جفاف أروميا أكبر بحيرات إيران يعكس مشكلة المياه المتفاقمة

الغبار المتصاعد من مجاري الأنهار الجافة رفع مستويات تلوث الهواء بشكل كبير

مياه بحيرة  أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة
مياه بحيرة أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة
TT

جفاف أروميا أكبر بحيرات إيران يعكس مشكلة المياه المتفاقمة

مياه بحيرة  أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة
مياه بحيرة أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة

بعد أن قطع بسيارته مسافة 15 دقيقة على قاع البحيرة التي كانت في وقت من الأوقات أكبر بحيرات إيران من حيث المساحة، نزل مسؤول بيئي إيراني محلي من سيارته وهو يضع يديه في جيوبه وأخذ يتجول في هدوء تلك المساحة العظيمة الجافة وكأنه يبحث عن المياه التي يعرف جيدا أنه لن يجدها.
قبل ذلك بساعة وفي يوم شتوي بارد هنا في غرب إيران، تذكر المسؤول البيئي، حامد رناغادر، أنه قبل عقد من الزمان، كانت المراكب السياحية تمخر عباب البحيرة حاملة على متنها السياح الذين يأتون بحثا عن أسراب طيور النحام (الفلامينغو) المهاجرة.
أما الآن فتبدو تلك المراكب وقد تآكلت بعد أن ربضت وسط الوحل والطين بعد أن جفت البحيرة، أما طيور النحام فقد طارت بعيدا بحثا عما تبقى من مياه في البحيرة علها تجد مظاهر الكرم عند السكان المحليين. وحسب آخر الإحصاءات التي أجراها مكتب الشؤون البيئية المحلي، لم يتبق سوى خمسة في المائة فقط من مياه البحيرة.
وتواجه إيران في الوقت الحالي مشكلة نقص مياه من المحتمل أن تكون على درجة كبيرة من الخطورة حتى أن المسؤولين يقومون حاليا بإعداد خطط طوارئ للاقتصاد في المياه في منطقة طهران الكبرى التي يقطنها نحو 22 مليون نسمة وغيرها من المدن الرئيسية في جميع أنحاء البلاد. وقد اعتبر الرئيس حسن روحاني مشكلة المياه قضية أمن قومي ووعد خلال خطاباته في المناطق، التي تضررت بشدة من نقص المياه: «بعودة المياه».
ويلقي الخبراء باللوم على تغير المناخ وممارسات الإسراف في الري واستنزاف المياه الجوفية كعوامل رئيسية في مشكلة نقص المياه المتفاقمة. وأضافوا أنه في حالة بحيرة أروميا، فإن إقامة سلسلة من السدود أدت إلى قطع مصدر رئيسي للمياه العذبة التي كانت تتدفق إلى البحيرة من الجبال التي تقع على جانبيها.
ويضيف رناغادر، بينما يركل تراب البحيرة مع كل خطوة يخطوها على قاع البحيرة، أنه «قبل بضع سنوات فقط، كان عمق المياه هنا 30 قدما». وعلى امتداد البصر، أشار رناغادر إلى بعض الأماكن – التي كانت ذات مرة عبارة عن جزر يأتي إليها السياح لقضاء العطلات في شاليهات من طابق واحد تطل على مياه البحيرة الزرقاء – أما الآن فقد صارت محاطة بتجمعات من الطين والرمل. ويضيف رناغادر بحسرة وهو متجه إلى السيارة «نحن الذين جعلناها تجف بأيدينا».
وتمتد مشاكل المياه في إيران إلى ما هو أبعد من كارثة بحيرة أروميا المالحة التي لم تكن صالحة في أي وقت للشرب أو الاستخدامات الزراعي، حيث تعاني من جفاف الكثير من البحيرات والأنهار الرئيسية الأخرى، مما يؤدي إلى خلافات حول حقوق المياه واندلاع مظاهرات وأعمال الشغب.
كما جفت أيضا أنهار رئيسية قرب أصفهان في وسط إيران، والأحواز بالقرب من الخليج العربي، وكذلك بحيرة هامون في المنطقة الحدودية مع أفغانستان. وتقول الأمم المتحدة بأن الغبار من مجاري الأنهار الجافة أدى إلى ارتفاع خطير بالفعل في مستويات تلوث الهواء في إيران، التي باتت تضم أربعا من أكثر عشر مدن تلوثا في العالم.
لكن مشكلات جفاف المسطحات المائية في إيران ليست على نفس القدر من الخطورة مثل مشكلة بحيرة أروميا، والتي كانت في وقت من الأوقات من أكبر البحيرات المالحة في العالم (يبلغ طولها 90 ميلا وعرضها نحو 35 ميلا)، وتعتبر أكبر قليلا من بحيرة سولت ليك الكبرى في ولاية يوتا. ويحذر خبراء البيئة من أن الملح الجاف يمكن أن يؤدي إلى الإضرار بالأراضي الزراعية المحيطة بالبحيرة، مما سيجعل الحياة بائسة لثلاثة ملايين نسمة يعيشون في المناطق المجاورة لها.
وعلى طول ما كان يُعرف في السابق بشاطئ البحيرة، يقبع أحد الشوارع العريضة الممتلئ بمطاعم الوجبات الخفيفة ومحلات الملابس التي تبقى شاهدة على الأيام الخوالي عندما كان الإيرانيون يأتون من مختلف أنحاء البلاد لممارسة التزلج على مياه البحيرة أو تغطية أنفسهم بطينها الأسود، والذي يقال: إنه كان يساعد في الشفاء من بعض الأمراض.
وقبل نحو عقدين من الزمن، بدأ مختار شيراغي، وهو أحد القرويين المحليين، يلاحظ انحسار مياه البحيرة. يقول شيراغي «في البداية انحسرت المياه نحو مائة متر، ثم مائتي متر. ثم بعد فترة من الوقت، لم يعد بإمكاننا رؤية خط الشاطئ». ويضيف شيراغي، بينما يقف في المقهى الخاص به والذي كان يعج بالرواد في وقت من الأوقات: «قضينا وقتا طويلا في انتظار عودة المياه، لكنها لم تعد أبدا».
ويلقي معظم الناس باللوم على عشرات السدود الكبرى التي شيدتها الحكومة، والتي تسببت في اختفاء البحيرة. فقد ساهمت تلك السدود في انخفاض كبير في تدفق المياه من 11 نهرا كانت تغذي البحيرة. ورغم طبيعتها القاحلة واحتوائها على الكثير من سلاسل الجبال، فإن هناك ميلا في إيران لبناء السدود، التي ترجع إلى عهد الشاه محمد رضا بهلوي.
وكانت قضية بناء السدود قد دخلت دائرة الضوء مجددا في عهد سلف روحاني، الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي كان مهندسا وكانت نقطة ضعفه تتمثل في هوسه بتشييد المشاريع الكبرى. كما كان للحرس الثوري الإيراني دور في تلك القضية حيث ترك العنان لذراعه الهندسية، شركة «خاتم الأنبياء» للإعمار، التي شيدت الكثير من السدود في إيران والدول المجاورة.
وعلى بعد نصف ساعة بالسيارة داخل الجبال المطلة على مدينة أروميا، يقف سد شاهشاي العملاق الذي يجمع المياه التي كانت تصل إلى البحيرة قبل بنائه. وقد جرى إنشاء السد خلال ولاية أحمدي نجاد الأولى، ويمثل السد في الوقت الحالي بحيرة ضخمة في حد ذاته يستخدمها المزارعون المحليون في ري أراضيهم.
ويقول رناغادر، بينما يرفع صوته ليبدو واضحا بين عويل الرياح التي تهب باستمرار من القمم المغطاة بالثلوج المحيطة بالبحيرة، بأن «بعض مياه بحيرة أروميا هنا» مضيفا أن «الناس هنا بحاجة إلى الماء أيضا».
ويقول رناغادر وغيره من الخبراء بأنه بالإضافة إلى إنتاج الكهرباء، التي تحتاجها البلاد بشدة، فإن الهدف من إقامة السدود هو معالجة مشكلة نقص المياه. غير أن المياه يجري إهدارها في كثير من الأحيان من خلال تقنيات الري غير الفعالة، وخاصة الري بالرش.
ويضيف رناغادر أنه خلال العقود الأخيرة، تضاعفت مساحة الأراضي الزراعية في المنطقة - التي تعتبر قلب البلاد - ثلاث مرات، في الوقت الذي يقوم فيه المزارعون بزراعة المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه مثل العنب وبنجر السكر. وقد قدر المركز، الذي يعمل به رناغادر، أن نحو 90 في المائة من المياه، التي ينبغي أن تصب في البحيرة، يجري استخدامها في الري بالرش.
وفي كتابه الذي صدر في عام 2005 والذي تحدث فيه عن تحديات الأمن القومي في إيران، قدر روحاني أن 92 في المائة من مياه إيران تُستخدم في أغراض الزراعة مقارنة بـ80 في المائة في الولايات المتحدة و90 في المائة في بعض الدول الغربية.
ويقول علي رضا سيد غوريشي، عضو في مجلس إدارة المياه المحلية، بأن المزارعين «يستخدمون كميات مياه مبالغا فيها من دون فهم أنه في مناخ بلدنا تتبخر معظم المياه بهذه الطريقة، نحن بحاجة لتثقيف المزارعين بشأن أفضل طرق الري».
كما تعرضت البحيرة لاعتداء من نوع آخر. حيث إنه جرى تقسيم الحيازات الزراعية الكبيرة إلى حيازات أصغر كجزء من اتجاه الحكومة لتشجيع الزراعة المحلية، وقد قام معظم الملاك الجدد بحفر آبار جديدة على وجه السرعة، مما أدى إلى امتصاص جزء كبير من المياه الجوفية.
ويضيف غوريشي «هناك نحو 30.000 بئر جرى حفرها بشكل قانوني، غير أنه جرى حفر مثل هذا العدد بطرق غير قانونية. ومع تناقص المياه، أخذ المزارعون يزيدون من عمق الآبار التي يحفرونها».
وقد لعب تغير المناخ، لا سيما ارتفاع درجات الحرارة، دورا رئيسيا في مشكلة جفاف المسطحات المائية في إيران. حيث تظهر الإحصاءات الرسمية أن متوسط درجات الحرارة حول بحيرة أروميا ارتفع أكثر من ثلاث درجات خلال العقد الماضي.
وكان هطول الأمطار قد أنهى فترة طويلة من الجفاف في المنطقة تواصلت على مدى عامين. لكن زيادة هطول الأمطار لم يعوض عن العوامل الأخرى التي ساهمت في جفاف البحيرة.
يقول رناغادر «إننا جميعا نتحمل المسؤولية. لقد زاد عدد السكان بشكل كبير في وقتنا هذا، والجميع يحتاج إلى المياه والكهرباء التي تولدها السدود».
وعند العودة إلى مكتبه بوزارة البيئة، بدا المسؤولون مثل الجنود الذين يتجهون إلى مهمة محكوم عليها بالفشل، حيث صاغوا ما لا يقل عن 19 خطة لإنقاذ البحيرة، منها ما هو معقول (مثل تعليم المزارعين من خلال تكنولوجيا الري الحديثة) وما هو تخيلي (مثل الاستمطار لزيادة كمية سقوط الأمطار).
ومن جانبه، قال عباس حسنبور، رئيس المكتب: «يمكننا أن نبدأ الآن». ومن خلال وجود مساعديه حوله، بما في ذلك رناغادر، قال حسنبور بأن وزارته قد أنشأت «فرق عمل ونماذج جاهزة للتنفيذ».
وفي حين أن إيران ترسل القرود إلى الفضاء لتطوير برنامج الصواريخ الخاص بها، لم توفر حكومة روحاني – التي تعاني نقص الأموال بسبب فرض العقوبات الدولية على برنامجها النووي – أي أموال لتخصيصها لجهود استعادة البحيرة.
ويقول المسؤولون بأنه حتى لو حدث ذلك، فربما يكون قد فات الأوان لإنقاذ بحيرة أروميا. ويقول أحد المسؤولين بأنه يمكن إنفاق جميع الأموال الموجودة في العالم على تطوير هذه البحيرة، بيد أن الخطط الأكثر تفاؤلا تشير إلى إمكانية استغراق هذا التطوير لعقود من الزمان بحيث يمكن أن تصل المياه إلى مستوياتها السابقة. وتوجد الكثير من المشكلات والكثير من المصالح المتضاربة التي تقف حجر عثرة في طريق إنقاذ البحيرة.
وفي حال عدم اتخاذ أي إجراء أو اتخاذ إجراءات غير كافية، ستحدث الكثير والكثير من المشكلات. وفي عامي 2010 و2011. اندلعت الاحتجاجات العنيفة في أروميا بسبب هذه البحيرة، واضطرت القوات الأمنية إلى السفر إلى هناك لاستعادة الانضباط والنظام.
وفي هذا السياق، يقول مرتضى ميرضائي، الذي يعيش في أروميا: «ليس مسموحا لنا بالتحدث بشأن البحيرة، ولكنهم يشيدون السدود، مما أدى إلى اختفاء كل شيء في الوقت الراهن». وقال مواطنون آخرون بأنهم يلقون باللائمة على المواطنين العاديين ولكن – حسبما يقول موشين راض، الذي يبيع معدات الطباعة: «الحكومة هي التي تضطلع بمسؤولية حماية البلاد وهي التي تتحمل المسؤولية عن هذا الوضع».
ويقول رناغادر، الذي نشأ وترعرع حول البحيرة، بأنه يقضي وقت الفراغ في مكافحة الصيادين غير القانونيين في التلال المحيطة بالبحيرة. ويضيف «هل تعرف ما هي المشكلة الحقيقية؟ الجميع في جميع أنحاء العالم يفكرون فقط في جمع المال. ونحن ارتكبنا نفس الخطيئة، وكانت النتيجة أن البحيرة جفت».

* خدمة «نيويورك تايمز».



مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.