غائب طعمة فرمان... إعادة عالم زائل إلى جغرافيا الوجود

30 عاماً على رحيل صاحب «النخلة والجيران»

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

غائب طعمة فرمان... إعادة عالم زائل إلى جغرافيا الوجود

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

قد يكون مناسباً تذكر حقيقة أن غائب طعمة فرمان، الذي رحل في مثل اليوم من 1990 عن 63 عاماً، قد كتب كل رواياته الثماني خلال سنوات إقامته في موسكو، حيث كان يعمل مترجماً في دار التقدم، فروايته الأولى «النخلة والجيران»، انتهى منها عام 1964 أي بعد مرور 20 سنة على أحداثها، وبعد اختفاء كثير من معالمها القديمة وحلول شوارع ومحلات ومدارس ومستشفيات ومساكن جديدة محلها.
تشكل هذه الرواية مع الروايتين اللاحقتين؛ «خمسة أصوات» (صدرت عام 1967)، و«المخاض» (عام 1973) ثلاثية مترابطة (رغم تغير شخوصها)، والبطل الحقيقي فيها هو بغداد نفسها، وما أعنيه ببغداد، سكانها الذين صاغت أزقتها ونهرها وموقعها وتاريخها القديم مزاجهم ولهجتهم؛ قيمهم وقناعاتهم؛ حرفهم وعاداتهم.
تتناول هذه الروايات ثلاث فترات زمنية ذات تأثير بالغ على ما ترتب عن كل منها؛ «النخلة والجيران»: أواخر الحرب العالمية الثانية واقتراب خروج القوات البريطانية من بغداد والمدن الكبرى... «خمسة أصوات»: عشية إلغاء الانتخابات التشريعية عام 1953 وفرض الأحكام العرفية؛ «المخاض»: بعد عام ونصف العام على وقوع ثورة 14 يوليو (تموز)، وبداية الاحتراب الداخلي بين حلفاء الأمس، ولعل أنسب تعبير لوصف هذه اللحظات التاريخية هو «العتبة».
في «النخلة والجيران» يستخدم غائب الحوار وسيلة لتقديم شخصياته، إذ يحتل ما يقرب من ثلاثة أرباع صفحات الرواية، وبفضل استخدامه للعامية تصبح شخصياته حقيقية فنياً على الرغم من أنها نمطية ومتشابهة بعضها مع بعض.
وفي مسعاه للقبض على صورة مدينة زائلة وحياة أشخاص مهمشين على عتبة اختفاء مهنهم البائدة باستخدام الحوار بالدرجة الأولى، يكسر غائب ثلاثة مبادئ أساسية في الحبكة الروائية: إدخال إسكتشات مستقلة عن سياق الرواية مثل مشهد الشجار الذي يجري داخل الخان بين رديفة زوجة حمادي وخيرية زوجة الفراش رزوقي، ولعل غائب أراد إحياء شخصية المرأة السفيهة (القرج) التي يتجنب لسانها سكان الحي جميعهم، وهنا يسود الروح الكرنفالي (حسب مفهوم باختين) حيث تنقلب المعايير رأساً على عقب ويتطاير شرر الملاسنة بين المرأتين على الزوجين المسكينين والسائس الطيب مرهون. والمبدأ الثاني هو غياب النمو الدرامي للرواية، فمقتل مؤجر الدراجات الطيب، «صاحب» على يد الشقي «محمود» جاء من دون مقدمات، والتصعيد الدرامي يأتي في آخر الصفحات خارج سياق الرواية حين يقرر حسين الانتقام لصديقه «صاحب» بقتل قاتله والتحول هو نفسه إلى «شقي». أما المبدأ الثالث فهو النهاية المفتوحة التي تأتي بعد قتل حسين لمحمود في مرافق أحد الفنادق وهروبه.
الشيء الأساسي الذي جمع هذه الشخصيات هو أنها عبرت «العتبة» وتُركت هناك: فـ«الطُّولة» (حظيرة الخيول) بيعت وحوِّلت إلى مصنع سجائر، وبذلك فقد حمادي ومرهون عملهما، وبيت سليمة الخبازة يباع، فتنتقل إلى غرفة صغيرة هي وزوجها الثاني مصطفى. كذلك الحال مع بغداد نفسها، فالحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها أخيراً، وبدأ الجنود البريطانيون بمغادرتها.
في رواية فرمان الثانية «خمسة أصوات»، تبرز بغداد ثانية، بعد مرور ما يقرب من عقد على انتهاء الحرب العالمية الثانية. وهنا نجد أبطال الرواية أشخاصاً ولدوا بعد تأسيس الدولة العراقية بقليل.
إنه عقد الخمسينات، حيث دخل الغرب بقوة في محلات أورزدي باك بشارع الرشيد، جنباً إلى جنب، مع المقهى السويسري والنوادي الليلية والبارات الفخمة على شارع أبو نؤاس، إضافة إلى دخول الكتب مختلفة الاتجاهات والأفكار، سواء بالإنجليزية أو مترجمة إلى العربية.
يستخدم غائب في نسج «خمسة أصوات» مبدأ الروندو الموسيقي، حيث التيمات الموسيقية تتناوب بانتظام، وهنا نجد الشخصيات الخمس تجمعها اهتمامات مشتركة وعمر متقارب وعتبة حياة واحدة رغماً عن اختلاف طموحات كل منها.
يتقمص غائب شخصية «سعيد»، وهذا ما سمح لنا بأن نعرف أكثر عنه من الآخرين، وسمحت لغائب بأن يمزج ما هو متخيل بما هو حقيقي دون أن نكتشف الخط الواهي الفاصل بينهما، وهذه هي إحدى ميزات الرواية. كذلك تنجح الرواية بخلق عنصر التشويق، بعد تسلم «سعيد» الذي كان مسؤولاً في صحيفة «الناس» عن قسم الشكاوى رسالة من امرأة مجهولة تدعوه فيها لزيارتها. ولم يكن الوصول إلى بيتها سهلاً، إذ إن دخول أي غريب لزقاق بغدادي آنذاك يعدّ مغامرة بحد ذاتها.
استخدم غائب في سرد الرواية ستة رواة فلكل شخصية راوٍ وللشخصيات الخمس معاً راوٍ خاص بها.
تفتقد الرواية التصعيد الدرامي أو الغور العميق في الشخصيات. بدلاً من ذلك يستخدم غائب الحوار وسيلة أساسية للتعرف إليها من خلال ما تعبّر عنه من آراء أو ما تنقله من تداعيات عن ماضيها أو ما تعرفه عن شخصيات أخرى. وباستخدام أسلوب التناوب بين هؤلاء الرواة تتحقق للرواية ديناميكيتها التي تشد القارئ حتى آخر صفحاتها.
يمكن القول إن الروح الكرنفالي (الذي عرّفه باختين) أو جزءاً من عناصره قد يلبس الرواية، ففكرة العتبة والتجوال الحر لبعض الأبطال في ثنايا المدينة متنقلين ما بين باراتها وشوارعها وأزقتها عنصر أساسي فيها. ولتحقيق ذلك، رسم غائب شخصياته بطريقة كاريكاتورية (إلى حد ما) فمنحهم قدراً من تشويه ساخر مبطن يطلق عليه باختين «الغروتسك»، وهو أحد عناصر الروح الكرنفالية الأساسية في الرواية.
وهذا العنصر التشويهي المشترك ناجم عن كون هذه الشخصيات تنتمي إلى أول جيل متعلم تلقى جرعة ثقافية غربية كبيرة، على الرغم من أنها تعيش في مجتمع تحكمه سكونية هائلة، فبينها وبين الآباء والفئات الشعبية فجوة ثقافية كبيرة، وما زالت المحلة البغدادية منغلقة على نفسها، وما زالت المدن الأخرى غير مهيأة لقبول زوار من المدن الأخرى، إلا إذا كان لديهم أقارب فيها.
كل ذلك يقود أبطال غائب في «خمسة أصوات» إلى ارتداء نظارة مستوردة تمكنهم من رؤية الواقع، كأنه يتماهى مع واقع غربي ما. فعبد الخالق الذي يحلم بأن يكون روائياً ينظر إلى محيطه بعيني الروائي الأميركي فولكنر، فهو على الرغم من تعاليه على الآخرين بمن فيهم أصدقاؤه، يندفع للمساهمة في صد خطر الفيضان، بسبب ما كتبه فولكنر عن فيضان حل بالمسيسبي وكيف كان رد فعل أهالي بلدته في الجنوب الأميركي تجاهه. كذلك الحال مع الشاعر شريف، الذي يتقمصه الشاعر الفرنسي بودلير المتوفى عام 1867، فيقلده في جرأته وسأمه وتشرده وتعلقه بغانية سوداء، وفي بغداد يتعلق الشاعر شريف بالفتاة صبرية، المومس الأمية هزيلة البنية فيسقط عليها صورة تلك الغانية السوداء التي تغنى بها بودلير كثيراً.
أما سعيد فيجد نظارته في الكتب السرية التي تصل إليه من صديقه «طالب» السجين السياسي في نقرة السلمان، إذ توصل أم «طالب» إليه كتاباً لبليخانوف وآخر لجدانوف.
وفي مجتمع ذكوري لا يرى الرجل حوله إلا أمه وأخواته وقريباته يسبِّب ظهور أي امرأة سافرة في مكان عام خلخلة جماعية. ففي المقهى السويسري الذي كان يلتقي به الأصدقاء الخمسة أحياناً، تستدير رؤوس المثقفين فيه ولعاً صوب امرأتين سافرتين ظهرتا على حين غرة. وهذا ما يدفع شريف إلى القول إن العراقيين ثوريون بسبب انفصال الرجال عن النساء في الحياة اليومية.
تترك الرواية النهاية مفتوحة، إذ تنتهي بهجرة سعيد إلى سوريا للعمل هناك، وترك الأبطال الآخرين يعبرون عتبتهم، كل حسب طريقته، ومعهم يعبر العراق عتبته الأخرى.
في رواية فرمان الثالثة «المخاض»، يعود الراوي - البطل إلى مدينته بغداد بعد وقوع ثورة 14 يوليو (تموز) بعام ونصف العام. ومنذ البدء يُصدَم بحقيقة لم تخطر على باله: اختفاء المحلة التي ولد وترعرع فيها عن الوجود مع كل المحلات المجاورة ليحل محلها شارع «النضال» الذي كان في طور الإنشاء. ومع انقطاع صلته بعائلته نتيجة عدم وصول رسالته إليهم، يضطر الراوي للإقامة في محلة شعبية مع عائلة السائق العم نوري الذي أوصله أولاً من المطار إلى مكان محلته.
تأتي عودة البطل كريم إلى بغداد بعد حصوله على وظيفة مترجم في وكالة أنباء، والرواية تنشغل بمتابعة حياته اليومية ولقاءاته بزملائه في العمل؛ ضاربتي آلة طابعة آمنة وماجدة والمترجم داود ثم حل المترجم الفلسطيني الأصل إسماعيل لاحقاً محل الأخير.
تأخذ الحوارات مساحة كبيرة في الرواية تصل إلى 160 صفحة بالكامل من 360، وإذا أضفنا الأجزاء الأخرى فسيغطي الحوار ما يقرب من ثلثي الرواية. وهذا بحكم محدودية صوت البطل الذي يسرد لنا الحكاية بضمير المتكلم. هذه الحوارات تشمل قدراً من الجدل واعترافات وتداعيات خواطر. وفي حركة البطل هناك قدر كبير من العفوية، فهو يلتقي ببعض الأصدقاء القدامى عن طريق الصدفة مثل محسن ومهدي.
الرواية تفتقد إلى النمو الدرامي، لكن رغبة القارئ في التعرف على هذه الشخصيات التي تبدو حقيقية (وعلى الأغلب هي كذلك) يظل محدوداً بمدى انفتاحها مع الراوي كريم.
كذلك فإن الراوي الذي نعرف من نقاشاته وآرائه أنه ماركسي وحريص على تحقق الاشتراكية ولا يرى في الاحتراب الداخلي الذي تفجر في العراق بين التيارين الشيوعي والقومي إلا دليلاً على حقيقة الصراع الطبقي، وأن الانتقال إلى الفردوس لا بد أن يمر عبر التضحيات، لكن «آمنة» التي ظلت قلعة محصنة أمام كل محاولاته لكسب حبها، كانت لها وجهة نظر أخرى: «إنها السادية التي سكنت المجتمع».
وفي لقائه برفيقه القديم مهدي، يستغرب أن يضع الأخير نظارة سوداء، فيخبره أن أحد إخوته ينوي قتله بسبب أفكاره، أما محسن الذي أصبح مديراً عاماً ويختلط برجال الأعمال فيخوض مع البطل كريم جدلاً طويلاً عن ضرورة توقف الثورة عند مرحلتها البورجواية، وفتح الباب لرجال الأعمال العراقيين كي يطوروا المجتمع، لكن كريم يحتد ضده، فهو لا يريد من الثورة أن تتوقف حتى تتحقق الاشتراكية.
هنا للمصادفة اليد الطولى، فكثير من اللقاءات تحكمها الصدفة، وبفضل الصدفة يتمكن غائب من إنهاء الرواية على فضاء مفتوح يحمل كل الاحتمالات، وهذا من خلال جعل العم نوري يضرب بسيارته سائق دراجة شاباً. وتنتهي الرواية بشفاء الشاب وتنازله عن حقه وبراءة العم نوري الذي اكتفى القاضي بسحب إجازة السوق منه بسبب كبر سنه وضعف بصره.
تقترب هذه الرواية في سياقها من أدب المذكرات، وقد يجد القارئ في ديناميكية السرد ترهلاً هنا وهناك واستيلاء الجدل متعدد القناعات عليها، لكنها الرواية الوحيدة التي كتبت عن تلك الفترة الحرجة في تاريخ العراق بموضوعية، وما جعلها شيقة اليوم هو أن غائب منح أبطاله فرصة متساوية في التعبير عن آرائهم دون أن ينحاز إلى بطله الشيوعي، على الرغم من أنه سلمه قيادة السرد. وهذا ما يجعل القارئ بعد الانتهاء منها ينحاز إلى وجهة النظر هذه أو نقيضها.



رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».