هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

«دفاتر الورّاق» لجلال برجس الفائزة بـ«بوكر العربية» نموذجاً

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟
TT

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

لم يعد غريباً أن تجد روائياً له من الروايات والقصص بضعٌ لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك نال عن كل واحدة منها جائزة من الجوائز المعروفة وغير المعروفة في مدة قصيرة لا تتجاوز بضعة أعوام، وهو عمر يعد قصيراً بمقاييس الزمن الإبداعية.
وصار أمر توشيح الأغلفة الخلفية للروايات بهذه القوائم الجوائزية، يدفع الناقد - المقتنع بأن للجوائز تقييماتها كما لها مبتغياتها - إلى طرح أكثر من سؤال مثل، ما دوافع كتابة الرواية اليوم؟ وهل يصح أن تكون الغاية المبتغاة من وراء كتابة الرواية هي التباهي بالترشح للمسابقات والعمل بجد وبحسب شروطها من أجل الفوز فيها؟ أين الاهتمام بهمِّ الإنسان في الوجود الذي على الروائي تحمّله وهو يسير حافياً على أرض محروقة متلظياً بجمرها؟
لا يحق لنا أن نجرّد الكاتب من الإمكانات الفنية والقدرات السردية الهائلة التي تمكِّنه من نيل جائزة كل عام على كل عمل يكتبه، ولكن يحق لنا أن نفترض إدراك الكاتب مبتغيات الجوائز ومعرفة طرق اصطيادها، وهي طرق تحفز بالبحث عنها مغريات مادية ومعنوية تغدقها تلك الجوائز على الفائز.
وقد تتبادر أسئلة أخرى للناقد وهو بصدد روايات فاز كتّابها بجوائز كثيرة، ومنها رواية «دفاتر الورّاق» للكاتب الأردني جلال برجس الذي بدأ مشواره الأدبي شاعراً بمجموعته «كأي غصن على شجر» عام 2008، ثم ترك الشعر واتجه نحو الرواية فكان أول عمل سردي له هو مجموعة قصص «الزلزال» التي فازت بجائزة عام 2012، وتلتها أول رواية «مقصلة الحالم» وفازت بجائزة عام 2014، والرواية الثانية «أفاعي النار» وفازت بجائزة عام 2015، والثالثة «سيدات الحواس الخمس»، ووصلت عام 2019 إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية ثم جاءت روايته «دفاتر الورّاق» 2020 لتفوز بهذه الجائزة عام 2021.
ومثل هذا المشوار الفتي إبداعياً والغزير جوائزياً، إن جاز التعبير، - قد يثير بعض الظنون التي يقطعها اليقين الذي هو التحليل النقدي المستند إلى النظر الموضوعي والمتوخي الدقة المنهجية.
وبدءاً، يدلنا تعدد الساردين الذاتيين في رواية «دفاتر الورّاق» على أنها رواية أحادية الصوت وليست رواية متعددة الأصوات؛ لأن الحدث السردي لا يتكرر من وجهات نظر مختلفة إنما كل شخصية من الشخصيات الثلاث تسرد أحداث قصتها الخاصة بها وبمعزل عن غيرها ولها دفاترها المذكراتية التي تنشغل بقراءتها.
ويؤدي إبراهيم الورّاق دور البطولة نظراً للمساحة التي أعطيت له داخل العمل والتي فيها تنشطر شخصيته إلى شطرين، أحدهما ذاته والآخر صوت مجهول ظل يرافقه مثل القرين «جاءني الصوت مفاجئاً - انفجر الصوت المجهول - جاء الصوت فيه كثير من الغضب ونبرة من البكاء يؤنبني على فعلتي»، وتأتي بعده شخصية ليلى اللقيطة التي تركت ملجأ الأيتام القاسي لتواجه مجتمعاً أكثر قسوة، والطبيب النفسي يوسف السماك، والموظف عماد الأحمر، والصحافية التي بدا وجودها مفبركاً واقتصر دورها على قراءة دفتر فيه سُردت قصة جاد الله والد إبراهيم، الإنسان النزيه الذي تجلت أصالته في نزاهته.
وكان ينبغي أن يكون لاسترجاع قصة حياة الأب ومماته تأثير في ولده، ولكن هذا لم يحصل... إلى جانب شخصيات أُخر أقل حضوراً؛ منها شخصية ناردا أو السيدة نون التي ظهرت في الربع الأخير من الرواية وهي تعترف.
وتلعب ثيمة القرين دوراً مهماً يضفي حيوية على شخصية إبراهيم ويجعله يخوض مغامرات ويدخل في جملة تضادات حياتية تتجه بالأحداث السردية إلى التصاعد والاحتباك وعلى وفق مسار واقعي مفنتز، يصور الواقع تصويراً يكشف عن مظاهره الفوقية ويخفق في غوصه إلى مخبوءاته الباطنية.
وما يميز الفنتازيا أنها تفسح لنظرية التحليل النفسي مجالاً داخلها، وهو ما لا تستطيعه أنماط أخرى من الواقعية كالنقدية والموضوعية والاشتراكية؛ نظراً لاهتمامها بمجملها بالتفاصيل اهتماماً فوتوغرافياً صرفاً أو لعنايتها بجوانب اجتماعية ومسائل إنسانية عامة.
والقرين واحد من مفاهيم نظرية التحليل النفسي الفرويدية، ووُظف في التحليل النقدي بوصفه «حصيلة التماثل الإسقاطي ينسلخ شخص عن ذاته وينسب إلى شخص آخر تلك الخصائص التي يُنكر أنها موجودة عنده، لكن بما أنه لا يزال يعترف لا شعورياً بالخصائص المسقطة على أنها (خصائصه فإنه بذلك يماثل نفسه مع الآخر)» (أدب الفنتازيا، ت. ي. ابتر، ص94). وأول من وظّف القرين في السرد هو الأميركي هوفمان في روايته «إكسير الشيطان» 1816، واستعمله دستويفيسكي في روايته «القرين» 1846، واستعمله ستيفنسون في قصته «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد» 1886.
والطريقة التي بها وظف جلال برجس القرين كانت عبارة عن صوت مجهول، تتغير مواقفه وهو يرافق إبراهيم كالظل، فلا أحد يسمعه سواه، شاطراً ذاته الساردة إلى شطرين حسن وسيئ. فيكون الصوت في الفصول الخمسة من الرواية بمثابة الضمير الذي يحض السارد على الفضيلة والمذِّكر بالخير «جاءني الصوت من جديد يبدد لذة تمنيت لو طالت أكثر: ـ لا يغرنك ما أنت فيه. أنت تعيش حالة مؤقتة ستعود بعدها إلى بؤسك وضعفك» (الرواية، ص89). لكنه يغدو في الفصلين التاليين السادس والسابع مغوياً يحرِّض على الشر ويدفع نحو الجريمة حتى لا مجال للبطل في كتم رغباته غير المقبولة وإنقاذ سمعته ليكون الانسحاق هو حصيلة نبذ الآخرين له وقد تحول إلى لص محترف وكأنه لم يقرأ الروايات والقصص العالمية ولا اطلع على كتب الفلسفة فتثقف عقله خلال مدة عمله وراّقاً في كشك بيع الكتب... علماً بأن مَن يبيع الكتب لا يُسمى وراّقاً، بل هو«كُتبيّ».
وإذا كانت ثيمة القرين تجمع بين البعدين: الواقعي في صورته الفنتازية والتحليل النفسي في صورته العلمية، فإن التحدي الذي واجه الكاتب هو كيف يجعل السارد، المنشطرة ذاته، محوراً أساساً في تعقيد التحبيك السردي وصولاً به نحو الانفراج؟!
لا خلاف أن التوازن هو الطريق الأنجع في الجمع بين شطري السارد فلا يكون الاهتمام بالمرض النفسي على حساب التصوير الفنتازي كما لا اهتمام بالبعد الفنتازي على حساب التحليل النفسي. لتكون جدلية علاقة الجسد في بعده المادي الشهواني بالروح في بعدها الأخلاقي السامي واضحة، وعندها سيتمكن السارد من امتلاك الإرادة في مواجهة الإحباط ونقد الواقع والنقمة عليه.
وهو ما حاول الكاتب تحقيقه من خلال مسألتين: الأولى كانت في صالح العمل الروائي، وذلك حين جعل إبراهيم يعي أنه واقع تحت مطرقة الحقيقة وسندان الواقع وقد طالته يد العولمة باستهلاكيتها فأزيل كشكه بأمر البلدية وحل محله متجر عصري سيتبين فيما بعد أنه يبيع المخدرات ليصير عاطلاً عن العمل «ككل العاطلين عن العمل وعن الحياة مثلي» (الرواية، ص26). وهنا تأخذ تصوراته الفنتازية للعالم بالتشكل، مدللة في إشارة استشرافية على المآل القادم الذي ينتظر الإنسان وهو في خضم هذا الانجراف نحو الاستهلاكية العولمية.
ومما يحسب للرواية المشاهد والأوصاف الواقعية والحوارات المباشرة والمونولوجية المعبرة عن رؤية العالم وكيف أن الاستهلاك جعل الأخلاق تنحدر انحداراً خطيراً يهدد المجتمع وقيمه المثالية «عد بذاكرتك أيها الوراق إلى عدالة أرسطو التي رأى أنها علاقة الأفراد بالمؤسسات وإلى الفضيلة التي رآها علاقة الأفراد ببعضهم ستكتشف أن لا عدالة ولا فضيلة» (الرواية، ص29). وكان يمكن لهذه الرؤية أن تتصاعد وتصل بالرواية إلى تحصيل فلسفي. وكثير من الفلاسفة كانوا يستمدون فلسفاتهم من الروايات والقصائد مستعينين بما فيها من أوضاع عقلية حسية وروحية تجاه الذات والأشياء كما يقول د. هـ. لورانس، بيد أن رواية «دفاتر الورّاق» شتت هذه الرؤية بمسألة لم تكن في صالحها، وهي: تصدير بعض فصول الرواية بمقولات فرويدية ويونغية مفتاحها الضمير واللاشعور، وقد تقصّد الكاتب وضعها مركزاً على البعد النفسي التحليلي لشخصياته، ولو تخلى عنها لأعطى لعمله تشويقاً ولجعل القارئ أكثر اقتناعاً بفنتازية ما يقرأ. وثانياً، أن اختياره هيأة القرين في شكل صوت فنتازي يأتي تارة ناقداً موبخاً ومؤاخذاً ومعنفاً ومصارحاً ويكون تارة أخرى ساخراً ومتشفياً ومغوياً وملغزاً إنما هو اقتباس واضح من قصتي «بورخس وأنا» و«شكل السيف» لخورخي لوي بورخس.
والمحصلة، أن جاء ختام الرواية مخيباً لأفق التوقع، فلقد أطلق الكاتب على سارده (إبراهيم) رصاصة الرحمة متمثلة بآخر جملة نطقها «علينا الصمت إذا ما اختلط الوهم بالحقيقة» مما ينطبق عليه قول لورنس «ما هو أنا حين أكون ذاتي سيلعنها بالتأكيد أولئك الذين يكرهون تكامل الفرد ويريدون أن يعيشوا في حشود» (كتابه «فنتازيا الغريزة»، ص69).
فلم يتغلب إبراهيم على القرين بل ظل مؤسلباً أحرق كتبه غارقاً بواهمية ما يريد تصديقه، غير مرتفع بوعيه الممكن إلى وعي قائم تتجلى فيه رؤية واضحة تنتقد المجتمع العربي المهدرة طاقاته وثرواته بالسياسة، بل فضَّل البقاء في الماضي قارئاً في دفاتره ومترحِّماً على زمن لن يعود.
وإذا كان الكاتب قد اختار لبطله ألا يكون واعياً، فإنه اختار لقارئه أن يكون مستهلكاً. وكأن للاستهلاك عدوى تنتقل من الماديات إلى ما غير الماديات، وفي مقدمتها التفكر في الحال والنقمة على المآل.
ويدلل هذا الذي نتحصله من قراءة رواية «دفاتر الورّاق» على المستوى الذي صارت الرواية العربية تنجرف نحوه بقوة، أعني اتباع ما تريده الجوائز من تصالحية مع الواقع المادي والتطامن معه استسلاماً كما نتحصل أنّ الروائي العربي يملك رؤية، لكنه منشطر الذات وقد صارت الجوائز قريناً له. أما كيف يتخلص الكاتب من هذا الاقتران، فبالصدمة التي بها يستعيد وحدة ذاته، فتعود الرواية إلى عهدها السابق تعبِّر بصوت عال، لا يعرف مهادنة ولا مماراة.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».