«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

الأرمني «اللقيط» يروي لنا قصة «بلاده» في رواية الراحل حميد الربيعي

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع
TT

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

«جمرات يارا»... تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع

ثمة عودتان إلى مدينة الأحلام، بغداد. عودة أولى، أصلية فكر بها ونفَّذها الجد الأول لعائلة أرمينية منتصف خمسينيات القرن العشرين. وعودة لاحقة يلتزم بها جاكوبيان، الحفيد الباقي الوحيد من العائلة، بعد أن تصله رسالة إلى منفاه في باريس على جناح طير. تتصل العودتان بإشكاليات تأسيس الدولة والهوية، وتتحدد بموجبهما مصائر الجميع، وفي الطليعة منهم مصائر بغداد ذاتها وأحلامها، وحتى كوابيسها المرعبة. العودتان تتلازمان، إحداهما امتداد للأخرى، كأننا إزاء عودة واحدة بسياقين زمنيين متصلين، وهما معاً يشكلِّان مشكلة السرد الكبرى في رواية الراحل حميد الربيعي الأخيرة «جمرات يارا» (دار صفصافة: القاهرة، 2021». يقرِّر الجد، الفلاح الأرمني، بعد أن يشاهد فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق يتحدث -آنذاك- في هيئة الأمم المتحدة عن دولته التي ترعى مواطنيها المختلفين في الدين والسياسة والعقيدة، أن الجمالي يشبهه، وأن عليه أن يعود إلى أصله المفترض. ولا تختلف كثيراً عودة جاكوبيان/ ريان عن عودة جده، سوى أن الحفيد لا يعود إلى مدينة الحلم، إنما إلى مدينة يمقتها، ويعرف أنها ترفضها وتكرهه فتصفه بـ«اللقيط»، ليبحث عن قصة أصوله عبر تيمة البحث عن قبر أمه يارا الأرمنية.
تستجيب قصة الأصول المفترضة لجدل السرد وتأسيس الدولة في العراق. وهي قضية نادراً ما تنبه لها نقّاد الرواية والقصة عامة في العراق، رغم اشتباك الرواية العراقية، لا سيما ما نُشر من نصوصها بعد عام 2003، بالسرد بصفته المقولة التأسيسية المعبرة عن الدولة، وهي كذلك في أصلها عند هيغل في محاضرات التاريخ، وفي نظرية الرواية عند المنظِّر المجري جورجي لوكاش، وفي مقولة الروسي باختين عن الرواية بصفتها نصاً غير مكتمل. كانت الدراسات النقدية عندنا، وإلى حد كبير في العالم العربي، يشغلها جدل السياسي مع الخطاب الأدبي، أو التحولات الاجتماعية المتصلة بتحولات السلطة، أو صور الاستبداد أو السجن في الرواية. وفي أثناء صخب الربيع العربي، قرأنا من حين لآخر دراسات أو مقالات تقارب رواية الديكتاتور، فصار الحكام العرب ممن أسقطتهم موجة ذلك الربيع العاصف -فجأة ربما- حكاماً ديكتاتوريين، لكن من النادر أن نقرأ مقالات أو دراسات تقرأ الرواية/ السرد بصفتها مقولة تأسيسية للدولة، وأغلب ما يصلنا هو دراسات مترجمة عن لغات العالم المختلفة عما تسميه «سرد الأمة» أو «الأدب والدولة»، وهو قليل على أي حال. «جمرات يارا»، مثل روايات عراقية أخرى، تحاول أن تصل ما انقطع في هذا السياق، مما بدأه غائب طعمة فرمان، لا سيما في روايته التأسيسية الأولى «النخلة والجيران»، ورواية مجايله فؤاد التكرلي اللاحقة «الرجع البعيد»، وصولاً إلى ثلاثية عبد الخالق الركابي المعروفة. وقد نقول إن الأمر ذو جذور بعيدة تتصل بالتحول العميق في بنية الكتابة العربية، في العراق مثلاً، من مقامات الألوسي إلى الرواية الإيقاظية، وليس ختاماً بـ«قصة جلال خالد» للسيد.

قصة الأصول
تفتح الرواية نصها بمشهد مكاني لا ينتمي ولا يتصل بمدينة الأحلام: بغداد؛ إنها «تمبكتو» البعيدة، في طرف الصحراء الكبرى في شمال «مالي» الأفريقية. يقصدها «ريان»، القناع الاسمي لجاكوبيان، ليحقق لأمه رغبتها في الوقوف على أصل آلة «الخشابة» التي كان أبوه «مزهر» يعزف عليها، فترقص يارا (زوجته لاحقاً) على وقعها. المشهد برمته يمثِّل كناية مكانية عن أمرين، أو بدقة أكثر عن أصلين، ما دمنا بصدد قصة/ رواية الأصول، وهما: الأصل المكاني البعيد كذلك عن بغداد، وهي أرمينيا التي قدم منها الأب/ الجد الأول، ومات قبل أن يصل إليها؛ والثاني الأصل المنفي للحكاية برمتها، وهو يتصل بـ«دولة» و«بلد» بُنيا سريعاً من أصول اجتماعية ثقافية ودينية - أثنية مختلفة، وربما متعارضة. في حانة الأقدار بمطار بغداد، وهي كناية مكانية أخرى عن حانة سيدوري التي لجأ إليها كلكامش، نعرف أن «ريان» يعود إلى بغداد التي يكرهها بعد ثلاثة عشر عاماً من المنفى الباريسي، عاد ليعرف قدره؛ إنه الآن بصدد الدخول إلى العالم السفلي. نادلة الحانة تسقيه خمراً ليتجرع البحث عن سكرة الموت. ثم يبدأ الحكي، بعدها، أمام ملك الحانة ذي اللحية البيضاء. نعرف أن «ريان» هو ابن «كاولي/ غجري» وأمه أرمنية، فهو «لقيط» في السجلات الرسمية للدولة، لا جنسية وطنية له، ولا لأمه وأبيه، وهو يعود بجواز سفر فرنسي.
لكن هل عاد «جاكوبيان/ ريان» إلى بغداد فقط لأجل أن يبني قبراً لأمه التي لا يتذكر حتى وجهها، بعد أن سلَّمته «يارا» طفلاً صغيراً إلى الأسطى طه، لتحميه من انتقام قاتل «الراقصات» في عراق التسعينيات، غضبان الحسن؟ بعد وصوله إلى مخبأه القديم في محلة قنبر علي ببغداد، يقوده أسطى طه إلى مرقد الولي الصالح، ويشرح له فكرته عن قبر يارا المتخيل، إنه بين قبري الولي واليهودي «ذي الثعبان»، فهل انتهت القصة؟ كلا. يعرف ريّان أن القصة كلها في بئر الأسطى طه. ولا بد، إذاً، من البحث عن يارا أو مكان دفنها. لا تنتهي القصة إلا بسرد أحداثها كاملة. ولأجل هذا، يعود «اللقيط» ليروي لنا قصة بلاد لم تعترف دولتها بأهله، ولم تلتزم بكلمة وزير خارجيتها وهو يعلن للعالم أن بلاده ترعى مواطنيها بطوائفهم ودياناتهم وقومياتهم المختلفة.

رواة متعددون
يتولى سرد أحداث الرواية أربعة رواة: ريان وهند وأسطى طه ثم نجمة الحسن. ويصلنا السرد عبر ضمير الشخص الثالث غالباً، عندما لا يسرد ريّان؛ حتى الأخير نجده أحياناً ينقل لنا الأحداث عبر ضمير الغائب، وتشاركه بوظيفة الراوي المتكلم نجمة الحسن في ختام قصة يارا. لا راوي واحد كما تفترض قصة الآباء المؤسسين، إنما رواة متعدِّدون ينتمون للقصة، عاشوا أحداثها، كما قال الأسطى طه لريان وهند اللذين يسمعان الآن بالقصة وأحداثها، في الأقل هذا شأن أسطى طه ونجمة الحسن. هؤلاء الرواة الأربعة ينجحون، ويا للمفارقة، في صياغة رواية ذات تواريخ وأزمنة مختلفة متناقضة حد التضاد؛ هذه الرواية هي، باختصار، تاريخ دولة في انحطاطها وتدهورها المريع. لنأخذ عودة الجد، الفلاح الأرمني، إلى أصوله المفترضة. متى حدثت؟ لا تقول لنا الرواية تاريخاً محدَّداً، وتذكر فقط منتصف الخمسينيات، وربما الأرجح أن نتحدث عن عام 1954. لماذا هذا التاريخ بالتحديد؟ لأنه التاريخ الذي ألقى فيه فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق آنذاك، خطابه في هيئة الأمم المتحدة، وهو الخطاب ذاته الذي زرع في رأس ذلك الفلاح المعدم فكرة أن أصله من بغداد، مدينة الأنوار. وحدثت رحلة العودة بعده بعام أو يزيد. ثمَّ إن الرواية تتحدث عن تعداد سكاني في العراق، ولم ينظَّم تعداد عام في العراق طيلة عقد الخمسينيات سوى في عام 1957. تصل العائلة المكوَّنة من ثلاث بنات وغلام يافع صحبة الأب وأمهم إلى بساتين البرتقال قرب بعقوبة، ويجري حشرهم في مخيمات اللاجئين بين «شهربان» و«السعدية». تختصر يارا قصة عودة العائلة بإحدى رسائلها لريّان: إنها (أمه) قد جاءت إلى بغداد مع سبايا الآثوريين المبعدين عن سهل نينوى بعد أحداث «سميل» المعروفة. هذه الأحداث وقعت عام 1933، فكيف وصلت العائلة بعد خطاب الجمالي منتصف الخمسينيات، وكيف حُشر أفرادها في مخيمات الآثوريين؟ ريّان نفسه يحذرنا بقوله إنه ليس هناك راوٍ محدد «واحد» موثوق به لحكاية عودة العائلة إلى أصلها المفترض. ولا يتردد، وهو يروي التفاصيل، عن التشكيك بأصل الحكاية، ناقلاً عن رسائل أمه: «سنعرف لاحقاً أن نجمة الحسن هي من كانت تكتب الرسائل لريان بعد قتل يارا!». وأحياناً، تسعفه الذاكرة فيستعيد نتفاً من تلك الحكاية. فمن نصدق إذن؟ لا موثوقية، ولا تاريخ حقيقة؛ جاكوبيان نفسه، أو ريّان لاحقاً، يقول لنا إنه يستعين بالمخيلة عندما تعوزه الوقائع، فهل تصحِّح المخيلة وقائع التاريخ؟ ربما...
ثمة تاريخ واحد يتكرر بوتيرة منتظمة على امتداد فقرات الرواية، إنه الرقم ثلاثة عشر قرناً، ثلاثة عشر عاماً، ومثله إلى حد ما مدة اختباء ريان في بيت الأسطى طه، لكن هذا الانتظام لا يحاول كسر اضطراب التواريخ والأزمنة، فالاضطراب هو الأصل في كتابة السرديات الكبرى، كما تشرح لنا هند، ولنجمة الحسن، كيف أنهم يروون حكاياتهم على سطح البيت لتصعد بعدها إلى السماء، وتنتظر هناك حتى يجدها راوٍ ويصنع منها حكاية كبيرة تتولى إثارة الأسئلة الكبرى: سؤال الدولة، وسؤال الأمة، وسؤال هند التي برعت في صناعة عطر التراب، فاكتفت به في غياب ريان، وصارت تكلِّم النجوم وتستدعيها إلى فراشها على سطح دارهم. لكن سؤال الهوية يظل خاتمة متوقعة للرواية، بعد حكاية ملفقة تماثل حكاية تلفيق الهوية الوطنية التي حُرمت منها يارا ومزهر، فأدركها اللقيط ورواها.

- ناقد أكاديمي من العراق



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».