مارلين روبنسون: أنتظر أن تأتي إليّ الرواية في الوقت الذي تشاء

قلدها الرئيس الأميركي باراك أوباما قلادة العلوم الإنسانية الوطنية تقديرا «لجمال وذكاء أسلوبها في الكتابة»

مارلين روبنسون
مارلين روبنسون
TT

مارلين روبنسون: أنتظر أن تأتي إليّ الرواية في الوقت الذي تشاء

مارلين روبنسون
مارلين روبنسون

عندما نشرت مارلين روبنسون روايتها الأولى «تدبير منزلي»، في 1980 ومن بعدها قدمت أطروحتها للدكتوراه عن «شكسبير» في جامعة واشنطن، لم تكن معروفة لدى الوسط الأدبي. لكن عرض روايتها في «نيويورك تايمز» أطلق شهرتها، وأثار الانتباه إليها. وسرعان ما أصبحت روايتها من كلاسيكيات الأدب. وأخذت مكانتها باعتبارها إحدى أهم الروائيات في الأدب الأميركي. وبعدها صمتت نحو ربع قرن لتكتب روايتها الثانية «جلعاد» في 2004، ثم أعقبتها بنشر رواية ثالثة «البيت» في 2008.
وتُصنف مارلين روبنسون على أنها تتمتع بالشجاعة الأخلاقية وجماليات الكتابة، حيث نجحت أعمالها في اقتفاء أثر الروابط الأخلاقية التي تجمع البشر بالآخرين، إضافة إلى استكشاف العالم والتعريف بالحقائق الكونية عن الإنسان. وربما قلة إنتاجها الروائي تعود إلى أنها تعمل في التدريس الجامعي وورش الكتابة، وتأليفها كتبا غير روائية، مثل كتابها «موت آدم: مقالات حول الفكر الحديث»، حيث كتبت عن شارل داروين، جون كالفن، وفردريك نيتشه، بجانب كتب أخرى.
التقينا الكاتبة الأميركية مارلين روبنسون في «مقهى كتّاب» في دبي يوم 14 يناير (كانون الثاني)، حيث التقت بعدد من الكتاب العرب والإماراتيين في جلسة حميمية، وأجرينا معها هذا الحوار:

* ما الذي يدفع كاتبة روائية إلى زيارة مدينة مثل دبي؟
- أعتبر زيارة دبي تجربة عظيمة، إذ لم أزر هذه المنطقة من قبل، فهي تعلمني الكثير، خاصة ما يتعلق بتجاور التقاليد العربية الإسلامية القديمة مع الثقافة الحديثة، وهو شيء ساحر في نظري، وقدرة هائلة على التكيّف مع متطلبات العصر. كما أنني سعيدة بأن يستضيفني عدد من المؤسسات هنا: مثل مؤسسة «العويس»، ومقهى «كتّاب»، والجامعة الأميركية.
* هل تعتقدين أن تدريس الأدب كما تفعلين الآن يعوق عملك الإبداعي؟
- لا أعتقد ذلك، لأنني على صلة بالحياة مع الآخرين، وهنا أقصد الطلبة، الذين جاءوا ليدرسوا الأدب ويريدوا أن يصبحوا كتّابا.
* هل واجهت صعوبة في نشر رواياتك الأولى؟
- أعتقد عندما يكون المرء شابا يفكر بالطريقة التي يمكن أن ينشر بها كتابه.
* هل تتذكرين كيف ألفت كتابك الأول؟
- لم أكن أفكر في النشر أبدا، كنت أكتب لنفسي نوعا ما، لأن فكرتي عن الكتاب تنطوي على البراءة والأمل. شيء غريب. كان عندي هذا الكتاب، وقال لي صديق قرأ الرواية إنه سيرسلها إلى الوكالة الأدبية. هكذا بدأت الدخول إلى عالم النشر. ثم بدأت أدرس الأدب.
* ما هي الشخصيات التي تثيرك انتباهك فتكتبين عنها؟
- مما لا شك فيه أن تطور الشخصيات الروائية، وتحولاتها النفسية والاجتماعية، هو ما يثير انتباهي، لأنها تحتوي على قدر كبير من الإثارة العاطفية، إضافة إلى أن الشخصيات التي تطرح التساؤلات الوجودية تصبح مركز اهتماماتي. ففي اللحظة التي نفكر فيها في ظروف هذه الشخصيات وتشابكاتها مع الواقع والعصر، تصبح شخصيات غامضة على الفور، ومن هنا تبدأ الرواية باعتبارها الفن الأشمل القادر على فك ألغازها وأسرارها وإلقاء الضوء على تعقيداتها.
* في روايتك الثانية «جلعاد» ثمة شخصية القس أو الراهب.. هل تشعرين بأن هذا العالم يثيرك في الكتابة؟
- في الواقع، لا تعني الكتابة عن قس أو راهب أو أي موضوع ديني آخر أن هذا الكاتب أو ذاك تحول إلى كاتب ديني أو ما أشبه. الموضوعات الدينية هي جزء من حياتنا الواقعية التي يجب التعامل معها على أنها موضوعات حياتية صرفة، لأن الأديان مرتبطة باللغة والأسئلة والخيال والتعبير، وأهم من ذلك أنها تؤثر في حياة البشر، وتوسّع من مداركهم. يُضاف إلى ذلك، وأنت تعلم هذا، أن الفنون الجميلة الرفيعة ارتبطت بالدين لفترة طويلة، بل إنها تطورت من خلال الأديان.
* تدور أحداث روايتيك «البيت» و«جلعاد» المترجمتين للعربية في ذات المكان والزمان، هل يعني ذلك نوعا من العودة إلى كتابة الرواية ذاتها بتنويعات مختلفة لاستدراك حقائق أخرى؟
- عندما أكتب رواية ما أو لنقل قصة ما، أشعر بأنني أفتقد شخصياتها التي عشت معها ردحا من الزمن، لذلك كنت مرتبطة برواية «جلعاد»، وقلت في نفسي: لماذا لا أعود إلى الكتابة عن الشخصيات التي تعيش في ذهني بقوة خارقة؟ أحيانا أشعر بأنني لم أحط بتلك الشخصيات بصورة كافية، لذلك أعود إليها، وذلك لا يعني أنني غير قادرة على خلق شخصيات أخرى.
* كتبت روايتك الأولى «تدبير منزل» في 1980، والثانية «جلعاد» في 2004، والثالثة «البيت» في 2008.. كيف أمكن الصمت نحو 24 عاما لكتابة رواية أخرى؟
- نعم، صمت طويلا بين روايتي الأولى والثانية، لكنني كنت منشغلة بتأليف كتب أخرى، وفي الوقت نفسه أفكر في كتابة رواية أخرى. لا يمكن افتعال الكتابة، ثمة ظروف هي تخلق أجواء كتابة الرواية، تختلف عن أي كتابة أخرى.
* هل تضعين عقدة وموضوعات رواياتك قبل البدء بالكتابة أم أنها تأتي أثناء عملية الكتابة؟
- لا أعتقد أنني أضع العقد والموضوعات قبل الكتابة، لأن سلوك الشخصيات وأفعالها يأتيان أثناء كتابة الرواية، خاصة إذا ما كانت تتميز بالتعقيد والعمق، وتتطلب التأمل واستشراف آفاق تطورها المستقبلي.
* بودي أن أسألك، هل لديك عادات وطقوس للكتابة؟
- هناك عدد من الكتّاب لهم طقوسهم وعاداتهم في الكتابة، لكنني لست من هذا النوع، لأنني أنسى نفسي في الرواية، وأكون طبيعية للغاية من دون أي تصنع. لكن يمكن القول إنني أكتب في مكتبي بصورة عامة، لكنه من المستحسن على الكاتب أن ينتقل من مكان إلى آخر حسب ما تمليه ظروف الكتابة. لا توجد لي طقوس وعادات معينة، لكنني أكتب في بيتي في أغلب الأوقات. ولا أكتب خارج البيت، خشية أن أنسى الآخرين في خضم الكتابة.
* هل هناك أوقات معينة للكتابة؟
- لا توجد عندي ضوابط معينة في الكتابة، أكتب عندما يثيرني موضوع ما. تأتيني حالة الكتابة مثل نوع من الإيحاء والتأمل، فأقوم بالكتابة.
* هل تقرئين الروايات المعاصرة؟
- لا أقرأ كثيرا الرواية المعاصرة بسبب أزمة الوقت. ما زلت أتحمس لقراءة شكسبير واللغة الإنجليزية القديمة، لكنني في الوقت نفسه أقوم بتدريس روايات كل من جيمس جويس وويليام فوكر وإرنست همنغواي وولس ستيفن، وغيرهم ضمن برامج التدريس.
* إنك روائية، لكنك أكثر الوقت تكتبين المقالات والكتب غير الروائية؟
- هذا صحيح، وذلك من أجل التغيير، والاشتباك مع قواميس أخرى أو إيجاد أرضية أخرى لنفسي. ربما أنها طريقة للاستراحة وطريقة للخروج من عالم الرواية على عوالم أخرى. أقرأ اللاهوت والعلوم وغيرهما، وأحاول من خلال مقالاتي وكتبي غير الروائية أن أعالج الظواهر الثقافية، وما يكمن وراءها من أشياء غامضة، على سبيل المثال المشكلات النفسية. قرأت الكثير عن الاقتصاد السياسي، وماركس وإنجلز، وما يهمني هو دراسة الأفكار والتعليق على نشوئها وتطورها، وفي المدن الكبرى تختلط كل العلوم والآداب والاقتصاد، وهذا هو حالنا في الولايات المتحدة. وفي الحقيقة أنني أكتب الرواية عندما تكون لدي فكرة خطيرة. إنني أقرأ وأنكب على تأليف كتب غير روائية، لأن صوتا ما يناديني. أكتب من دون ضغوطات وبلا آمال كبيرة. أنتظر الرواية أن تأتي إلي في الوقت الذي تشاء.
* في الحقيقة، يمكن القول بأنك مفكرة أكثر من أنك روائية.. ما رأيك؟
- أعتقد جازمة أنه يوجد في كل فكر قدر كبير من التأمل ومساحة شاسعة للحياة التي تزود الكاتب بكل معطيات الإبداع. أنت تصفني بالمفكرة لأنني أخوض في جميع القضايا المهمة التي تواجه عصرنا مثل الدارونية والماركسية وتاريخ الأفكار بصورة عامة، لكنني في نهاية المطاف أؤمن بأن الرواية قادرة على القبض على معنى الحقيقة بكل أبعادها، لأنها تتسع للخيال أكثر من أي مجال آخر، كما أنني أؤمن بالحوار الإنساني، الذي هو شرط وجودنا، ولذلك تجد رواياتي مليئة بالحوارات، لأنني بكل بساطة لا أستطيع أن أوقف الشخصيات عن الكلام لأنها تتدفق بما يغلي في أعماقها من أفكار وتأملات.
* باعتبارك أستاذة جامعية وتدرسين أيضا في ورش الكتّاب ضمن برامج الكتابة، ما هو الشيء الأكثر أهمية الذي تدرسينه لطلبتك؟
- أحاول أن أوضح لهم عناصر القوة في كتاباتهم التجريبية. عادة ما تهيمن على أذهاننا صورة ما أو لحظة ما أثناء كتابة الرواية، وهذا العنصر يكون الأقوى في قصة الرواية، لذلك أسعى إلى تعليم طلبتي كيف يستغلون هذا العنصر القوي أو هذه النقطة في تنمية رواياتهم وإعطائها العمق اللازم، وهذا العنصر القوي هو القدرة على بناء رواية ملائمة وجديدة. بينما أهمل تدريس تقنية الرواية لأنها، كما أرى، تظهر وتتطور أثناء عملية كتابة الرواية. ولا بد لي من التركيز على نقطة مهمة أخرى في ما يتعلق بسؤالك، هي شرح علاقة هؤلاء الطلبة نفسيا وروحيا بما يكتبونه أو يضعونه على الورق، أي علاقتهم مع كتاباتهم، وهذه العلاقة هي التي تطلق اللغة والخيال، وهذا هو سر الكتابة الحقيقية، أي أن يشعر الكاتب بأنه مرتبط بها ارتباطا روحيا. في تجربتي مع طلبتي وجدت أن 15 في المائة منهم ينشرون أعمالهم في دور النشر.
* هل يمكن تدريس الأدب في نظرك؟
- هناك الموهبة وهناك صقل هذه الموهبة، لدي 25 طالبا، أعمل معهم في ورشة كتابة كما أخبرتك قبل قليل، لكن الشرط الأساسي هو أن يكون هؤلاء الطلبة يتمتعون بحساسية عالية من أجل الانطلاق في عالم الكتابة، كما أن تدريس الأدب يهتم باللغة بالدرجة الأولى. إنها ليست مدرسة عادية، بل مدرسة إبداعية، وهذا هو الأهم. ومن الممتع أن أخبرك بأن هؤلاء الطلبة ينتمون إلى ثقافات متعددة جاءوا إلى أميركا، منهم كاريبيون وأفارقة وهنود وإيرانيون، وهذا ما يفرض علينا الانفتاح على الثقافات الأخرى. وحتى هناك ورش كتابة للسجناء، ومنهم من نشر روايات وكتبا. أنا أتعامل مع أناس لم يكتبوا أبدا. نحن لسنا في سباق مع الكتب الرديئة، بل نسعى إلى إيجاد كتب عميقة قادرة على الاستمرار.
* هل توجد وصفة جاهزة للرواية الجيدة؟
- يحاول العقل البشري أن يجيب عن كل تعقيدات الحياة، وكل فرد يحاول أن يستخدم مصادره في صالح كتابة الرواية. نحن ندرس ونكتب من أجل تطوير الذهنية والفكرية واللغوية.
* ما هي أوضاع الرواية في الولايات المتحدة؟
- نسمع الكثير مما يُقال عن موت المؤلف، وموت الرواية، وموت الأدب، لكن النشر مستمر، حيث يصدر في الولايات المتحدة نحو 200 ألف كتاب في السنة. هذه الكتب تصدر لأن هناك طلبات عليها، وبعض الكتب تصدر على حساب مؤلفيها، وهكذا.. لكن الأهم من كل ذلك أن هذه الكتب تستجيب لرغبات القراء أينما كانوا.
* من خلال سيرتك الذاتية عرفنا بأنك نشرت قصة واحدة وهي «كوني برونسون»، التي صدرت بعد روايتك «تدبير منزلي»..
- كتبت هذه القصة في الجامعة. وعندما طلبت مني مجلة «باريس ريفيو» نشر شيء ما من أعمالي، أرسلت لهم هذه القصة، لكنني لم أشعر بميل حقيقي نحو كتابة القصة القصيرة، على الرغم من أنها شكل مغر ومثير للكتابة.
* كيف حال الشعر في الولايات المتحدة؟
- هناك من يسخر قائلا: الفرق بين الروائيين والشعراء هو أن الروائيين عندما يجتمعون يتحدثون عن العقود والأموال بينما عندما يجتمع الشعراء يتحدثون عن الطعام.
* هل قرأت الأدب العربي، قديما وحديثا؟
- كانت أمي تقرأ لي صفحات من «ألف ليلة وليلة» في صباي، وهذا ما أثر على مخيلتي، وظل حاضرا أمامي، على مر السنوات. كانت نسخة مبسطة من «ألف ليلة وليلة».

* سيرة ذاتية
* ولدت الروائية والكاتبة مارلين روبنسون في عام 1943 في بلدة ساندبوينت بولاية أيداهو الأميركية في أقصى الشمال الغربي المحاذي لكندا. درست في كلية بمبروك التي كانت مخصصة للنساء في جامعة براون ونالت البكالوريوس عام 1966 وشهادة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية عام 1977 من جامعة واشنطن. وهي إضافة إلى كتاباتها النقدية والأدبية تمارس تدريس الأدب في عدد من الجامعات الأميركية، كما تعلّم في «محترف أيوا للكتاب».
حازت روايتها «التدبير المنزلي» 1980 على جائزة «بين» الأدبية من مؤسسة «همنغواي» كرواية أولى. وفازت روايتها الثانية «جلعاد» 2004 بجائزة «بوليتزر» في الأدب القصصي وجائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية «إن بي سي سي»، وجائزة «امباسادور» للكتاب. روايتها الثالثة «البيت» 2008 حازت إحدى جوائز جريدة «لوس أنجليس تايمز» للكتاب في 2008 إضافة لجائزة «أورانج» للآداب في 2009. وكانت من أبرز المرشحين النهائيين لنيل جائزة الكتاب القومي في أميركا.
قامت بإلقاء مجموعة من محاضرات تيري في جامعة ييل، شملت سلسلة من النقاشات تحت عنوان «غياب العقل: من باطن تبديد أسطورة الحديث عن الذات»، تم اختيارها واحدا من ضمن أهم مائة كتاب لعام 2008 من قبل صحيفة «نيويورك تايمز»، واختيارها ضمن أهم عشرة كتب مفضلة لدى ناقد الكتب في صحيفة «نيويوركر جيمس وود» لعام 2008.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.