عن «لعنة» القراء الذين صاروا كتّاباً وشعراء

موت الخبير... أدباء ولا نقاد... وقراء بلا حدود ولا ضوابط

عن «لعنة» القراء الذين صاروا كتّاباً وشعراء
TT

عن «لعنة» القراء الذين صاروا كتّاباً وشعراء

عن «لعنة» القراء الذين صاروا كتّاباً وشعراء

يمكنني تخيُّل المشهد؛ أن يستعين صاحب البرج بكاتب قصة البرج في اقتراح تصميم مثالي للبرج ذاته. تبدو الفكرة فنتازية جداً، هي مقامرة لا يقدم عليها سوى المجانين. لكن هذا ما يحصل عندنا ببساطة. لا يبدو أننا الوحيدون في العالم بهذا الأمر؛ فعصر الشبكات، الصيغة المعدَّلة لما بعد كل شيء، وهو الراوي الأعلم الذي لا تحدَّه حدود. هذا خبير السيميائيات، وصاحب اسم الوردة إمبرتو إيكو، يشكو من تحوُّل آلاف «الحمقى» الذين يكتبون في «الفيس» و«توتير» وباقي فروع المنظومة الرقمية إلى كتاب. إنه عصر مختلف كلياً عما عشنا وعرفنا من قبل. عصر ديمقراطية الكلام والصورة والفيلم. ولا وسيط بين الكاتب – المنتج، وبين القارئ - المشاهد الذي يمكنه أن يصبح أيضاً كاتباً ومنتج أفلام متى ما أراد. لا وسيط، ولا خبير سوى الرغبة الشخصية والمعرفة البسيطة بآليات استخدام الشبكات. قبل فترة قريبة، كنت أبحث في الموسوعة الحرة العالمية (Wikipedia - ويكيبيديا) بحثاً عن معلومة ضائعة، فكانت النتيجة أن تحوَّلت هذه الموسوعة العالمية إلى أرشيف مفتوح لأسماء شبه وهمية تُنسب إليها (الغالب أن أصحابها هم من يكتب)! إنجازات لا يمكن لأمة كاملة أن تفعلها. وفي الفضائيات نجد أنفسنا أمام شباب لم يتجاوز أحدهم الثلاثين ويقدَّمون بصفتهم ملحنين كباراً ومطربين يبزون حليم وأم كلثوم.
كان أحدهم قد أشركني، بلا علم مني، بـ«كروب» على «الفيس» يهتم بنشر قصائد النثر، وكانت تظهر أمامي نصوص لأسماء أعرف بعضها، وأجهل كثيراً منها، حتى وجدتني أمام صورة جاري، وزميل سابق في الدراسة، وقد صار كاتباً مشهوراً أصدر 5 روايات، و4 مجاميع قصصية، وترجمت أعماله، كما يقول، إلى الإيطالية والفرنسية والإسبانية، فضلاً عن الإنكليزية والفرنسية. فمتى حدث كل هذا؟ وعندما يسأل المحاور جاري، كاتب الروايات، عن رأي النقد بكتاباته فإن المحاور يورد 4 آراء نقدية عن رواياته وقصصه. وتكتشف أن هؤلاء «النقاد» ليسوا سوى «فيسبوكيين» كتبوا جملاً مرتبكة، نحواً وصياغة، عن أدب المحاور. وعلى الرغم من كل هذا، فإن مالكي دور النشر يطبعون ويقبضون؛ فهم وكاتب النص من يقرر جنس المطبوع، إن كان رواية أو شعراً أو قصة. ولا خبير ولا مراجعة. قبل أيام قليلة، كتبت، على صفحتي في «الفيس»، عن جهل كتاب الرواية عندنا باللغة العربية؛ فلا جملة عربية صحيحة، ولا لغة تمثل وعي السرد وشخصياته. وليس القصد هنا فرض «خوارزميات» النحو العربي على كتاب الرواية؛ إذ إن شخصيات الروايات تختلف بوعيها ولغتها، بعضها عن بعض، ولا بد من اختلاف اللغة وتباينها، ولكن لا بد للكاتب، في الأقل، من جملة سردية صحيحة في إطار النظام اللغوي الذي يستخدمه الكاتب. قامت الدنيا، ولا بأس؛ لكن كيف تعمل دار نشر بلا خبير لغوي، أو خبير محترف بالأدب وأجناسه؟
يقول لنا؛ أغلب النصوص الإبداعية العربية الصادرة في العقدين الماضيين قد صدر بعيداً عن رأي الخبير، ولن نتحدث عن دور مفترض للمحرر أو ما يسمى في دور النشر العالمية بـ«المراجع الأدبي» الذي يأخذ على عاتقه صناعة «النص» وتجويده، قبل النشر بالطبع. فهو الجندي المجهول الذي يعيد صناعة النص الأدبي. مثل هذا «المراجع» غير موجود عندنا؛ لأنه من الصعب أن يُوجد بيننا كاتب عربي يقبل أن «يراجع» غيره نصه، فيحذف منه، أو يقدِّم ويؤخر في مواد وفقرات أو فصول نصه الإبداعي. لكنه «يقبل»، على أي حال، بأي حذف وتحرير ومراجعة تصدر عن خبير «أجنبي». بل إن لدينا كتَّاباً عرباً يقيمون في أوروبا، ويعمدون إلى ترجمة نصوصهم، ابتداء، إلى لغات عالمية، فيجري تحريرها وحذف الزوائد منها، ثم تصدر باللغة العربية، وقد يعني هذا الأمر أن الكاتب العربي لا يدرك «زوائد» نصه، فيكتشفها الخبير الأجنبي. وهذا خلل كبير يعتري جودة النص، ومن ثم جدارة الكاتب نفسه؛ فإن ما جعل «مائة عام من العزلة» الرواية العظيمة التي نعرفها هو الفصول الستة أو السبعة التي رفعها ماركيز نفسه، وهو كاتب النص. ربما لأجل هذا، يلجأ بعض الكتاب إلى إعادة كتابة نصوصهم المنشورة من قبل؛ طمعاً بالوصول إلى صيغة النص الممتاز. وفي أحيان أخرى يصحِّح الخبير الأجنبي أخطاء الناشرين وعبثهم بجنس النص، إن كان روايةً أو قصةً أو غيرهما، وهذا ما حدث مع كاتب عربي؛ عندما قال له «الأجانب»، وهم يترجمون نصه السردي، إن نصك ليس «رواية»، إنما هو أقرب إلى النص المفتوح. هو نفسه، على أي حال، من كتب هذا الكلام في مقال له بإحدى الصحف العربية.
في النهاية، لا خبير، لا ناقد يُسأل عن رأيه بالنص ويجيب. ثمة دائرة تتسع وتكبر، دائرة تختلط فيها النصوص الأدبية بغيرها، ويُعرض كلاهما على القارئ. وفي هذا مقتلة الأدب نفسه، وتضييع لقيمته بين مستهلكيه؛ فالأدب هو صناعة المحترف العارف. وفي هذا المجال ألّف العرب الكتب الضابطة لحدود الأدب، ما يدخل فيه، فرقاً عما لا يتصل ولا يختلط به. نتحدث هنا عن كتب الحماسة والمفضليات والأصمعيات، حتى كتاب طبقات الشعراء للجمحي وكتب الاختيارات، القديمة والحديثة، هي بعض من هذه الدائرة الأدبية التي يقع على خبير الأدب تحديد ما يدخل فيها وما يجب أن يخرج منها. هذه الدائرة وحدودها هي التي تسوّغ وجود قصص وروايات خارجها لا تنتمي للأدب، الرواية مثلاً. ثمة نجَّار يكتب قصته، كذلك يفعل الحدَّاد والبحَّار والمحقّق القضائي. الجميع يكتب قصته، ولا أحد منهم يدعي أنه صار أديباً، أو كاتب رواية. في رواية الشيخ والبحر، ثمة صيَّاد عجوز يعاكسه الحظ فلا تعلق بشباكه سمكة واحدة، حتى يصطاد السمكة الكبيرة فيخوض حرباً ضد سمك القرش، وهو يعود إلى الشاطئ، فلا يصل من السمكة سوى هيكلها العظمي. قد يجد المدقق آلاف القصص المشابهة حكاها أو كتبها بحارة أو صيَّادون آخرون، لكن هيمنغواي هو وحده من صاغ حكاية الشيخ والبحر بعبقرية نادرة ووضعها في قلب دائرة الرواية العالمية.
ولكن من اخترع هذه الدائرة؛ لماذا تدخل رواية هيمنغواي ولا تدخل قصص البحارة والصيادين المشابهة؟ ليس لديّ جواب سوى أنه عمل خبراء الأدب، وهم نقاده العظام؛ فلا يكفي أن يكتب الشاعر أو الروائي أو القاص أو المسرحي نصاً عظيماً، فمثل هذا النص العظيم سيضيع في زاوية معتمة من التاريخ، لكن الناقد العظيم هو من يحفظ للأدب العظيم الخالد بقاءه ودوامه.
كان هذا بعض عمل أرسطو في كتابه «البوطيقيا»، وهو عمل أي ناقد عظيم يأتي بعد أجيال أدبية مختلفة. في أدبنا العربي يجري تحقير شأن الناقد وعمله، وكثيراً ما نُظر إلى كتابات النقاد على أنها تحصيل حاصل. إنه عمل مكمل لعمل الأديب. وفي أحيان كثيرة نسمع الجملة الفجة التي تقول لنا؛ إن الناقد كاتب فاشل. وفي الحقيقة إن أدباً لا ترافقه وتزامنه، أو تأتي بعده بقليل، حركة نقدية تقف عند نصوصه وتصحح مساراته وعثراته، إنما هو دوران في دائرة مغلقة. وهو تعسف ما بعده تعسف، وشذوذ لا معنى له البتّة عما يجري في مجمل الآداب العالمية؛ لنأخذ ملحق «التايمز» الأدبي الشهير، مثلاً، فقد خصص، كما كتب قبل سنوات الشاعر فاضل السلطاني في مقال نشرته هذه الجريدة، عدداً كاملاً خُصِّص لتكريم «مراجع أدبي» عمل سنوات طويلة مراجعاً في إحدى دور النشر العالمية. الملحق كان عبارة عن شهادات كتبها مجموعة من الكتاب العالميين الحاصلين على نوبل، أحد المشاركين كتب أنه لا يستطيع، وهو الحاصل على نوبل، تخيل نفسه كاتباً من دون مساعدة ذلك المراجع الأدبي. نتحدث هنا عن مجرد «مراجع أدبي» وليس عن ناقد يصنع الكتّاب.
في العراق مثلاً يعتقد أدباء كثيرون أن الثرثرة السردية في القصة والرواية هي جوهر عملية التمثيل السردي. يخرج البطل من بيته صباحاً، هائماً على وجهه، يزج نفسه في متاهات «الباب الشرجي - الشرقي»، فيقف عند محالّ تلك المنطقة الحيوية محلاً فمحلاً، يتركها ويقصد، بلا مناسبة، البتّاوين فيستعيد أجواء الحياة الغابرة في بيوت رحل عنها أصحابها فصارت أشبه بالخرائب، إن لم تكن هي كذلك في واقعها الآن. لكننا نتفهم كثيراً، بل نستمتع بالعبارات الساحرة والمقتضبة التي تجمل حياةً كاملةً برمتها، نعثر عليها هنا أو هناك، في روايات الأسطى نجيب محفوظ. يقول لنا راوي الأسطى، وهو ينفض يده من شخصية جاء بها لأجل موقف بعينه؛ انتهى قواداً، انتهى بائعاً للخردة، وهكذا. خلاص... لا ثرثرة سردية، إنه الكاتب الخبير الذي يفتقده الأدب العربي منذ عقدين ويزيد.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».