سرديات السجن والترويع الجسدي

بولص آدم يقدم مثالاً لها في «باصات أبو غريب»

سرديات السجن والترويع الجسدي
TT

سرديات السجن والترويع الجسدي

سرديات السجن والترويع الجسدي

من بديهيات السرد والنقد أن الأمكنة عنصر مهم من عناصر العمل السردي، وهي في دراسات ما بعد الحداثة موضوع من الموضوعات الفكرية المكتنزة بالدلالة وذات الأثر العميق في الحيوات الإنسانية المختلفة مما تجلى في كتابات باشلار وكشوفات فوكو من بعده. وفي القصة القصيرة تتجلى مشاهد السرد من خلال المكان المختار مسرحاً لتجسدها، مبرزة تفاصيلها وحيثيات دلالاتها وما يتبلور عنها من معالجات جمالية.
وكلما كان المكان محدداً كان التعاطي السردي مع الأحداث وتوجيه القصص أكثر تركيزاً وعمقاً. وإذا كان السجن بوصفه مؤسسة انضباط وعقاب هو أكثر الأمكنة تمثيلاً للترويع والترهيب بسبب ما فيه من انغلاق وعزلة، فإنه أيضاً الأكثر مداً بالأفكار التي تصلح أن تكون قصصاً مكثفة بالدرامية وغنية بالرمزية. وهذا التلاؤم بين الضيق المكاني والتكثيف الدرامي إنما يناسبه جنس القصة القصيرة. ورغم ذلك، فإن استثمار السجن قصصياً كمنطلق للأحداث ما زال قليلاً إن لم نقل نادراً لدى غالبية قصاصينا.
لعل السبب يكمن فيما تتطلبه واقعية السجن من معايشة حقيقية للتفاصيل اليومية التي تجري داخل زنازينه وردهاته، حتى أن الاعتقاد ظل سائداً بأن من يكتب قصة موضوعها السجن عليه أن يخوض مرارة الحبس ويذوق ويلات الاعتقال ومآسيه، وعندها فقط يتمكن من تحويل لحظة ما إلى مادة قصصية مشوقة فنياً وذات تأثير نفسي.
بيد أن من المهم في سرديات السجن التركيز على دلالتي السجن الواقعية والرمزية اللتين بهما نعرف أن الحبس خلف القضبان هو الحياة حين تنعدم فيها مقومات العيش. ذلك أن كلاً من السجن والحياة تتهددهما سلطتان لا مفر منهما: المراقبة التي تعني المحاسبة والتلصص والتجسس، والعقاب الذي يجعل وظيفة الحبس مضادة للحياة ونقيضاً للحرية، كما يجعل الحياة مشابهة للسجن في عدوانيته التي تستبد بالأجساد وتحطمها.
لكن كيف يوفق القاص بين إحساس السارد بالمراقبة وبين ممارسته القص معاقَباً على جريمة لم يرتكبها أو ارتكبها؟ وما المكسب المتصور للسارد أن يحققه وهو يحكي عن فاعلية العقوبة عند كل من المسجونين والسجانين؟
لعل من بديهيات اتخاذ السجن موضوعاً واقعياً ومكاناً سردياً أن يكون السجين هو هذا المركز الذي حوله تدور العناصر الأخرى، فيبدو السجين مثيراً للاهتمام القصصي بينما يغدو المجرم هو العنصر الأقل إثارة لهذا الاهتمام، وتكون العبودية هي العقوبة الأكثر قسوة من الموت في حسابات المفارقة ومقتضيات العقوبة. وكلما كانت لحظات العبودية مكثفة ومتراصة صار السارد أكثر وحدة وانعزالاً في تمثيل نفسه والتعبير عن محنته وحيداً حتى أن فكرة الظفر بالحياة والنجاة من العقاب ستبدو أكثر إخافة وإزعاجاً من فكرة الموت من دون عقاب.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن لا قوانين في السجن تهدد جهازه الرقابي، فإن واقعية الترويع ستغدو متحققة في الإساءات الجسدية، لأن لا قانون يضبطها كما لا روابط في أذهان المحكوم عليهم أفراداً أو جماعات تجمع بين المعاقبة على الجريمة والإساءة للأجساد. وهو ما نجد مثاله في قصص «باصات أبو غريب» للكاتب العراقي بولص آدم والصادرة عن دار نينوى بدمشق 2021 وقد استهلت بجملة خارج قصصية أو ميتاسردية دالة تقول: «مجموعتي القصصية هذه تمثل الكتاب الثالث من واقعيتي الوحشية».
وقد تعني الوحشية أن في الواقع ما هو فوق غرائبي أو تحت عجائبي أو ربما هما معاً كنوع من توكيد حقيقة الظلم الذي يطال السجين، ولا يصبح جزءاً من هندسة المكان فحسب، بل يغدو هذا المكان خارجاً على القانون كمؤسسة ليست للإصلاح ـ كما يفترض، بل للجنوح وفيها السجين إنسان إجرامي يحتاج دوماً سلطة عقابية تعيد تنظيم ذاته بالعقوبات وتقنن سلوكه بالقواعد الإجرائية.
هذه المفارقة جسدتها قصص بولص آدم التسع وفيها المكان واحد هو السجن والأجساد الآدمية فيه تتعرض إلى إيذاء واعتداء وإهانة وكأن الحياة هي السجن الذي لا هروب منه إلا إليه، ولا مخرج منه إلا بالدوران حوله. وهذا وحده عقاب فرضه السارد على نفسه مراقباً التجاذب الجسدي بين المتضادات ورائياً كل جسد وهو ينال عقاباً لا نهائياً مقابل الفعل الذي قام به.
وهو ما واجهه السارد السجين في قصة «العنقرجي» نائباً عن المسرودات، يتحدث بلسانها ككائنات ليست آدمية لا تعرف أن تتحرك إلا بأمر السجان (كنا خلف مطبخ السجن ننتظر السجان ليعيدنا ثانية إلى الزنزانة السابعة) ص35.
وإذا كان الإنسان مجرداً عن الفعل، فذلك يعني أنه خارج آدميته، وقد نجح السارد العنقرجي في التعبير عن هذه اللاآدمية رمزياً بالكلب الذي تتكرر صورته داخل القصة (يتربع كومة قشور البطاطا على حافة المزبلة) أو(عاد السجين إلى محله وهو يشيع الكلب بأرق النظرات وأحنها... انتصب الكلب هز ذيله ونبح) أو(لا تهتم هو مجرد كلب)، أما كلمة حيوان فلفظ يشعر السارد السجين بأنه في ظروف أخف كثيراً من غيرها وأرحم.
وما بين المساجين والسجانين وشاة بسببهم تتحول ممرات السجن وحجراته إلى أياد تصفع وأفواه تشتم وآذان تتجسس وتغدو النشرة الإخبارية نشرة إجبارية وتكون فكرة البقاء في الحبس مثل رواية طويلة من الثرثرة لا بد أن تكون لها نهاية.
حتى إذا أُطلق سراح العنقرجي وأُعطي كيس الجوت الذي يحوي أشياءه تكون المفارقة أن الإفراج ليس هو الحرية فلقد شاهد السجان يأتي معه إلى كراج السيارات، وهنا يقرر السارد الذهاب إلى النهر، مخرجاً قطعة الخبز ومطعماً إياها للنوارس (أخرجت الخبز الجاف وضعته قربي انتظرت النوارس ورحت في سابع نومة) (ص 38)، وهو ما يواجهه أيضاً رحيم في قصة «حدث ذات مرة في الممر»، متصوراً السجناء مثل السردين في علب ضخمة. أما السجن فيصفه بالسينما الهندية، حيث لحظة الوصول إلى نهاية الممر لا تعني إطلاق السراح بل تعني مزيداً من الانضباط قبالة إدارة السجن. وحين أشار إليه السجان صاحب المفاتيح بالدخول إلى الزنزانة الجديدة قال رحيم: «كان الحلم وهما وتلك أقسى لحظة» (ص 42).
ومثلما أن السجون أعدت للمعاقبة (لا للإصلاح) تغدو الحياة دستوبيا من الترهيب الجماعي بصور تحفر في الذاكرة كالوشم حتى لا نكاد نميز فكرة الجريمة عن فكرة العقاب والقصاص. وهو ما تؤكده قصة «صندوق بنيامين»، حيث الحياة تلخصها الذاكرة التي هي صندوق ينبغي ألا نغامر بفتحه (كي لا نصطدم بحقيقة كونه فارغاً، وتنتهي حكاية تلك الأشياء التي نعتقد بأنها في صناديقنا) (ص 43)، ويغدو الجنون وحده حافزاً لبنيامين على الاستمرار بطقسه الجنوني مع صندوقه، وهو يغالب الآخرين على عدم فتحه، عارفاً أن الصرخة في داخله إذا انفجرت كانت لغماً.
بينما الحياة في قصة «طعنة غامضة» عراك بالسكاكين لا بد فيه من غالب طاعن. وبالفعل طعن زياد الخائن سبهان على مرأى من الحارس وبرج المراقبة. فالسجن هو الحياة ظلاماً وعنفاً وكراهيةً وحبساً حتى ما عاد هناك فرق بين أن يكون الموت في الهواء الطلق أو في سجن انفرادي.
ولأن السجن تجسيد مادي للسلطة العقابية وطريقة رقابية للسيطرة على الأجساد، تساءل ميشيل فوكو: هل السجن مدينة عقابية أو مؤسسة إكراهية؟ وأجاب أن السجن عقاب والغاية من ورائه اثنتان: الأولى إشراك الجميع بعدو اجتماعي واحد، والثانية جعل ممارسة العقاب علنية ورسمية غير مقننة بموجب التشريع بل هي استراتيجية إصلاح مهددة بالانفراط. وهو ما نجد تمثيله واضحاً في قصة «باصات أبو غريب» التي اتخذت المجموعة منها اسمها، وفيها تظهر ثلاثة فواعل: السجان والمساجين والساحة الرصاصية، الأولان يتحركان عليها بتضاد، والثالثة منضبطة بالتضاد الذي يغلب العقاب.
وبرغم محاولة الشخصيتين أنويا وسمير الحلاوي التمرد على هذا الانضباط بأن تخيلا باصات تهبط من السماء تنقل المساجين إلى بيوتهم مباشرة (اصعد أخي استعجل نفر واحد بغداد، بغداد) بيد أن الانضباط سيطر على مشهد التجمع الصباحي في الساحة. لهذا (فضل السجان إبقاء يديه دافئتين في جيبه واكتفى بالقول: اجلس يا حيوان) (ص 50) فساحة السجن ضبطت إيقاع الأحداث لوحدها مكررة مشهد التجمع مجدداً، وكأن شيئاً لم يكن.
والتهميش هو الذي يجعل الانضباط الجسدي فعالاً، تارة باقتران الجسد بالعزل في حجرة، وتارة أخرى باقتران الجسد بالحركة في الساحات والصفوف. وبهذا تتم السيطرة على الجسد المفرد كعنصر لا أهمية لوضعه وتحريكه وإعادة تنظيمه سوى الموقع الذي يشغله والفسحة التي يغطيها وضرورة أن تجري تنقلاته بانتظام وترتيب جيدين، كما في شخصية صاحب «العلاكات» ذي الاسم الحركي (تعبان) الذي خُفض حكمه من الإعدام إلى المؤبد فصار دائم الإثارة لإشاعات العفو العام وكذلك شخصية «دعير» مطرب السجن الذي كان يبكي وهو يغني وشخصية «محمود الذهبي» حائك الكيوات الذي ظل يراقب الحمامة من شق سقف السجن وهي مستغرقة في صنع عشها فراح يحترف صنع الحكايات ويكتبها لرفاق السجن، وشخصية سامر في قصة «موجات إذاعية» الذي مات في السجن ولم ينفعه تاريخ والده عامر سائق القطار الذي أنقذ مساجين كان من الممكن أن يموتوا في القطار المتوجه بهم إلى سجن السماوة.
إن هذا التهميش والتفتيش والمراقبة والإشراف وسائل تزيد من دور السجن في توجيه العقاب سواء بعزل السجين عن العالم الخارجي أو بحرمانه من الحرية، وتجعل السجن مؤسسة كاملة وصارمة ليس لها خارج كما أنها بدون ثغرة. أما الجنوح والإصلاح فتوأمان كما يقول فوكو يتكفلان بكل أوجه الفرد وحالاته كتقوية جسده واستعداده للعمل وسلوكه اليومي وموقفه الأخلاقي وكفاءاته.
ومن ثم، تكون القصة القصيرة قادرة على الإفادة مما في التاريخ الشقي للسجن من شهادات شفهية ووثائق سرية ومذكرات تسجيلية توظف كلها في سبر آفاق تاريخ سردية السجون. وهو ما قام به القاص بولص آدم ببراعة في «باصات أبو غريب».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.