حيوات صالح بشير الكثيرة

يصدر قريباً

حيوات صالح بشير الكثيرة
TT

حيوات صالح بشير الكثيرة

حيوات صالح بشير الكثيرة

مات صالح بشير موتين وعاش حيوات كثيرة. وفاته الأولى كانت رحيل نجله الشابّ التي مهّدت للوفاة الثانية - رحيله هو. لكنّ كلّ مدينة كان يسكنها كانت حياة أخرى يحياها، وصالح عاش في مدن عدّة. فهو لا يزور الأمكنة، بل يستقرّ فيها ويستوطن، مدقّقاً في تفاصيلها الصغرى، نافذاً إلى ما خلف جدرانها وواجهاتها، مشكّكاً برواياتها السياحيّة عن نفسها، مولعاً بالبلوغ إلى المخفيّ من تناقضاتها.
لقد فعل هذا في بغداد والجزائر وبيروت وباريس وروما والدار البيضاء، ولا بدّ أنّه فعل الشيء نفسه في تونس التي عاد إليها بعد تغريب وتشريق طويلين، إلا أنّه غادر دُنيانا قبل أن يُخبرنا شيئاً عمّا نقّبه هناك.
وأغامر بالقول إنّ هذا الإنسان الكبير الآتي من الغموض إنّما شكّلته المدن. فتحوّلات المدينة وتقلّباتها وتعدّد أوجهها كانت تعصمه عن ثبات وثبوتيّة لم يكنّ لهما شيئاً من الودّ. هكذا مارس حبّه للأشياء عن طريق الشكّ والمساءلة الدائمين. وفضلاً عن تكوينه الفضوليّ، كان وراء ذلك، فيما أظنّ، صدوره عن الهزائم والإحباطات التي عرفها جيلنا، في بلده وفي البلدان التي قصدها، وعن انهيار المنظومات الفكريّة الكبرى، ما قلّص اليقين عنده وأعطى للشكّ جناحين عريضين.
هكذا بات الخبر الأساسيّ عن صالح يدور حول فكرة نبذها أو فكرة طوّرها أو فكرة كيّفها على فكرة أخرى. خارج هذا المدار، كان من الصعب أن يُعرف شيء عنه: عن أهله، عن أحواله العاطفيّة، عن أصوله. فهو، بكثير من الكبرياء، أحكم الإقفال على نفسه، بحيث بدا التعرّف إلى نزر يسير من حياته مشروطاً بحصول مأساة كوفاة نجله. وليس من المبالغة القول إنّ صالح كان المَنفيّ، بألف ولام التعريف، وكان المنشقّ الكامل. إلا أنّه من النادرين الذين لم يتبجّحوا بالكلام عن نفيهم، وربّما لم يكتب حرفاً واحداً عن المنفى.
حين أقام في بيروت لم أعرف إلا بعد عامين أين يسكن بالضبط، وعلى امتداد سنوات الصداقة بيننا، نادراً ما سمعته يتحدّث عن أغانٍ يحبّها، أو أكلات يستطيبها، أو صعوبات مادية يواجهها، وهو عاش في مواجهة صعوبات كهذه، حتّى إنّ صديقاً، بات هو الآخر في عداد الموتى، تساءل ممازحاً: هل أنتم متأكّدون من أنّ صالح بشير هو الاسم الحقيقيّ لصالح بشير؟ فصالح كان قد ترك في تونس اسمه الحقيقيّ، صالح صلّوحي، كما لو أنّه ينسلخ عن كلّ ما ورثه وأعطي له، مخترعاً هويّته كلّها بيديه.
فوق هذا فغريب الغرباء الذي كانه، لم يُعرف بكثرة الأصدقاء، وأزعم أنّ حظّاً كبيراً حالفني بأنّني كنت واحداً من أصدقائه القلّة. ذاك أنّ الأسباب التي ردعته عن تكثير الأصدقاء هي نفسها التي حفّزتْه على مصادقة المدن والكتب. فالمعرفة عنده لا تتحصّل إلا في تجربة شخصيّة حميمة، وأكاد أقول سرّيّة، لا يسمع أحد صوتها، ولا يشوّش عليها صوت أحد. وصالح كان، في المدينة، يسبر الشوارع وحده، متنفّساً حرّيّته، هو الكائن الحرّ، مُعزّزاً ما تلتقطه العين بكتاب أو كتابين قرأهما حول ما يشاهده أو ما تحمله قدماه إليه. وفي هذا وفي سواه كان كاتباً أوّلاً وأخيراً. فهو لم يعمل بغير الكتابة مطلقاً، لكنّه قبل هذا وبعده، كان يعيش ككاتب ويهاجر ككاتب ويتحدّث ككاتب، وككاتب لازمه السعي دائماً إلى الحرّيّة وتوسيع مساحاتها.
هذا الكاتب المحض كان في ما يكتبه يحترف كسر المألوف والمتّفق عليه، فلا تقنص عينه إلا المسكوت عنه أو المُحال إلى الهامش. لا يستعرض ما يقرأه أو يعرفه، هو الصَموت والخجول الذي بالكاد يُعثَر على صورة فوتوغرافيّة له، ولا يستشهد بما قاله أو كتبه، ولا يسعى متوسّلاً به إلى موقع أو منصب، ولا يحاول لفت النظر إليه باستفزاز أو بادّعاء أو بحركة نافرة، لكنّ النظر يلتفت إليه كلّما جدّ الجدّ. فعند الحديث، مثلاً، عن بلد ما، كان يصمت ويستمع، فإذا ارتكب واحد من أبناء البلد خطأ مهولاً، أو تبجّح متشجّعاً بأنّ سامعه تونسيّ غريب، علّق صالح بعبارة أو عبارتين هادئتين تعيدان الأمور إلى نصابها.
وكان، في كتاباته، كثير الأسئلة، قليل الأجوبة، لا سيّما القاطع منها، مقيماً دوماً على تخوم الفلسفة، وفي الآن نفسه مكثّراً في نصوصه كلمات كـ«قد» و«ربّما» و«لعلّ». وهو كان ينفذ، إذا ساجل، إلى قلب المنطق الذي يساجله، هابطاً إلى ما تحت الكلام، وحائكاً فكرته كما يحيك المهرة من صانعي السجّاد سجّادهم، بلا خطابة ولا إنشاء ولا ديماغوجيّة أو شعبويّة. ولا أبالغ إذا قلتُ إنّ دقّة المفردة في مقالة صالح تجعل استبدال أيّ مرادف لها بها يسيء إلى المعنى الذي قصده.
مع هذا فصالح لم يكن حالة فكرانيّة. فهو أحد أكثر من عرفتهم امتلاءً بالمشاعر، وأظنّه كان من صنف أولئك الذين يخافون فيضان مشاعرهم بما يطيحهم، فيغدون رقباء عليها، قامعين لتعبيرها، كما يخشون أن يُثقلوا بها على الآخرين. وهو لم يكن يضنّ بوقته أو بماله القليل، الذي يستحيل أن يكثر، على صداقة وصديق. وأذكر حين زرته في روما كيف تحوّل إلى «دليل ثقافيّ» إذا جاز التعبير، فرُحنا نمشي معاً لنهارات طويلة «فوق الإمبراطوريّات»، كما كان يحبّ أن يقول.
وكانت «إمبراطوريّة» إسرائيل وظلّت حرقة صالح الأولى، لا بالمعاني النضاليّة المبتذلة والسائدة للكلمة، لكنْ كتحدٍّ تجتمع فيه جملة من الأسئلة السياسيّة والفكريّة التي تدفعنا إلى التنقيب في أنفسنا والتنقيب في العالم وفي موقعنا كعرب منه. ومثلما دفعه الاقتراب من هذا التحدّي إلى بيروت، في زمن المقاومة الفلسطينيّة، فهو ما حمله على تعزيز اهتمامه بالمشرق ودوله وعصبيّاته، مُستفتياً جدّه التونسيّ الكبير ابن خلدون. ولم يكن اهتمام صالح بالعالم والعولمة أقلّ، لا سيّما في المرحلة البوشيّة الممتدّة ما بين ضربة بن لادن وحرب العراق. فآنذاك كانت تُرسم للعالم خريطة ظُنّ أنّها وريثة الخريطة التي رسمتها الحرب الباردة، أمّا نحن فلم يكن واضحاً أي مرتبة من مراتب العبوديّة ستُكتب لنا، وأيّ «دعم» سوف نقدّمه طائعين لذاك الانتساب الجديد.
وما يضاعف الألم بفَقد صالح، الذي كان من عشّاق مراحل الانتقال، أنّه لم يعش المرحلة الانتقاليّة الكبيرة للثورات العربيّة التي افتتحتها ثورة بلده. وأتخيّله لو عرف تلك المرحلة لقدّم إضافات بالغة الجدّيّة إلى فهمنا أنظمةَ الاستبداد ومصادر قوّتها وضعفها، فضلاً عن أحوال مجتمعاتنا على تفاوتها.
والحال أنّ المقالات المنشورة هنا، التي تغطّي الطور الأخير من حياة صالح، تنمّ عن راهنيّة مدهشة توسّع قدرتنا على افتراض ما كان ليقوله لو بقي بيننا. ولا أكتم ما أصابني من ألم لدى قراءتي الثانية لهذه المقالات، وبعضُها كنتُ أنا ناشره، وهو ألم شخصيّ وفكريّ لم يخفّف منه إلا شيء واحد: إنّ الجهد النبيل والمضني الذي بذله الصديق عبد الله الحلاق، بجمعه هذه المقالات وترتيبها وتبويبها، قد يمنح صالح حياة أخرى تضاف إلى حيواته الكثيرة.

- النصّ أعلاه مقدّمة لكتاب سوف يُنشر قريباً ويضمّ بعض مقالات الكاتب الراحل صالح بشير. الكتاب سيصدر
عن «منشورات المتوسّط» في ميلانو، إيطاليا، بعنوان «أوطان الأمر الواقع».



قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
TT

قرن على ميلاد إليزابيث... تشارلز: «أمي الحبيبة» في القلوب والصلوات

تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)
تشارلز وخلفه ملامح ملكة عَبَرَت 7 عقود من التاريخ (رويترز)

أشاد الملك البريطاني ‌تشارلز بوالدته الراحلة الملكة إليزابيث، الثلاثاء، في اليوم الذي كان سيوافق عيد ميلادها المائة، قائلاً إنّ «أمي الحبيبة» ستظلّ «إلى الأبد في قلوبنا وصلواتنا».

وولدت الملكة إليزابيث، التي تُعدّ أطول ملوك وملكات بريطانيا عمراً وصاحبة أطول مدّة حكم بينهم، في 21 أبريل (نيسان) 1926، وأمضت 70 عاماً على العرش قبل وفاتها في سبتمبر (أيلول) 2022 عن 96 عاماً.

ونقلت وكالة «رويترز» عن الملك تشارلز قوله في بيان بثَّه التلفزيون، إنّ والدته شكَّلت العالم من حولها وأثَّرت في حياة عدد لا يُحصى من الناس. وتابع: «اليوم، ونحن نحتفل بما كان سيصبح عيد ميلاد والدتي الحبيبة المائة، نتوقّف أنا وعائلتي للتفكير في حياة وفقْدان ملكة كانت تعني كثيراً لنا جميعاً، وللاحتفاء من جديد بعدد من النِّعم التي تركتها ذكراها». وأضاف: «سيتذكرها الملايين بسبب لحظات ذات أهمية وطنية؛ وسيتذكرها كثيرون غيرهم بسبب لقاء عابر أو ابتسامة أو كلمة لطيفة رفعت المعنويات، أو بسبب ذلك البريق الرائع في عينيها عندما كانت تتقاسم شطيرة مربّى مع الدب بادينغتون في الأشهر الأخيرة من حياتها».

واحتفالاً بالذكرى المئوية لميلادها، تُنظم العائلة المالكة عدداً من الفعاليات هذا الأسبوع. فقد زار الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا، الاثنين، معرضاً جديداً مخصَّصاً لأزيائها.

والثلاثاء، يزور الملك وأفراد آخرون من العائلة المالكة المتحف البريطاني للاطلاع على التصاميم النهائية لنصب تذكاري وطني مخصَّص للملكة إليزابيث في حديقة سانت جيمس بلندن، يضمّ تمثالَيْن للملكة وزوجها الراحل الأمير فيليب. وقال رئيس الوزراء كير ستارمر، في بيان: «ستحيي الأمة ذكرى عهدها الرائع بنصب تذكاري يُقدم مكاناً للتأمُّل للأجيال القادمة».

وستفتتح الأميرة آن، شقيقة الملك تشارلز، رسمياً حديقة الملكة إليزابيث الثانية في متنزه ريجنت بلندن، وسيستضيف الملك حفلاً في قصر باكينغهام في المساء. وقال الملك تشارلز: «أعتقد أنّ كثيراً من الأمور المتعلّقة بالعصر الذي نعيش فيه الآن ربما كانت ستُزعجها بشدة، لكنني أستمدُّ القوة من يقينها بأنّ الخير سيسود دائماً، وأنّ فجراً أكثر إشراقاً ليس بعيداً أبداً عن الأفق».


رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.