفاعي الوفد فيما بعد ملخصاً عادياً، مشيراً إلى أن الأمور جرت على خير ما يرام، وأن الاتصالات ستستمر.
كان الملك حسين يعرف حدود الواقع الدبلوماسي والسياسي العالمي، وكان يريد أن يتخطاه بإدخال منظمة التحرير وإشراكها في الحل السياسي. لذا انهمك الأردن في اتصالات سرية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وحتى مع إسرائيل، بغية الحصول على اعتراف مناسب لمنظمة التحرير، كي تتمكن من دخول المؤتمر ومن المشاركة الفاعلة فيه.
وكثيراً ما دخلت في نقاش مع الملك حسين حول مستقبل القضية الفلسطينية. كان يرى بأننا لا نستطيع «سحق إسرائيل»، بل كانت إسرائيل سعيدة بأن تهاجمها الجيوش العربية في نقطة قوتها، وهي القوة العسكرية، لأنها كانت تحقق بذلك انتصارات نوعية على تلك الجيوش، إضافة إلى أنها كانت تكسب أيضاً عطف العالم ودعمه لها، وتؤكد دعايتها العالمية بعداوة العرب لها. واتفقنا أننا كعرب غير قادرين على إلغاء إسرائيل، لذلك يجب أن يركز الهدف الاستراتيجي والبعيد المدى للعرب على «تذويب إسرائيل» من خلال السلام المبرمج معها لهذه الغاية.
خلال تلك الفترة، ازداد احتكاكي المباشر بياسر عرفات وبمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال موقعي الرسمي وزيراً للخارجية، وكنت سعيداً بتقديم أنواع الدعم كافة للمنظمة، وذلك بما لا يتعارض مع الأهداف والسياسات والمصالح الأردنية. كنت مؤيداً من حيث المبدأ لقيام منظمة التحرير الفلسطينية حين تأسست في منتصف ستينيات القرن العشرين، لإبراز هوية الشعب الفلسطيني، وكنت أرى ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من معاناة وحصار، وأصبحت قناعتي، كغيري، بأنه لا بد للفلسطينيين من أن يتولوا أمورهم بأنفسهم، ما يتطلب إنشاء كيان سياسي لهم، أصبحت تعبر عنه وتمثله منظمة التحرير الفلسطينية.
في الوقت عينه، كنت أجد تعارضاً بين قناعاتي وبين التصرفات السياسية لبعض القادة في المنظمة، ومنها أحداث سبتمبر 1970 التي أعتبرها صراعاً بين الدولة الأردنية التي تريد فرض سلطتها ونظامها وسيادتها على أراضيها، وبين مجموعات مسلحة تريد أن تستولي على النظام، وتفرض سيطرتها بقوة السلاح. فهي لم تكن حرباً بين الأردنيين والفلسطينيين، ولا حرباً أهلية.
وكنت أعلم أن ياسر عرفات ينزعج من شخص مثلي، يتمتع بمكانة سياسية جيدة في الأردن، وقريب من الملك، ويشارك في صناعة القرار السياسي الأردني، وله خلفيته العائلية في فلسطين وما تتمتع به من نفوذ في الضفة الغربية.
وأعلم أيضاً أن عرفات، في كثير من الأحيان، كان يتوجس خيفة من وصولي إلى مراكز عليا. وانسجاماً مع «الفوبيا» التي كانت تلازمه دائماً من أن أحداً ما سيحل مكانه، فقد كان يظن أنني، أو غيري، سنحل محله، وكان يعد عدته لمواجهة هذا الأمر.
فعندما انتخبت رئيساً لمجلس النواب في نوفمبر (تشرين الثاني) 1993، صرح ياسر عرفات، وكان قد وقع لتوه اتفاق أوسلو مع الإسرائيليين، بأن انتخابي هو خطوة من قبل الأردن لاستعادة النفوذ إلى الضفة الغربية، وهذا ما جعل الشريف زيد بن شاكر، وكان آنذاك رئيساً للديوان الملكي، يحذرني بعد علمه بما قاله عرفات، وقدم لي رئيس الديوان الملكي والأجهزة الأمنية سيارة مصفحة ضد الرصاص ومرافقاً أمنياً لحمايتي من أي تهديد محتمل، لكني اعتذرت عن قبول تلك الترتيبات، وقلت إن «أبا عمار يثرثر دائماً في مثل هذه الأمور، وقد لا يكون ما قاله صحيحاً، فلا تأخذ أقواله وتصريحاته على محمل الجد».
لم يكن عرفات مطمئناً إلى نيات الملك، وهو يقدم كل الدعم للمنظمة، فقد كان يشك بينه وبين نفسه في مطامح الملك غير المعلنة، ويكشف عن اهتزاز ثقته بالملك حسين التي كانت بالفعل قائمة على الخوف منه، بسبب شعوره بطموح للملك حسين بعودة الضفة الغربية إلى سلطته، وتلك هي طبيعة عرفات النفسية، فقد كانت هواجس الشك - حتى في أقرب الناس إليه - هي المسيطرة عليه.
في تلك الفترة، كان أبو عمار حائراً في توجهاته، فقد كانت التجاذبات تشده إلى جهات مختلفة. داخلياً، كان في المنظمة رجال أقوياء مثل «أبو أياد» و«أبو جهاد» و«أبو مازن»، وكانوا يخالفونه الرأي في بعض سياساته وتوجهاته.
خارجياً، كانت لديه رغبة بفتح قناة اتصال مع الولايات المتحدة من أجل انتزاع اعتراف أميركي بالمنظمة أو به شخصياً، ولكن بشروطه.
في المقابل، كان الاتحاد السوفياتي خائفاً من خسارة الورقة الفلسطينية، وهي أهم حركات التحرر العالمية في ذلك الوقت، وكانت تتباهى موسكو بدعمها وتبنيها. أما مواقف الدول العربية تجاهه، فكانت إما متناقضة كلياً مع سياسته أو مؤيدة له.
كل هذه الأمواج كانت تتلاطم في وجه ياسر عرفات، وكان أسهل عمل يمكنه القيام به هو الابتعاد بسياساته عن الأردن، على رغم أن الملك حسين كان مُصراً على إدخال منظمة التحرير في عملية السلام من خلال انعقاد المؤتمر الدولي، ومن خلال سعيه لدى الأميركيين للحصول على الاعتراف بمنظمة التحرير والبدء بإجراء اتصالات غير رسمية تنتهي بالاعتراف الرسمي بها.
كان الملك حسين مهتماً بإقناع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر بهذا الاتفاق، كما كان واثقاً من قدرتها على مساعدته في تسويقه وتبني وجهة النظر الأردنية، خصوصاً لدى إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وسعى حثيثاً لإقناعها بمقابلة الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك، الذي كان يضم كلاً من عبد الوهاب المجالي، ومحمد ملحم (أبو علاء)، وعضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير المطران إيليا خوري، بالإضافة إلي.
ونجح الملك حسين بإقناع ثاتشر بلقاء الوفد، شرط أن يصدر بيان مشترك عن الزيارة يذكر فيه القرار 242 الذي كانت منظمة التحرير وعرفات يرفضان قبوله آنذاك.
تولى زيد الرفاعي ترتيب كل الاتصالات مع منظمة التحرير تحديداً، للاتفاق على نص البيان، وحتى تسمية أعضاء الوفد، وكانت فكرة اقتراح المطران إيليا خوري، رئيس الطائفة الإنجيلية التي تدين بها بريطانيا والملكة، فكرة ذكية صدرت عن الرفاعي.
لم أكن أعلم بتفاصيل تلك الاتصالات، فقد كنت في حينه أترأس الوفد الأردني لاجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى أن أخبرني الرفاعي أثناء انعقاد دورة الأمم المتحدة، أنه قد تحدد موعد لقاء ثاتشر في بريطانيا، كي أتوجه من الأمم المتحدة إلى لندن للمشاركة في الوفد.
وكانت المصادفة أن محمد ملحم كان هو الآخر في نيويورك ضمن الوفد الفلسطيني، وذهبنا سوياً إلى لندن، وكنا في الفندق نراجع نص البيان الذي ستذيعه ثاتشر بعد لقائنا بها. وفوجئ محمد ملحم بوجود بند في البيان يتحدث عن القرار 242. اعترض على الأمر قائلاً إن تعليمات ياسر عرفات المباشرة لا تسمح له بقبول هذه الإشارة في البيان.
أعلمت الرفاعي فوراً بما قاله محمد ملحم، فأجابني: «هذا هو الاتفاق». سألته: «مع من كان الاتفاق؟»، فقال: «مع إيليا خوري الذي كان يقوم بدور حلقة الوصل بينه شخصياً وبين عرفات».
استغربت موقف الرفاعي، لعلمي أنه كان يجري كل اتصالاته مباشرة مع خليل الوزير الذي كان لا يزال يقيم في عمان، ولم تجر العادة أن يتم الاتصال، إن لهذا الأمر أو لغيره، من خلال وسيط آخر هو المطران إيليا خوري، وأبلغني الرفاعي أن المطران أكد له أن هذا هو موقف ياسر عرفات.
وجدنا أنفسنا في وضع حرج للغاية، لا سيما أن الملك حسين كان في زيارة خاصة إلى بريطانيا، وجرت اتصالات محمومة بيني وبين مسؤولي الخارجية البريطانية حول هذا الأمر.
واتصل محمد ملحم بياسر عرفات، واستطاع الحديث معه بعد جهد جهيد وبعد محاولات عدة. وجده في السودان، وأعلمه بالموقف، فغضب عرفات غضباً شديداً، وسمعت صوته عبر الهاتف قائلاً لمحمد ملحم بأنه لن يسمح لأي كان بترهيبه والضغط عليه، ولن يقبل بالقرار 242، حتى لو أدى ذلك إلى فشل لقاء الوفد مع ثاتشر. وقال إنه لن يوافق إطلاقاً على ذكر القرار 242 في أي بيان مشترك، وحذره من الذهاب إلى اللقاء.
اتصل بي الملك حسين من منزله الخاص في لندن، فأعلمته بالأمر وبتفاصيله، وكانت الخارجية البريطانية قد رفضت رفضاً قاطعاً حذف ذكر القرار 242 من نص البيان، حتى لو تم إلغاء اللقاء أصلاً. وأظن أن الملك أعلم مكتب ثاتشر بهذا الوضع، وبأننا لسنا المسؤولين عن هذا الأمر بل عرفات نفسه هو المسؤول، وإظهاراً لحسن نية الأردن، فإن وزير الخارجية مستعد للقاء نظيره البريطاني السيد جيفري هاو في مقر وزارته، لتأكيد التزام الأردن بالعملية السلمية وبالقرار 242. وهذا ما حصل. فقد ذهبت في اليوم التالي، في يوليو (تموز) 1985، إلى وزارة الخارجية البريطانية، وشرحت للوزير ملابسات ما جرى، وأسفنا لما حدث، وأكدت التزام الأردن بالقرار 242.
وقامت جريدة «هيرالد تريبيون» بنشر صورة لي أثناء لقائي بهاو، بعد أن تعمد الإعلام البريطاني الإساءة إلى منظمة التحرير ولعرفات أثناء تغطية الصحافة البريطانية لهذه المسألة.
انتهى فصل مريع من العلاقة المهتزة بين الأردن ومنظمة التحرير، وبقيت التفاصيل غامضة بشأن اتصال الرفاعي مع المطران إيليا خوري لترتيب هذا الأمر الحساس، ومسألة تجاهله الاتصال بخليل الوزير، مع أنه كان يعلم علم اليقين بأنه هو الرقم الأول للمنظمة في الأردن، وكان قد أجرى معه كل الاتصالات المهمة وفي المواضيع كافة، وكان أبو جهاد جاهزاً دائماً للقاء الرفاعي والتصارح معه حول القضايا كافة.
انتهى «اتفاق عمان» بإعلان إلغائه من قبل الحكومة الأردنية التي كنت فيها وزيراً للخارجية، بتاريخ 19 فبراير (شباط) 1986، وبوجود الأشخاص أنفسهم الذين كانوا متحمسين جداً لإتمامه، بدءاً بالملك حسين، مروراً بمروان القاسم وعدنان أبو عودة، وانتهاءً بزيد بن شاكر.
شعر عرفات بعد فترة أنه قد يستطيع الإفلات من الحصار الذي عانى منه بعد خروجه من بيروت سنة 1982، وتحديداً بعد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في عمان. والأهم، أنه شعر بأن هدفه من توقيع الاتفاق قد تحقق، فعاد إلى موقعه السابق، وبدأ مرحلة التراجع عنه تدريجياً. وكان التعامل مع تكتيك عرفات مقتصراً على المطبخ السياسي الأردني. إلا أنني كنت متيقناً بأن العمل يجب أن يتواصل ويستكمل لدعم هذا الاتفاق، ويجب أن تبقى العلاقات الأردنية - الفلسطينية على المستوى الرسمي الرفيع من التفاهم والتعايش، ولم أر أي مبرر منطقي أو موضوعي للخطوات والإجراءات الأردنية المضادة التي حصلت فيما بعد، وعبرت عن موقفي هذا صراحة داخل الاجتماعات الرسمية مرات عدة.
عندما تبلغنا في مجلس الوزراء قرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير في عمان للمصادقة عليه، عارضت ذلك بشدة، وناقشت هذا القرار مطولاً استناداً إلى قناعاتي، وانطلاقاً من تخوفي من انعكاس هذا القرار على مصداقية الأردن، إلا أن مجلس الوزراء وافق عليه.
وفي أوائل أبريل (نيسان) 1987، كنا في زيارة بصحبة الملك حسين إلى لندن بوجود زيد الرفاعي وزيد بن شاكر، وذلك لمواكبة لقاء الملك بوزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، للتباحث ولاستمرار الحوار حول الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك المقترح لحضور مؤتمر دولي نادى به الملك ووافقت عليه منظمة التحرير، و«مواصفات» الفلسطينيين الذين سيشاركون في الوفد. وحضر شولتز إلى منزل الملك في لندن... وكان بصحبته عدد من مرافقيه، من بينهم ريتشارد ميرفي.
كان معظم الحديث قد تركز حول المبادرات المتوفرة لتأليف الوفد الفلسطيني - الأردني المشترك. بعد مغادرة شولتز والوفد المرافق له، وجدت في زاوية من زوايا صالون منزل الملك ملفاً نسيه أحد الأعضاء المرافقين لشولتز، مكتوب عليه «سري للغاية».
أخذت الملف سريعاً إلى الملك، وبدأنا بالاطلاع على محتوياته. ونظراً إلى أهمية المعلومات الواردة فيه، قرر الملك تصويره كله بسرعة فائقة، قبل أن يكتشفوا ضياعه وقبل إعادته لجورج شولتز.
ولهذه الغاية، أطفأنا أنوار المنزل حتى لا يعود صاحب الملف ويطلبه منا قبل أن نقوم بتصويره، وصدرت تعليمات لحرس المنزل بإبلاغ من يعود من أعضاء الوفد الأميركي بأن المنزل خالٍ لأننا غادرناه بعدهم مباشرة. وعندما انتهى التصوير، أنيرت الأضواء مجدداً، وجلسنا بعد ذلك نطلع وندقق في كل أوراق الملف من النسخة المصورة.
كان الملف يتضمن أوراق عمل على الطريقة الأميركية (position papers)، وعلى خطط متعددة لمواقف محتملة شبيهة بالسيناريوهات وبالخطط الرئيسية والخطط البديلة متعددة الدرجات من المفاوضات، وعلى موقف الولايات المتحدة الحقيقي من منظمة التحرير ومشاركتها، والحل النهائي المتمثل بتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين في الضفة الغربية والحكم الذاتي.
وأثناء وجودنا في لندن، التقى الملك حسين وشيمون بيريز في منزل اللورد ميتشكوم في الحادي عشر من أبريل (نيسان) 1987، وكان زيد الرفاعي بصحبة الملك. أما بصحبة بيريز فكان يوسي بيلين حسب ما عرفت لاحقاً، وأسفر ذلك اللقاء عن اتفاقية عرفت بـ«ورقة بيريز – الحسين»، ونصت على «تشكيل إطار تمهيدي لدعوة مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة وعلى أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، لإيجاد حل للصراع العربي - الإسرائيلي وللقضية الفلسطينية». وحسب الاتفاقية، «يمثل الأردن مصالح الشعب الفلسطيني في المؤتمر، ولا تشترك منظمة التحرير الفلسطينية فيه». كان الجانبان ينويان إعادة الضفة الغربية إلى إدارة المملكة الأردنية الهاشمية بشكل جزئي أو كامل نتيجة هذا المؤتمر.
من جهة ثانية، كان الوضع الأردني - الفلسطيني يتناقض تناقضاً كبيراً مع العلاقة الوثيقة بين الحكومة الأردنية وبين خليل الوزير «أبو جهاد» الذي كان مسؤول القطاع الغربي في المنظمة، وكان يقيم في الأردن ويدير أعماله في الضفة الغربية واتصالاته من عمان.
و«أبو جهاد» صاحب شخصية محببة وودودة ويوحي بالثقة، وكان مرناً ومتفهماً إلى أقصى الحدود، ولم تكن علاقتي معه تقتصر على كوني وزيراً للخارجية، إنما تعدت ذلك لتصبح علاقة صداقة، وكنا نتشارك أحياناً في مناقشة العديد من الآراء وطرح الأفكار في الشؤون العامة.
فقد كان خليل الوزير مسؤولاً عن الجبهة الغربية في فلسطين التي تعنى بإدارة التحركات والنضال الفلسطيني في الضفة الغربية. وكان الأردن مطلعاً على الكثير من نشاطاته، ولم يمانع في بعضها، وكانت شخصيته تؤهله لأن يكون مفوضاً من المنظمة لتولي العلاقات مع الأردن. فهو قيادي وموثوق به وغير صدامي، وقد تمكن من إقامة علاقات جيدة مع الحكومة الأردنية والمخيمات.
يوم استشهاده، رحمه الله، في تونس في السادس عشر من أبريل (نيسان) 1988، كنت حينها وزيراً للخارجية، واتصل بي عبد الرزاق اليحيى الذي كان آنذاك ممثلاً للمنظمة في الأردن حوالي الساعة الخامسة والنصف صباحاً، وقال لي: «صديقك أبو جهاد اغتيل صباح اليوم في تونس».
اغتالته إسرائيل بإنزال فريق من الكومندوس على الشاطئ التونسي قرب مساكن قادة المنظمة، وكانت سيارة مستأجرة بانتظارهم لتقلهم إلى بيته، وقطع الكومندوس الاتصالات ودخلوا منزله وأطلقوا عليه الرصاص أمام زوجته.
صعقت لهذا الخبر، وتفاهمت فوراً مع رئيس الوزراء زيد الرفاعي، ووزير الداخلية رجائي الدجاني، بأن نقترح على منظمة التحرير الفلسطينية دفنه في عمان، ثم عرضت الأمر على عبد الرزاق اليحيى باسم الحكومة الأردنية. وقبل أن نتلقى جواباً من ياسر عرفات، كنا نشك بقبول أبو عمار اقتراح الأردن دفن أبو جهاد في عمان، لكن فاروق القدومي (أبو اللطف) اتصل بي وأعلمني بأن والدي «أبي جهاد» وعائلته قرروا دفنه في مخيم اليرموك، في ضواحي دمشق، حيث كانوا يقيمون. عبرت للقدومي عن أسفي وأسف الحكومة الأردنية لذلك، وقلت له إن «هذا قرار خاطئ وقد طغت عليه الحساسيات والمخاوف التي لا أساس لها».
لقد كان هدف الملك من الاتفاق خلال حقبة زيد الرفاعي، هو قبول الدول العربية، وتحديداً منظمة التحرير، بالقرار 242 وبالشرعية الدولية، مقابل أن تسير الولايات المتحدة خطوات مماثلة باتجاه المنظمة. أما كيفية الوصول إلى هذه النقطة، فكانت الشغل الشاغل للملك حسين وللدبلوماسية الأردنية.
وعندما تولى زيد الرفاعي الرئاسة، كان عليه إكمال الطريق بحسب ترتيبات الملك، وأخذ المبادرة بهذا الاتجاه، لكن الولايات المتحدة لم تعلن يوماً ما، وبصراحة، تأييدها للاتفاق الأردني - الفلسطيني. ورغم ذلك أراد الملك حسين عقد الاتفاق، غير ملتفت تماماً إلى رأي الأميركيين وإلى مدى تقبلهم له. فالولايات المتحدة كانت مؤمنة بأن خير وسيلة للتفاوض هي المفاوضات المباشرة بين المنظمة وإسرائيل بعد اعتراف المنظمة بالقرار 242. كذلك، لا يمكن تجاهل الإشارات المتضاربة، كمعارضة رجالات «فتح» الكبار والأقوياء الاتفاق بشدة، مثل «أبو إياد» و«أبو اللطف». ورغم مما فرض هذا الاتفاق من تحضيرات ولقاءات وزيارات ومشاكل ومقاومة من قوى كبرى وإقليمية، فإن عرفات لم يصادق عليه ولم يوقعه، مكتفياً بتوقيع الأحرف الأولى من اسمه فقط، وانتهى أخيراً إلى لا شيء، على رغم أنه كان مشروع اتفاق. وأصبح واضحاً لنا في عمان أن «أبو عمار» يواجه مصاعب حقيقية وخطرة في ترويجه داخل منظمة التحرير وداخل حركة «فتح».
ونتيجة لما سبق، قام زيد الرفاعي باتخاذ إجراءات التضييق على منظمة التحرير واختراع قيادة بديلة وإغلاق مكاتب «فتح» في عمان، وإلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني. وفوجئت بقرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير في عمان وإبعاد «أبو جهاد» من الأردن خلال مدة زمنية قصيرة جداً، وإلغاء الاتفاق الأردني - الفلسطيني.
كان من ضمن مخططات زيد الرفاعي قبول الأردن بمشروع حكم ذاتي واسع للضفة الغربية كخطوة أولى لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي فيما بعد، ضمن مؤتمر دولي، وقد أعد لهذا الغرض، وبالاتفاق مع الحكومة الأميركية، مشروعاً طموحاً للتنمية مدته خمس سنوات.
والفكرة أساساً من بين أفكار وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، وكان يخطط للسير تدريجياً في الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية لتحصل على حكم ذاتي، وذلك بموافقة الحكومة الإسرائيلية. وكان يعتقد بأن تحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية شرط ضروري لإبعاد سكانها عن «الإرهاب» والقضاء عليه، وكان يظن في قرارة نفسه أن رفع مستوى معيشة الفلسطينيين في الضفة الغربية سيكون كافياً ليلغي أمل التحرير والمطالبة الفلسطينية بالانسحاب الإسرائيلي.
لكن هذه الخطوة واجهت شكوكاً كثيرة داخل الأردن وخارجه، وشنت منظمة التحرير الفلسطينية عليها هجوماً كاسحاً كونها تشكل تخلياً عن قرارات الشرعية الدولية، وبخاصة القرار 242 الذي كان العمود الأساسي للتحرك، وسميت سياسة «التقاسم الوظيفي».
جوبه هذا المشروع بمعارضة شديدة في الداخل والخارج، وكنت أول المعارضين له مع أنني كنت وزيراً للخارجية حينها، واحتجت عليه منظمة التحرير الفلسطينية ودول عربية أخرى، كونه يشكل قبولاً أردنياً بالحكم الذاتي وتأسيساً له.

المصري: فك الارتباط مع الضفة حسم خروجي من الحكومة واعتبرته إهانة شخصية (الثالثة والأخيرة)
حافظ الأسد هدّد بعمل عسكري رداً على تقارب الملك حسين وعرفات (الحلقة الأولى)



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.