يوسف الصائغ... التركة الضائعة

خلّف مذكرات بألف صفحة ومخطوطات غير مطبوعة

يوسف الصائغ -  جميل صدقي الزهاوي
يوسف الصائغ - جميل صدقي الزهاوي
TT

يوسف الصائغ... التركة الضائعة

يوسف الصائغ -  جميل صدقي الزهاوي
يوسف الصائغ - جميل صدقي الزهاوي

ربما يكون الشاعر العراقي يوسف الصائغ أكثر حظاً من غيره من شعراء وكتاب العراق ومفكريه. نعم، هو كذلك؛ فمصير كتبه يختلف عن مصير كتب الزهاوي مثلاً، التي سلمتها عجوز كانت تستضيفه أحياناً بمنطقة الصابونية (الميدان)، وسط بغداد، لشاب وجدته يشبه صاحبها في أزمنة سابقة. فلما رفضت وزارة الثقافة، نهاية السبعينيات، تسلم مخطوطات الزهاوي من ذلك الشاب بحجة أن المخطوطة لا تعد تراثاً إلا بعد مضي مائتي عام من تأليفها، أخذها ذلك الشباب معه في رحلة التشرد هرباً من بطش النظام وقتها. وبطريقة وأخرى وصلت تلك المخطوطات لدور النشر. راوي القصة وشاهدها، د. عاصم عبد الأمير، يقول إنه كان يسمع إذاعة «مونت كارلو»، نهاية التسعينيات، ثم تصدر، فجأة، خبر ظهور مخطوطات الزهاوي نشرة الأخبار. قصة يوسف الصائغ مع كتبه مختلفة؛ فهو قد طبع كتبه في الشعر والرواية والمسرح في حياته، وحظي بسمعة كبيرة ومكانة مرموقة في الشعر والأدب العراقي والعربي عامة بسببها، مثل الزهاوي. ولا مقارنة بينهما مطلقاً سوى في المصائر التعيسة لحياتهما، أولاً، ولنتاجهما الأدبي ثانياً. لا يجد الزهاوي أحداً يترك عنده مخطوطات كتبه سوى امرأة مجهولة لا نعرف عنها أمراً يستحق الذكر سوى ما ذكره شاهد القصة الوحيد، فيما يترك يوسف الصائغ ما لم يطبعه من مخطوطات لدى راويته أثير محمد شهاب. تختلف قصة الصائغ؛ في الأقل إنه قد ترك مخطوطاته الثلاث لدى شخص معروف لدينا.
ثلاث مخطوطات سلمها يوسف الصائغ لأثير محمد شهاب عام 2002. قال له احتفظ بها عندك. المخطوطات الثلاث عبارة عن رواية بلا عنوان، ومجموعة شعرية (بلا عنوان أيضاً. وثمة من يقول إن هيثم فتح الله عزيزة قد طبع هذه المجموعة، لكن ابنة الصائغ لم تقتنع بها، فلم تُوزع) ضمنها الصائغ عدداً من قصائده غير المنشورة، وقصائد منتخبة من مجاميعه السابقة المنشورة. وهناك جزء ثالث من «الاعتراف الأخير»، وهي المخطوطة الوحيدة التي حملت عنواناً صريحاً وواضحاً لا لبس به. هل هذا كل شيء؟
يجزم لنا راويته أن القصة لم تنته بهذه المخطوطات الثلاث؛ فلديه مذكرات تقول زوجته الرابعة السيدة صباح الخفاجي إنها زادت عن ألف صفحة. ومعها مجموعة قصص موجودة عندها أيضاً. وهناك مخطوط كتاب نشر بحلقات في جريدة «الأديب» الأسبوعية، وهي بعنوان «أنا والشعر والشعراء». ولا تنتهي تركة الصائغ من دون ذكر كم كبيٍر تجاوز الألف من التخطيطات، تتعلق بموضوعات شغلت العراقيين، منها مائة وخمسون تخطيطاً عن أداة الإنارة القديمة لدى العراقيين والمعروفة بـ«اللالة»، فضلاً عن مساحة محترمة للجسد في تخطيطاته. هذه التخطيطات موزعة بين السيد هيثم فتح الله عزيزة وشقيقته «جانيت». نحن، إذن، إزاء تركة ضخمة غير منشورة، ثلاث مخطوطات موجودة وبخط الصائغ، فيما مخطوطتا المذكرات والقصص لا نعرف عنهما أمراً ذا بال، وكذلك الحال مع التخطيطات. فهل انتهى حصر التركة؟ يهز أثير محمد شهاب رافضاً هذا التصنيف والحصر الأخير لتركة الصائغ. فماذا بقي؟ لقد بقي، كما يشدد راويته، أمران. الأول، أنني لست متأكداً أن ما لدينا هو كل ما كتبه الصائغ؛ فربما أعطى لمن يثق به مخطوطات أخرى. وهذه «الأخرى» تتعلق بنسخ مختلفة من المخطوطات الثلاث. وتتصل كذلك بمخطوطات لا نعرف عنها أمراً. والثاني، أن هناك طبعات مختلفة، ربما، عن حياة الصائغ تتعارض مع ما أعرفه أنا مثلاً. فهل كان يوسف الصائغ يتعمد تضليل الآخرين؟ كلا، إنما لدى الصائغ قدرة لافتة على تقديم حياته بطرائق مختلفة، فلو قُدر لك أن تسمع رواية الفنان مقداد عبد الرضا عنه، فستجد نسخة مختلفة عن الصائغ. فكم نسخة لدينا عن الصائغ؟ يجيب راويته: ثمة نسخ كثيرة من الصائغ، ومثلها تركته ذات النسخ المتعددة.
ولكن لِم لم يدفع الصائغ هذه المخطوطات للنشر في حياته، لا سيما أنه كان شخصية ثقافية نافذة، وكانت لديه مقالات ثابتة في المجلات والصحف العراقية الصادرة آنذاك؟ لماذا تركها خلفه؟ المخطوطات الثلاث تحمل أو تحيل ضمناً إلى تواريخ بعيدة عن لحظة رحيله. الرواية مثلاً مؤرخة بتاريخ «الثلاثاء 27\5\1980»، فيما يرد في الجزء الثالث من الاعتراف الأخير ما يفيد بأنها كتبت قبل عام 1995؛ لماذا هذا التاريخ بالتحديد؟ لأن الصائغ يذكر في كتابه أستاذه بدار المعلمين العالي الدكتور صفاء خلوصي، ويدعو له بطول العمر، والمعروف أن «خلوصي» قد رحل عن دنيانا عام 1995. تبقى المجموعة الشعرية فلا تاريخ يحيل إليه سوى ما ذكره أثير محمد شهاب؛ إنه قد تسلمها منه عام 2002. فلماذا أحجم الصائغ، إذن، عن نشر ما لدينا الآن من مخطوطات كتبه في حياته؟ وقد يكون السؤال أكثر تراجيدية عندما نسأل عن مغزى أن يترك الصائغ مصير كتبه غير المطبوعة بيد غيره؟
ربما نجد بعض الإجابة في مخطوطة الرواية؛ فهي بلا عنوان، وليس لدي تفسير مقنع لتغييب العنوان سوى أن الصائغ ربما كان يتحرج من عنوان ذي طبيعة إشهارية تفرض على روايته تأويلاً مسبقاً. هل هذا كل شيء؟ كلا، فمن يقرأ الرواية يجد أنها تقع في خطأ فادح لا يصدر مطلقاً من كاتب وشاعر مثل يوسف الصائغ. يتعلق هذا الخطأ بالتسلسل الزمني لأحداث الرواية، نتحدث عن حوار جرى بين ضياء وهيام، ثم يرد ذكر طفل ضياء وسلوى «سمير»، ثم نعرف أن «سمير» قد ولد لاحقاً على حدث اللقاء بين ضياء وهيام. فكيف يقع الصائغ بهذا الخطأ؟ كيف لرواية تمكث عنده اثنين وعشرين عاماً، ولا يعود إليها مصححاً؟ هل هناك نسخة أخرى من الرواية جرى فيها تصحيح هذا الخطأ، وهذا ما يفترضه راويته أثير محمد شهاب، ويضيف: «لقد اختفت الرواية عندما سلمها لأحدهم، وهو يطلب منه نشرها، وضاع عنوان الشخص، واختفت الرواية، وذات يوم وجد الصائغ المخطوطة».
نبقى في سياق الرواية، أو ما سماه الصائغ نفسه «رواية»، فهي أقرب إلى الحوارية منها إلى الرواية بالمعنى الذي اعتمده الصائغ نفسه في كتابة رواياته الثلاث المطبوعة في حياته «اللعبة والمسافة والسرداب 2». فهل كان عدم قناعته بمستوى «الرواية» وراء عدم نشرها وبقائها مخطوطة طيلة عقدين كاملين ويزيد؟
ربما، لكنني أعتقد أن «الرواية» تعيد تأويل مشكلة الصائغ السياسية. كيف؟ تكرر الرواية التيمات الرئيسة في أدب الصائغ كله: الضحية، والخيانة، والاعتراف، وإلى حد ما إشكالية المسيحي الذي يصبح مسلماً ليتزوج ممن يحب «لم يكن الصائغ متديناً، ولم يشكل الدين عنده قضية كبيرة، ولم يضيره مطلقاً أن يتزوج من مسلمتين، وقد يعني هذا الأمر أنه صار مسلماً؛ بحكم القوانين النافذة في هذه القضية». تتمركز الرواية حول خيانة ضياء لزوجته سلوى مع صديقتها هيام. تعيد الرواية توظيف الخيانة الزوجية فتعطيها بعداً ومعنى يتصل بزمن كتابة الرواية عام 1980 المنفتح على علاقة الصائغ بالحزب الشيوعي العراقي، وما ترتب على صعود الديكتاتور وتصفية الشيوعيين. من يقرأ مخطوطة «الرواية» سيجد أن أقرب شخصيات الرواية إلى الصائغ هي «سلوى» التي يخونها الجميع زوجها وصديقتها، فتجد نفسها في مشكلة كبرى؛ فلا هي قادرة على الانفصال عن زوجها، ولا هي قادرة على مواصلة الحياة معه كما لو أن شيئاً لم يقع. تنتهي الرواية بسؤال ضياء المقتضب لزوجته، رداً على رغبتها بالانتقام لكرامتها بقولها إن من حقها كذلك أن تخونه: «وستخوينني؟»، فتجيبه سلوى «كلا... كيف يخيل لك أني يمكن أن أخونك... إنني أحبك يا ضياء... إنني أحبك والمحبون لا يخونون...». هل أريد القول إن مخطوطة «الرواية» تقدم قراءة مختلفة لمقال الصائغ الشهير «مقدمة لقصيدة عن حب فاشل»، التي أعلن فيها انفصاله عن الحزب الشيوعي الراقي، مع أن مخطوطة الرواية كتبت قبل المقال بثلاثة أعوام؟ نعم، أزعم أن الأمر كذلك.
المخطوطات الثلاث المكتوبة بخط الصائغ هي الآن بعهدة علي وجيه، بعد أن سلمها أثير محمد شهاب له، ووجيه هو من سيتولى طباعتها، بعد موافقة عائلة الصائغ، فما وصلني منها مجرد نسخ مطبوعة على الحاسبة. ولو قدر لي أن أكون صاحب قرار فيما يخص نشر هذه المخطوطات، فإنني سأحجب مخطوطة «الرواية» عن النشر، وأتركها في مكان يسمح للباحثين بقراءتها أو العودة إليها؛ فهي لا تقدم إضافة حقيقية لأدب الصائغ، إنما تضيء حقبة مهمة من حياته يجري تأويلها اعتماداً على ما كتبه الصائغ نفسه في ظروف ملتبسة جداً، ثم ما كتبه من سماهم روايته «إخوة يوسف» عنه، لا سيما بعد رحيله. تنسجم هذه الرغبة مع عدم وجود وصية خاصة من الصائغ لراويته أو غيره بنشر مخطوطاته. سألت أثير محمد شهاب: هل أوصاك الصائغ بنشر مخطوطاته؟ أجاب: لا، لكنه لو كان حياً لما اعترض. ولم يقل إن ماكس برود، القائم على تنفيذ وصية كافكا، قد فعل خيراً عندما لم يحقق رغبة صديقه بحرق كتبه. ثم أضاف: سيكون الصائغ سعيداً في قبره بعد نشر المخطوطات. وكدت لحظتها أن أعقب على جملته الأخيرة: نعم، يشعر الزهاوي بالامتنان لوفاء صاحبته له؛ فقد حفظت تراثه، وهو ما تنكرت له دولة كاملة بمؤسستها المختلفة.

* أكاديمي وناقد عراقي



مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».