حين ينسحب الشعراء من المسرح

عشرات من الأسماء بدأت بالكتابة لكنها ذوت فجأة

رشيد ياسين - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد - رحيم العكيلي
رشيد ياسين - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد - رحيم العكيلي
TT

حين ينسحب الشعراء من المسرح

رشيد ياسين - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد - رحيم العكيلي
رشيد ياسين - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد - رحيم العكيلي

يُروى أن أبا العلاء المعري كان له مجلسٌ أدبي في بغداد، يرتاده مئات الشعراء، وكل شاعر يتأبط ديوانه، ولكنما بعد سنوات طويلة لم تستطع الذاكرة الشعرية أن تحتفظ بشاعرٍ واحد من هذا المجلس، وبقي المعري وحده فيه، حيث لم يكن بمقدور غربال الزمن أن يغربل شعر المعري، أو اسمه، أو قلقه، فيسقط منسياً، إنما بقي على عناد الذاكرة الشعرية الصعبة، وقبل المعري هناك المتنبي العظيم، الذي يُروى أيضاً أن مجلس سيف الدولة الحمداني كان يغص بالشعراء، فالعشرات والمئات منهم كانوا يموجون ويروجون في مجلسه، ولكن بعد سنوات لم يبق غير المتنبي راسخاً في وجدان الذاكرة، وطرياً حتى هذه اللحظة.
إن هناك نماذج كثيرة في خارطة الشعر العربي تُشبه هذين النموذجين في البقاء والخلود ومقاومتهم للزمن، وبهذا المدخل أردت الحديث عن الشعرية العراقية، ومدى إمكانية الشعراء في الصمود والبقاء في محنة الشعر، منذ النصف الثاني من القرن العشرين على أقل تحديد، وظهور فكرة الأجيال الشعرية وصراعات الحداثة والتجاوز، فقد تخبرنا سرديات الأدب من خلال تفوهات الشعراء، ومن خلال المدونات الموجودة لدينا، ولدى كثيرين أن أعداداً كبيرة وكثيرة من الشعراء تظهر في كل حقبة زمنية، وتستمر لسنوات بسيطة، ولكنها تختفي فيما بعد، وما يتبقى من هذه الحقبة أو الجيل الشعري إلا شعراء لا يتجاوزون أصابع اليد، أو اليدين على أكبر تقدير، هذا الكلام أسوقه بعد أن جمعتني بالقاضي رحيم العكيلي سهرة مع أصدقاء مثقفين، فقرأنا شعراً، فيما سمعنا قصيدة لرحيم العكيلي، فاستغربنا أن القاضي الحاد الملامح، والصارم، كان يكتب شعراً، وشعراً حديثاً معتمداً التفعيلة، وفيه مستوى رائع من النضج، فقلتُ له متى كتبتَ هذه القصيدة؟ فقال في عام 1986 أيام دراسته القانون، ومن بعدها أخذته الدراسة، ومن ثم إكماله الدراسة في معهد القضاء العالي، وكذلك العمل في هذا السلك القضائي، فنسي، أو تناسى الشعر، لتأخذه الحياة إلى مسلك آخر بعيد كل البعد عن الشعر.
ماذا لو استمر رحيم العكيلي في كتابة الشعر؟ هل سنربحه شاعراً جيداً ونخسره قاضياً عادلاً؟ أم أن بقاءه في القضاء أفضل للعدالة من بقائه في الشعر؟ والسؤال الذي بقي يراودني كيف يستطيع الشاعر أن يقتل شيطان الشعر الصغير الذي ولد معه، واقترن به في لحظة من اللحظات؟ كيف يتخلى الشاعر عن كم الموسيقى التي تحتل رأسه في الليل والنهار؟ وكيف يمكن للقصيدة أن تنسحب بهدوء دون أن تثير ضجة حولها أو تصرخ عالياً حين يسحبونها من روح الشاعر، وإلى أين ستذهب هذه القصيدة؟ وكأنها جنين يُجهض في الليل، هذه الطريقة في التعامل مع الشعر ذكرتني بسلالة الشعر العراقي وحقبه الكثيرة، فقد ذكر لنا مرة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد أن السياب جاء به إلى المقهى وكان ذلك بداية الخمسينيات، وقد كان من ضمن الشعراء الجالسين في المقهى رشيد ياسين وكاظم جواد، حيث عرف السياب بعبد الرزاق، إذ لم يكن معروفاً ككاظم أو رشيد، وطلبوا منه أن يقرأ شعراً، يقول عبد الرزاق إن الجالسين لم يتفاعلوا معي، وكان رشيد ياسين أكثرهم خشونة معي، ولكن بعد سنوات خمس أصدر عبد الرزاق ديوانين وعُرف في الأوساط الشعرية كشاعرٍ مكرس، وأصبح صديقاً حميماً لـرشيد ياسين، يقول عبد الرزاق إنهما كانا يتمشيان هو ورشيد على جسر الأحرار ببغداد، فقال له رشيد: تذكر يا عبد الرزاق يوم جاء بك السياب إلى المقهى قبل سنوات، وقرأتَ لنا شعراً، بعدها غادرت، كنتُ أقول للجميع إن هذا الشخص كان عليه أن يشتغل «قصاباً» أولى به من كتابة الشعر، لأنه لا يصلح أن يكون شاعراً، فضحك عبد الرزاق وقال لرشيد ياسين كما روى لنا عبد الرزاق: «كنتُ أركض فلا أراكم، أسرعتُ من ركضي فرأيتُ غبار خيولكم، وبعد أشهر بدأتُ أراكم بشكل جيد، ومرتْ سنتان، فإذا بي أركض معكم في نفس المضمار، أما الآن فإني ألتفتُ خلفي، فلا أرى أحداً منكم»، يقول عبد الرزاق ما إنْ أكملتُ جملتي الأخيرة حتى أمسك بي رشيد ياسين وأقسم أن يرميني من على جسر الأحرار بنهر دجلة، لولا تمسكي بالسياج الحديدي للجسر. وبالفعل استطاع عبد الرزاق أن يستمر شعرياً فيما اختفى صوت رشيد ياسين، وليس له تأثير بمجمل الشعرية العراقية رغم وعيه العالية وثقافته الموسوعية، وكذلك كاظم جواد، الصوت المثقف في جيله الخمسيني، الذي يصفه السياب بأنه سيكون من أكبر الشعراء، ولكنه للأسف لم يستطع أن يواصل المشوار، واكتفى بمجموعة شعرية واحدة (من أغاني الحرية) فيما كان صوته الأعلى بين أبناء جيله، شاعراً ومترجماً ومثقفاً.
إن أمثال كاظم جواد العشرات من الأسماء الشعرية التي تظهر في بداية حركة أي جيل، حيث يُعرفون على نطاق واسع، ولهم حضور فاعل في الوسط، وفي كتابة الشعر، ونشره، ولكن يبدو أن لهم صلاحية محددة تنتهي بسنوات قليلة جداً، رغم أن البعض منهم يمتلك موهبة ممتازة، وربما هناك أسباب موضوعية تمنع الشاعر من التواصل، كالسجن أو النفي، خصوصاً في فترة الصراعات الآيديولوجية، وتكميم الرأي، والبعض منهم من أكلته الحروب، وأنهكته الحياة، وهناك من أخذته متاعب الأيام فسلك طرقاً أخرى، وترك الشعر وراء ظهره، والبعض منهم عُرفوا بتوقيعهم على بيانات شعرية تدعو لحداثة القصيدة، كما حدث مع عبد الحسين صنكور، الذي اختفى اسمه شعرياً من الوسط الثقافي، فيما بقي توقيعه حياً على بيان القصيدة اليومية، فكيف من كان مهموماً بتحديث القصيدة أن يكتفي بالتلصص على التجارب الشعرية من بعيد وينظر لها وهي تتفتح دون أن تكون له يدٌ بسقي بعض منها، فأين يختفي ذلك الشغف من روح الشاعر في الكتابة؟ أو الحضور في مهرجان؟ أو السفر من بلد إلى بلد آخر لقراءة قصيدة واحدة؟
إن هذه الظاهرة تنتشر في معظم الأجيال والحقب الشعرية، أما جيلنا التسعيني فتبدو عليه بشكل واضح ربما لمعرفتنا المباشرة بالأسماء الشعرية، لأن هناك العشرات من الأسماء التي بدأت بالكتابة أوائل التسعينيات، وانهمكت بالشعر كثيراً، وبالكتابة، واللقاءات، والنشر، والمهرجانات، ولكنها فجأة تذوي (كما تذوي الزنابق في التراب) كما يقول عبد الوهاب البياتي، فمثلاً كان الشاعر عباس دعدوش واحداً من بين أكثر أبناء جيلنا ــ وهو يكبرنا بعشر سنوات تقريباً ــ ولكننا كنا معاً، وهو دائم الحركة والقراءة، وله علاقات مع كبار الشعراء في البلد، وطبع على ما أذكر عملاً واحداً، ولكنه اختفى فجأة من الشعر، وحين نسأل عنه يقولون إنه ترك الشعر نهائياً، أين ذهب صخب عباس دعدوش وجنونه؟ ومثله كثيرون من أبناء جيلنا كالشاعر علي محمد سعيد الذي بدأ شاعراً وانتهى مخرجاً أو عباس فاضل عبد الذي أخذه الإخراج والتلفزيون أيضاً، وكذلك الشاعر الطبيب فائز يعقوب الحمداني الذي كان شغوفاً بالشعر، ولكنه الآن مختفٍ تماماً عنه، وعن تجمعاته، ونشره، وكذلك كان معنا شاعر آخر، نصف صعلوك أحببنا فيه روحه، وتمرده، وشقاوته، وحين قرأ لنا بعضاً من نصوصه انبهرنا به وبها، فهو يقول قبل أكثر من عشرين عاماً:
منفي فيك
صيرتُ دماءك فردوساً
وزرعتُ الروح شبابيك
لم نصدق أن يخرج هذا الشعر من هذا الصعلوك، وهو بأعلى مناسيب العذوبة والحزن، إنه واثق البيك، الاسم الذي كنا نتوقع أن يكون نجماً في سماء الشعرية العراقية، ولكنه انسحب بعد سنوات قليلة، ولم يطبع أي عمل، واتجه للجامعة، ليكمل دراسته في علم الاجتماع، فأكلته الأكاديمية، وسحبت الوظيفة أقدامه، فروضت ذلك الصعلوك المتمرد وأطفأت قنديل الشعر في روحه، وحين نلتقي ــ بعض المرات ــ في المقاهي، ليس لنا حديثٌ معه إلا السؤال الأزلي: أين ذهب ذلك الشغف بالشعر؟ فيجيبنا بالضحك أو الندم أو الصمت.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.