«نظرية الحمص»... لمسات وهوية مختلفة لاختصاصية تغذية

مدوَّنة تقدم لذائذ المطبخ الفلسطيني التقليدي بطرقٍ صحية

TT

«نظرية الحمص»... لمسات وهوية مختلفة لاختصاصية تغذية

زعتر أو بيستو بدلاً من الصلصات الدسمة، وخضراوات لا تُستخدم عادةً في السلاطات، وريحان طازج يؤنس الأطباق، ذلك بعضٌ مما تجرّبه ديالا شاهين التي تضيف بكل حماسٍ العدس إلى السلاطة مع أن الفلسطينيين اعتادوا في تراثهم على طهيه إما في الحساء أو في المجدرة.
وترتجل اختصاصية التغذية في إجراء تعديلٍ كاملٍ على الفريكة، أحد المكونات المشهورة في المطبخ الفلسطيني والتي تُحضر كشوربة في أيام الشتاء، طاهيةً منها أكلة كريمية مليئة بالنكهات، وفي نهارات مليئة بالحب تعجن فطائر السبانخ كاملة القمح وتقدم إلى جانبها سلاطة الكينوا الفلاحية أو سلاطة البرغل مع قوس قزح الخضراوات.
تنفتح شهيتها أكثر في أيام الجُمع لتحضير الفطور الفلسطيني المعروف بغموساته، راسمةً من مكونات محلية مغذية لوحة ألوان في صحون الخزف الزرقاء المزخرفة؛ مزدانة بالشكشوكة وقلاية البندورة والحمص والفول ومناقيش الزعتر؛ واللبنة مع الجوز والتين.
ولا يقاوم محبو «البرغر التقليدي» برغر ديالا النباتي، محتفيةً بمقاديره «الفلافل والفليفلة الحمراء المشوية مع الجبنة النابلسية البيضاء والبقدونس والرمان»، وتبدو لذيذة قوارب الباذنجان البيتري -نسبة إلى قرية بيتر في بيت لحم- المشوية مع صلصة الطحينة، لقد نجحت في تغيير المفهوم النمطي للطبق الصحي والذي يمكن أن يتجاوز ما هو أبعد من سلاطة وصدر دجاج مشوي، حسب قولها.
ديالا شابة خَليلية تخرجت في جامعة بريتيش كولومبيا في كندا «تخصص تغذية وصحة»، اختارت اسما جذاباً لمدونتها «نظرية الحمص» التي تخاطب فيها منذ ثلاثة أعوام باللغتين العربية والإنجليزية المجتمع المحلي والعالمي على حدٍّ سواء.
لا رتابة في أسلوب العرض، فوميض القصة والصورة له إشراقة محببة عند حديثها عن أطباق صحية ومحّدثة ذات جذور فلسطينية تقليدية تحضرّها بطريقة بسيطة وعملية لتجذب فئة الشباب بما يتماشى مع إرشادات التغذية الصحية، ضمن توليفة تختصر الطعام والثقافة والفن والعادات والتقاليد والتاريخ تطبخها جميعاً على نارٍ هادئة، آملةً من وراء هذا الجهد أن تغدو مدونتها دليلاً نافعاً لجيل الشباب.
ديالا في حديثها مع «الشرق الأوسط» أبدت اعتزازها بالمطبخ الفلسطيني الذي تراه واحداً من أغنى مطابخ العالم بالمكونات الصحية سيما مصادر البروتين النباتية مثل البقوليات التي لا غنى عنها كالعدس والحمص والفول، ويُعد محظوظاً بزيت الزيتون والدهون الصحية والخضراوات والفواكه والأعشاب واللحوم والتي تشكّل جمعاء منه نظاماً غذائياً مثالياً.
«هل من السهل على المرء أن يتخذ قراراً بالسير على نظامٍ صحي؟»... عاشقة «الحمص الحَب والطحينية»؛ الحمص الذي ألهمها باسم مدونتها ثائرة على أي محاولة لسرقته وتهويده من قِبل (إسرائيل)، تجيب عن سؤالي بالقول: «لا بد من توفر إرادة ونية للتغيير، ومن الضرورة بمكان الاقتناع بأهمية بناء علاقة صحية بين الأسرة والطعام والأخذ بزمام المبادرة لتغيير بعض عادات الطهي في ظل توفر وصفات صحية سهلة التطبيق، أعلم أنها ليست بخطوة سهلة وتتطلب وقتاً ومعرفة كافية، فأحياناً نظن أن عاداتنا صحية في حين أنها تكون بخلاف ذلك بسبب المعلومات المغلوطة المتداولة في موضوع التغذية».
- مسخّن للأحباب
في أثناء دراستها في كندا وبعد أن صارت ديالا تعيش بمفردها اكتشفت شغفها بالطهي ثم أخذت بنهم تتابع وصفات الطهاة وتنضم لحصص طبخ إن سنحَت الفرصة، وفي تلك الفترة لاحظت أن الكثيرين لا يعرفون عن الشعب الفلسطيني وثقافته ويتساءلون حول ذلك، ثم ظهرت أمامها فجوة أخرى تكمن في عدم معرفة المجتمع العربي نفسه بمكونات المطبخ التقليدي وعظم قيمتها الصحية، مما ولّد رغبة ملحّة لديها للكشف عن كنوز الأطباق الشعبية وإبراز ما تحويه من عناصر غذائية، معقبة بالقول: «يحزنني ابتعاد الأجيال الجديدة عن المطبخ الفلسطيني واستبدال الأطعمة الجاهزة والدهون غير الصحية به».
وتضيف: «متى سندرك أن الطبق الصحي لا يعني مكونات من المستحيل إيجادها أو التنازل عن الطعم والرائحة أو الحرمان من الطعام المفضل؟ طبق صحي يعني تغييرات صغيرة وبدائل بسيطة مع تحديد الكميات».
ولأجل طبق متوازن تنصح بملء نصف الطبق بالخضراوات الطازجة «أقل من مطبوخة» وأن يحتوي النصف الآخر على نوع من الكربوهيدرات المعقدة مثل الفريكة والبرغل والباستا كاملة القمح والأرز البني والبطاطا الحلوة، وبعضاً من البروتين عالي الجودة على أن يكون النباتي منه مرتين أسبوعياً على الأقل، ونصيحتها الدائمة: «تأكدوا من إضافة خضراوات أو فواكه طازجة قدر الإمكان، وتجبنوا الإضافات عالية السعرات مثل الصلصات والتتبيلات».
تميل ديالا كثيراً إلى استخدام البقوليات مثل العدس والحمص والفول، وكذلك إلى المكونات المتوسطية مثل جبنة الفيتا والبندورة المجففة والريحان، بالإضافة إلى البهارات مثل الزعتر والسماق، كلها تمنح نكهة طيبة وتحقق التوازن المطلوب، تبعاً لقولها، أما الحمص فإنها لا تتردد في تناوله مع أي طبق وأياً كان موعد الوجبة، ولا تملّ أبداً من تحضيره بنكهات وأطباق جديدة، وبالنظر إلى الفلافل فإنها قدمته بطرقٍ مختلفة وفي جميعها كان مشوياً.
«إذا حدا بحبك كتير بحضرلك مسخن» لا يختلف اثنان على ذلك، لذا سارعت الشابة الفلسطينية إلى تحضير المسخن بطريقة صحية تتحكم بموجبها في كمية زيت الزيتون، وتحلّ هنا صدور الدجاج بدلاً من الأفخاذ مع السماق والبصل و«خبز شراك» وإلى جانبه اللبن أو السلاطة الملونة، وبطبيعة الحال نال «مسخنها» إعجاب الكثيرين، فيما قدّمت الشاورما على هيئة سلاطة وتحكمت فيها بمقدار الزيت والبهارات، وقلّلت في المخبوزات من السكر والزبدة.
وتحاول لفت الانتباه إلى التنوع؛ فبدلاً من التركيز على الدجاج واللحوم الحمراء تتجه إلى تقديم الأسماك بطرق سهلة وصحية، ولا تَغفل عن تحضير وجبات رئيسة مشبعة تعتمد على مصادر البروتين النباتية، آخذة في الحسبان الحلويات التقليدية مثل مهلبية البرتقال.
إذن من الواضح أن تطوير الوصفات يكلفها الكثير من الوقت والجهد بما تقدره بخمس ساعات يومياً يتخللها تصوير وكتابة ونشر في وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك لا تشعر بأي تعب لأنها أولاً وأخيراً تستمتع باستحداث بدائل تحتاج إليها شخصياً ومن ثم تشاركها مع الناس.
- ببساطة وذكاء وحب
تنقل ديالا لمتابعيها أجواء يومياتها في أسواق مدينة رام الله التي تجولها بصحبة والدها لتنعم بفرحة صغيرة عندما تشم رائحة الخُضرة البلدية، ويوماً بعد آخر يزيد التفاعل معها بشكلٍ يفوق التوقعات، بعد أن تعرضت في البداية لانتقادات إزاء تغييرها في بعض الوصفات، في حين يجهل كثر أن المكونات التي تدخلها إنما هي من صميم المطبخ التقليدي ولكن يندر استخدامها الآن - والكلام لها.
تختار بحسٍّ جريء وخطى مدروسة أطعمة يفضلها الناس وتصحّح مفاهيم لم يكونوا على دراية بكنهها، فالذين غرقوا في سيل المعلومات المتناثرة هنا وهناك؛ وجدوا دليلاً سهلاً وواضحاً في «نظرية الحمص» وصار بوسعهم تحضير الطعام الصحي والالتزام به.
وعلى نحو لطيف تخص بعض الأطباق بأسماء طريفة مثل «ماما غنوج» الذي راق لها عندما تناولته في أحد المطاعم «بس هون رح تلاقي بابا غنوج بطريقة غير اعتيادية ومع قرمشة أكتر»، تقول ديالا، وبعيداً عن الترويج تزاول في مدونتها نشاطاً جميلاً بترشيح مطاعم ومخابز فلسطينية تقدم خيارات صحية، منها ما يوفر الخبز كامل القمح وخالياً من الغلوتين، ومخبوزاتٍ بلا سكر، قائلة: «أحب زيارة المطاعم التي تطهو كل شيء ببساطة وبذكاء وحب زي البيت بالظبط».
مشاعر الامتنان تغمر قلبها لأن المدونة فتحت لمستقبلها آفاقاً أرحب ضمن النظام الغذائي الطبيعي، من دون التسمرّ أمام المفاهيم العلمية الجامدة التي لا يتجاوزها بعض اختصاصيي التغذية. تخبرني بارتياح أنه تسنى لها في وقت باكر البدء بصنع هويتها الخاصة من خلال تقديم طرق سليمة وعصرية وسهلة وجاذبة للعين والاهتمام.
وتحدثني عن أنشطتها في هذا الصدد: «أحاول أحياناً الدمج بين المطبخ الفلسطيني والمطابخ العالمية حتى ألفت الأنظار إلى وجود مطبخنا وتنوعه، على سبيل المثال طبق الفاهيتا المكسيكي قدمته مع خبز الصاج والحمص».
تطوير لائحة الطعام الصحي لدى المطاعم الراغبة من بين أعمالها، وكذلك تنظيم دورات مجانية للأطفال ما بين حينٍ وآخر ليقينها أن تدفق المعلومات له فوائد أكبر عندما يأتي في عمر صغير، ومما يصقل خبرتها العمل في عيادة مع أطفالٍ لديهم صعوبات سيكولوجية وتغذوية، فمثلاً مرضى الصرع منهم توصي أمهاتهم باتباع نظامٍ يعتمد على الخضار والفواكه والحبوب الكاملة واللحوم قليلة الدهون.
عائلة ديالا تُعد مصدرها الأول الذي تستند إليه في وصفاتها، وأي حيوية تسري في عروق يديها حين تطبخ «المِدردرة» التي تعلّمتها من «خالتها مها»! واصفة إياها بالنسخة الصحية لوصفة المجدرة إذ تستبدل بالأرز البرغل في هذا الطبق المغذي الخضري والذي يدفئ القلب ويجمع العائلة حول «الطنجرة» وفق تعبيرها، فالبرغل يحتوي على فيتامينات ومعادن وألياف أكثر وسعرات أقل، لتسجلّ هدفاً في شِباك مرمى المثل القائل «العزّ للرز والبرغل شنق حاله».
تسعى هذه الفتاة بجِد إلى أن تصبح مدونتها مرجعاً ميسراً عند المجتمعات عامة؛ والشباب على وجه الخصوص لإعداد أطعمة أصيلة قادرة على تفادي أمراض مهمة مثل السمنة والسكري، أما الشق الثاني من رسالة المدونة فتقول بشأنه في ختام الحديث: «أتمنى أن تشبع (نظرية الحمص) شيئاً من فضول المهتمين خارج فلسطين للاطلاع على ثقافة وتاريخ وتراث شعب يُفتخر به، إيماني قوي بأن التغذية لغة عالمية يتوجب علينا استثمارها لإظهار جوهر حضارتنا، فالغذاء والفنون جنباً إلى جنب لغة مدهشة تملك إمكانية الوصول إلى البشرية».


مقالات ذات صلة

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

مذاقات من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

تفاجئ مدينة فيينا الساحرة بالتاريخ، والثقافة، والموسيقى والعمارة، والطبيعة الخلابة زوارها هذا العام من خلال إبراز جانب آخر يتمثل في مشهد الطهي المتجدد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
مذاقات سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

من الصعب إيجاد مطعم يقدم أطباقاً عصرية وراقية ولكن في أجواء بسيطة، فالمعروف عن المطاعم التي تقدم مأكولات شبيهة باللوحات الفنية ونكهات تضاهي المطاعم المكللة...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات هونغ كونغ ترسخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا

هونغ كونغ ترسخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا

تواصل هونغ كونغ ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا، فكشف دليل ميشلان عن أحدث قائمة للمطاعم المختارة في حمل اسم «ميشلان هونغ كونغ وماكاو 2026»

«الشرق الأوسط» (لندن)

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)


«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
TT

«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

تفاجئ مدينة فيينا الساحرة بالتاريخ، والثقافة، والموسيقى والعمارة، والطبيعة الخلابة زوارها هذا العام من خلال إبراز جانب آخر يتمثل في مشهد الطهي المتجدد. فمن خلال حملة فيينا بايتس «Vienna Bites»، تدعو العاصمة النمساوية الزوار لاكتشاف مطاعمها التي تكرّم التقاليد، وتحتفي بروح الأصالة.

غالباً ما يُختصر المطبخ الفييني في أشهر رموزه، مثل الشنيتزل، والشترودل، ولا شك أن لهما مكانتهما. غير أن هذه الأطباق تشكّل جزءاً من تجربة أوسع، وأكثر ثراءً. فمن 18 مطعماً حائزاً على نجمة ميشلان، إلى أحياء البيسلن الدافئة (البيسترو النمساوي)، وصولاً إلى أكشاك النقانق، وثقافة المقاهي المدرجة على قائمة اليونيسكو، تقدّم فيينا مشهد طهي متكاملاً يعكس عمقها، وتنوعها، ويرسّخ مكانتها كوجهة عالمية لعشّاق الطعام.

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

تعتمد هذه المدينة نهجاً مستقلاً في صياغة مشهد الطهي فيها، بعيداً عن اتباع الاتجاهات العالمية، مع تركيز واضح على إبراز هويتها الخاصة بثقة، ووضوح. وتفتخر فيينا بتفرّدها، حيث يشكّل الابتكار جزءاً أصيلاً من تجربتها. وفي عام 2026، تتجلى هذه الهوية كمنظومة متكاملة تعكس عمق المدينة، وتطوّرها، مقدّمة تجربة تتوجّه بشكل مباشر إلى مسافري دول مجلس التعاون الخليجي الباحثين عن آفاق جديدة، وتجارب طعام متجددة.

تشتهر فيينا بمطاعمها ومقاهيها التاريخية (الشرق الأوسط)

تحتضن فيينا مشهد طهي متنوعاً يضم نخبة من المطاعم الراقية، من بينها مطعم جلاسينغ آت ذا اماريوس الحاصل حديثاً على نجمة ميشلان، والذي يقدّم تجربة أنيقة تعكس روح الضيافة الفاخرة في المدينة. وفي أجواء راقية تتزيّن بأعمال فنية أصلية من مجموعة عائلة المالك، حيث يقدّم الشيف ألكسندرو سيمون رؤية معاصرة للمطبخ النمساوي، ويوازن ببراعة بين النكهات الكلاسيكية والتقنيات الحديثة. بينما في مطعم هيرزيغ «Herzig» الحائز على نجمة ميشلان، يقدم الشيف سورين هيرزيغ تجربة طهي دقيقة تتسم بالابتكار والأصالة، مع اهتمام استثنائي بأدق التفاصيل. يقع المطعم بعيداً عن صخب وسط المدينة، في موقع هادئ يضفي على التجربة طابعاً خاصاً، ليشكّل وجهة تستحق الاكتشاف وتكافئ زوّارها بتجربة فريدة بكل المقاييس.

المطبخ النمساوي مميز بأطباقه التقليدية (الشرق الأوسط)

ويبرز هنا جانب مختلف، ولا يقل أهمية عن مكانة فيينا في مشهد الطهي، في مطعم جموكيلر، حيث يقدم المطعم وجبة الـ«بيسل» المحبوبة في الحي الثالث والتي تعتبر جزءاً أصيلاً من المشهد الغذائي في المدينة منذ عام 1858، حيث يجسّد روح التقاليد النمساوية العريقة. حيث تعكس التصاميم الداخلية للمطعم وتهيّئ الأرضيات الخشبية الأصلية والألواح الدافئة أجواء حميمة تبرز الطابع الكلاسيكي للمكان، ويقدّم قائمة غنية بالأطباق النمساوية التقليدية، وأبرز الأطباق الفيينية. ومن بينها توست نخاع العظم مع المرق الساخن، وزلابية الميرمية، وبريوش كبد الإوز، في تجربة تعكس بساطة المطبخ المحلي وعمقه في آنٍ واحد.

تتميّز فيينا بثقافة المقاهي المتجذّرة، والتي تتجاوز كونها مجرد فضاء تقليدي أو تجربة عابرة. فهي جزء أصيل من إيقاع الحياة اليومية، ومساحة اجتماعية تنساب فيها اللحظات بهدوء، وتتعمّق فيها الحوارات، في انعكاس واضح لروح المدينة وثقافتها.

روز بار سنترالا من أقدم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

يتصدّر هذا المشهد مقهى فراونهوبر، أقدم مقهى في فيينا، الواقع داخل مبنى يعود إلى القرن الرابع عشر، والذي قدّم القهوة لأكثر من قرنين، واستضاف عروضاً لموزارت، وبيتهوفن. وفي المقابل، تعكس شركة «جوناس رايندل كوفي روسترز» الوجه المعاصر لثقافة القهوة، من خلال تحميصات صغيرة تُقدَّم في مساحات هادئة وبسيطة.

أما مقهى شوارزنبرغ، الذي يعود تاريخه إلى عام 1861، فإنه يجسّد الفخامة الفيينية الكلاسيكية، حيث لا تُقدَّم القهوة بمفردها، بل ترافقها المعجنات ووجبات الإفطار الغنية كجزء من طقس يومي متكامل.

ويمتد هذا التنوع إلى مقهى كاندل في الحي السابع الذي يقدّم لمسة مبتكرة قائمة على المطبخ النباتي، ومقهى روزي بيزل الحائز على تقييم «بيب غورمان» والذي يدعم الطهي التقليدي للمنتجات النباتية، ويقدم مجموعة واسعة من المشروبات والبدائل غير الكحولية، إلى جانب مقهى وروزبار سنترالا في الحي العشرين المعروف بقوائمه الموسمية، ونكهاته المستوحاة من أوروبا.