قصائد الآباء عن الأبناء

أهم الانطولوجيات الشعرية العربية خلت منها

أحمد شوقي - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد
أحمد شوقي - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد
TT

قصائد الآباء عن الأبناء

أحمد شوقي - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد
أحمد شوقي - بدر شاكر السياب - عبد الرزاق عبد الواحد

في قصيدة للشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري، نقرأ تفاصيل كثيرة عن الأطفال وصخبهم اللذيذ، ومرثية في الوقت نفسه لتلك الأيام التي بدأ الشاعر يبحث عنها فلا يجدها، إن مثل هذه القصائد قد لا يتفاعل معها غير المتزوجين؛ لأنها تتحدث عن تفاصيل لا يمكن التفاعل معها من خلال التخيل فقط، إنما الغوص في تلابيبها سيمنحك طاقة للتلقي. وهي ذكرتني بقصيدة للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، كنَّا قبل الزواج نتهكم عليها لأننا لا نشعر بصدقها، وواقعيتها المحببة، حيث يقول في مطلعها:
لا تطرق الباب تدري أنَّهم رحلوا
خذ المفاتيح وافتح أيُّها الرجل
فهذا المطلع كان مصدر سخريتنا بصراحة، ولكن حين تزوجتُ، وأنجبت أطفالاً، رجعتُ لقصيدة عبد الرزاق عبد الواحد تلك، وقد ندمت كثيراً لأني تعاملت بسخرية مراهقة مع نص حقيقي يختصر رحلة الأب، وتعبه، ومن ثم يتركه أبناؤه بمجرد أنْ يكبروا.
أعود إلى الإشارة التي بعثها مهند، فقصيدة «عمر بهاء الدين الأميري» وقصيدة «عبد الرزاق عبد الواحد» رغم فخامة البناء التقليدي في نصيهما إلا أنهما نصَّان منغمسان في الحياة بكل تفاصيل البيت، وشغب الأطفال، ولعبهم، وشكواهم، وقد كنتُ أظن أنَّ هذه التفاصيل اليومية للبيت والعائلة لا يمكن أنْ تنتجها الهياكل الكلاسيكية، إنَّما هي بنت الحداثة، وعلى وجه التحديد بنت قصيدة النثر، التي من الممكن أنْ يكون فيها جدول مختلف تستحم فيه العائلة وتفاصيلها، فحتى النص الذي كتبه السياب عن ابنه غيلان «مرحى غيلان» لم يكن يتحدث عن تفاصيل الطفل مع أبيه، إنما كتب باستعارات وصور تشبيهية وتناصات أكبر من حجم وتلقائية الأطفال (ينساب صوتك في الظلام إليَّ كالمطر الغضير- ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير- من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق...) مع العلم أنَّ الشعر العربي لم يخل على الإطلاق من هذه الحميمية ما بين الأب وأطفاله، ولكن الغريب أن أهم الأنطولوجيات الشعرية - كما أظن - وهما ديوان الحماسة لأبي تمام، وديوان الشعر العربي لأدونيس، خاليان تماماً من أي شعر خاص وذاتي للشاعر مع أطفاله، ما عدا باباً يمكن أنْ يكون في جزء منه للعائلة وضعه أبو تمام في نهاية حماسته، ولكنه للأسف أسماه بـ«باب مذمة النساء» وما تحفل به الذاكرة الآن هو أشعار رثائية قيلت لأبناء الشعراء المتوفين، كقصائد ابن الرومي، أو قصيدة أبو تمام في رثاء ابنه، ورثائيات كثيرة جداً مثل هذا النوع، ولكننا لم نحفل كثيراً بنصوص تدوّن تفاصيل الأبناء، بطريقة حميمية مثلما فعل «أحمد شوقي» في قصيدته عن ابنته «يا حبذا أمينة وكلبها» حيث يقول:
يا حبذا أمينة وكلبُها
تحبُّه جداً كما يحبُّها
أمينتي تحبو إلى الحولين
وكلبها يناهز الشهرين
يلزمها نهارها وتلزمُه
ومثلما يكرمها لا تكرمه
فعندها من شدة الاشفاقِ
أنْ تأخذ الصغير بالخناقِ
في كل ساعة لها صياحُ
وقلَّما ينعمُ أو يرتاحُ
ولكن ما فعله عمر بهاء الدين وعبد الرزاق عبد الواحد أمرٌ مختلف، حيث نبرة الرثاء المختلفة عما تعودناه من رثائيات، فعمر بهاء الدين يقول في قصيدته والذي يُقال إن العقاد قال عنها «لو كان للأدب العالمي ديوان لكانت هذه القصيدة في طليعته»
أين الضجيج العذب والشغبُ
أين التدارس شابه اللعبُ؟
أين الطفولة في توقدها؟
أين الدمى في الأرض والكتبُ؟
أين التشاكس دونما غرضٍ؟
أين التشاكي ما له سبب؟
ثم يستغرق الأميري في تفاصيل أكثر حميمية وأبلغ حزناً وهي عبارة عن يوميات يعيشها كل أبٍ مع أطفاله؛ لذلك قال عنها العقاد إنها في طليعة الشعر العالمي، فالأميري يقول:
أين التسابق في مجاورتي
شغفاً إذا أكلوا وإنْ شربوا
فنشيدهم «بابا» إذا فرحوا
ووعيدهم «بابا» إذا غضبوا
بالأمس كانوا ملء منزلنا
واليوم ويح القلب قد ذهبوا
ثم يغوص الأميري بعد أن يكبر أبناؤه ويتفرقوا بعيداُ عنه، فليس له من مفرٍ إلا الذاكرة واستدعاء شغب الأطفال الذي يتمنَّاه الآن، ويكرهه في شبابه، حيث يقول:
في كل ركن منهم أثرٌ
وبكل زاوية لهم صخبُ
في النافذات زجاجها حطموا
في الحائط المدهون قد ثقبوا
في الباب قد كسروا مزالجه
وعليه قد رسموا وقد كتبوا
بعدها يختمها
هيهات ما كل البكا خورٌ
إني وبي عزم الرجال أبُ
عمر بهاء الدين استطاع أنْ يحول هذه التفاصيل التي تمر على كل أبٍ في هذا العالم من هامشها المزعج إلى نافذة يطل منها على ذاكرة، وكأنها مرثية لأيامه التي كان يلعب بها مع أبنائه ويصيح عليهم، أقول استطاع دون أنْ يتكلف وهو محبوس داخل الشطرين في أنْ يصنع نصاً نابضاً بالحركة والحياة، وكأنَّ قارئه يمسك بالأطفال وهم يرسمون على الأبواب، وهم يثقبون الجدران، وهم يتزاحمون على الجلوس مع الأب، كل هذه الحركة وغيرها كثير في النص، صنعها الصدق في القصيدة، وليست الدربة أو المهارة الشعرية، أو الاستعارات، إنما القصيدة خالية من البلاغة المعتادة، وتكاد تخلو من الصورة الشعرية بمعناها البلاغي، في حين القصيدة كاملة هي عبارة عن صورة في ألبوم احتفظ به صاحبه ليخرجه بعد أكثر من عشرين عاماً، يندب فيه تلك الأيام بأقل الكلمات وأبسطها إلى القلب؛ لأنها صادقة ومعبرة، وصدق التجربة متضافر مع الهم الكوني، يجعل من القصيدة مناخا يشترك فيه العالم كله؛ لذلك قال العقاد عن هذه القصيدة أنها ستقف في مقدمة الشعر العالمي، لأنها لو ترجمت سيتلقاها كل الناس ومن كل الاتجاهات بقبول وبتفاعل كبير لأنها تتناول هماً إنسانياً مشتركاً.
وبسبب هذا النص الذي اطلعتُ عليه تذكرت قصيدة عبد الرزاق عبد الواحد، تلك التي كنتُ أسخر من مطلعها، ولكني عاقبت نفسي فيما بعد، بأنَّي رحتُ أسخر من نفسي؛ وذلك لأنَّ النص قد لا يتفاعل معه العزَّاب كما ذكرت، والنص بصراحة مختلف عن تجربة عبد الرزاق عبد الواحد، تلك التجربة التي اعتدنا على جرسها العالي، وعلى لغتها الفخمة، وبنائها المتين، وسبكها الذي لا يقبل الضعف أو الهنة، إلا أنه هنا في هذه القصيدة يخرج عبد الرزاق عبد الواحد الإنسان وليس الشاعر المحترف، الذي قد يتحول الشعر بين يدي المحترفين إلى عادة بسبب التكرار، فتنطفئ لحظتها جمرات الدهشة، أعود إلى نص عبد الرزاق عبد الواحد حيث يقول:
لا تطرق الباب تدري أنَّهم رحلوا
خذ المفاتيح وافتح أيها الرجل
أدري ستذهب تستقصي نوافذهم
كما دأبت، وتسعى حيثما دخلوا
تراقب الزاد هل ناموا وما أكلوا؟
وتطفئ النور... لو... لو... مرة فعلوا
ثم يغوص عبد الرزاق كما غاص بهاء الدين بتفاصيل حميمية يمرُّ بها الآباء
لا تطرق الباب كانوا حين تطرقها
لا ينزلون إليها... كنتَ تنفعلُ
ويضحكون وقد تقسو فتشتمهم
وأنت في السر مشبوب الهوى جذلُ
حتى إذا فتحوها والتقيتَ بهم
كادت عيونك فرط الحب تنهملُ
عبد الرزاق عبد الواحد يتنازل من علياء قصيدته التي عُرف بها واندمغ أسلوبه بفخامة البناء، ينزل لهوامش الهوامش في بيته بعد أنْ كبر أولاده، وكلٌّ في جهة قد غادر يقول:
لا تطرق الباب، من يومين تطرقها
لكنهم يا غزير الشيب ما نزلوا
ستبصر الغرف البكماء مطفأة
أضواؤها، وبقاياهم بها هملُ
قمصانهم، كتبٌ في الرفِّ أشرطة
على الأسرِّة عافوها وما سألوا
كانت أعزَّ عليهم من نواظرهم
وها عليها سروب النمل تقتتلُ
وسوف تلقى لقىً كم شاكسوك لكي
تبقى لهم، ثم عافوهنَّ وارتحلوا
خذها لماذا إذن تبكي، وتلثمها
كانت أعزَّ مناهم هذه القبلُ
يشترك هنا عبد الرزاق عبد الواحد مع عمر بهاء الدين في هذه القصيدة بخصيصة الصدق، وليست البلاغة المعتادة، إنَّها بلاغة البيوت التي تفرغ، وبلاغة الحنين الذي ينزف، وبلاغة الذاكرة التي تنوء بحركة الأطفال الذين كبروا بسرعة، وغادروا بسرعة، هذه البلاغة فرضتها طبيعة الموضوعة المعالجة، فغيرت بجوهر الكتابة لدى الشاعر نفسه، فعبد الرزاق عبد الواحد وعلى الرغم من محافظته في هذا النص على البناء العالي، وهذه طبيعة العراقيين في الكتابة على ما يبدو، فإنه استطاع أنْ يوظف الهامش اليومي الذي يمر على كل أبٍ وفي كل يوم، من دون صور استعارية أو تشبيهية، فما الذي يصنع من تفاصيل الأطفال وعراكهم وصراخهم شعرية عالية؟ وهي خالية من الاستعارات والصور التي اعتدنا عليها؟ إذن هو الصدق الملفوف باللغة والمختمر بالتجربة سينتج خبزة ساخنة في تنور القصيدة، عندها فقط سنعترف بأنّ «أجمل الشعر أصدقه»، وبأنَّ الصدق في القصيدة هو الاستعارة الكبرى التي لا تضاهيها أكثر الصور مهارة، وبأي شكلٍ من أشكال الكتابة.



اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.


«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
TT

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)
قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا خلال القرن السابع عشر.

ووفق «الغارديان»، ظهرت هذه القلادة، المُصمَّمة على شكل قلب، في لوحة «سير توماس أستون عند فراش موت زوجته»؛ وهي رائعة فنّية تجسد الحداد، رُسمت بحجمها الطبيعي عام 1635، وغلب عليها اللونان الأبيض والأسود بريشة جون سوتش، فنان مقاطعة تشيشاير، وتُعرض حالياً في معرض مانشستر للفنون.

كانت ماغدالين، زوجة أستون المحبوبة، قد فارقت الحياة خلال الولادة قبل أشهر من رسم اللوحة، حيث تظهر في العمل الفنّي جثة بجوار مهد من الخوص يضم طفلها المُتوفى أيضاً. ويقف زوجها المكلوم بملابسه السوداء برفقة ابنهما الوحيد الناجي، «توماس» البالغ من العمر 3 سنوات، وهو يشير إلى عبارة مكتوبة باللاتينية تقول: «الحزن لا يُقاس».

لقد ذاقت هذه العائلة من المآسي ما يفوق الاحتمال؛ إذ توفي الصغير توماس بعد عام واحد من رسم اللوحة، كما لقي أطفالهم الآخرون، روبرت وإليزابيث وجين، حتفهم وهم لا يزالون صغاراً.

ويرتدي أستون في اللوحة القلادة التي صُنعت خصيصاً لإحياء ذكرى فقدان طفله «روبرت» عام 1634 عن عمر السادسة، وقد صُنعت «شرابة» القلادة من خصلات شعر الطفل الشقراء. ولم يكن أحد يتخيل أن هذه الجوهرة، التي تُصنَّف رمزاً «لتذكر الموت»، قد نجت بالفعل من الضياع.

اشتهر الرسام الإنجليزي سوتش بدقته المتناهية في تصوير التفاصيل مثل الأقمشة والمجوهرات. ورغم براعته في رسم القلادة، فإنّ اكتشاف القطعة الحقيقية هو وحده ما أتاح فهم معناها الكامل وتفاصيلها والنقوش المحفورة عليها.

تتوسَّط القلادة إكليل ذهبي، وهي مرصَّعة بالمينا باللونين الأبيض والأسود، وتحمل رسماً لجمجمة ونقوشاً باللاتينية على كِلا الجانبين، ترجمتها: «توفي روبرت في 4 مايو (أيار) 1634... الذي كان مَبعث سرورنا، ومصدر عزائنا، ومعه راح أول أمل لوالديه». وهي نقوش يستحيل قراءتها من اللوحة مباشرةً.

ظلَّت القلادة بحوزة عائلة أستون حتى بيعت في عام 1862، واستحوذ عليها المالكون الحاليون قبل 30 عاماً، بعد مدّة طويلة من نسيان تاريخها المؤثّر. وبمحض المصادفة، وخلال زيارة المالكين لمعرض يضم لوحة «سوتش»، لمحوا الجوهرة المرسومة وأدركوا قيمتها التاريخية.

تواصل المالكون مع مارتن دونر، المؤرِّخ والتاجر المتخصص في القطع التاريخية والأعمال الفنّية، الذي صرَّح لصحيفة «الغارديان» قائلاً: «القلادة في حالة ممتازة، وقد أمضت أغلب القرون الأربعة الماضية من دون أن يتعرَّف إليها أحد. لقد دأب الباحثون على دراسة هذه اللوحة الأيقونية لسنوات لكونها حافلة بالرموز والاستعارات، واستعادة الجوهرة تفك بعض شفرات الأسئلة المحيطة باللوحة».

ومستحضراً ذكرى فقدان شكسبير لابنه الصغير هامنيت عام 1596، وهي المأساة التي استُلهم منها الفيلم الأخير الحائز جائزة الأوسكار، قال دونر عن القلادة: «في جوهرها، تكمن قصة رجل يرثي فقدان ابنه البكر». وأضاف: «قصة هامنيت أصبحت مألوفة للجميع الآن، وهذه القلادة تعود لحقبة تالية بسنوات قليلة وهي مؤثّرة جداً. رغم صغر حجمها، فإنها تختزل فيضاً من المشاعر».

قُدِّرت قيمة القلادة بنحو 650 ألف جنيه إسترليني، ممّا يعكس ندرتها الاستثنائية، إذ يندر جداً العثور على مجوهرات من القرن السابع عشر. وأوضح دونر، الرئيس السابق لقسم المجوهرات في دار «سوذبيز» بلندن: «هناك اهتمام كبير بمجوهرات (تذكر الموت) لأنها مفعمة بالعاطفة؛ فهي ليست للتباهي بالثروة أو المكانة، وإنما هي قطعة شخصية جداً».

أما أستون نفسه، فقد لقي نهاية مأساوية. كان رجل بلاط وعالماً لاهوتياً وجندياً وشاعراً، تدرَّب في القانون ودخل البرلمان وشغل منصب عمدة مقاطعة تشيشاير.

بعدما منحه الملك تشارلز الأول لقب «فارس»، حارب في صفوف الملكيين خلال الحرب الأهلية قبل أن تأسره قوات البرلمانيين في مقاطعة ستافوردشاير، ليموت متأثّراً بجراحه خلال محاولة هروب وهو في الـ44 من عمره.

من جانبها، قالت فيونا كوريدان من معرض مانشستر للفنون: «إنه لأمر مثير أن نعلم بوجود القلادة المصوَّرة في اللوحة، وأنها تعكس النقوش الموجودة في العمل الفنّي. هذه القطعة البديعة والمعقَّدة غارقة في التاريخ، وتحمل قصة فريدة من الحزن والحبّ والذاكرة عبر القرون. سيكون من الرائع معرفة المزيد، وربما إعادة لمّ شمل القلادة باللوحة».

ومن المقرَّر أن يكشف دونر النقاب عن القلادة أمام الجمهور في معرض «تريجر هاوس» بمستشفى تشيلسي الملكي، الذي يستمرّ من 24 إلى 30 يونيو (حزيران) المقبل.


نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
TT

نجوم الفن يدعمون هاني شاكر برسائل مؤثرة بعد تدهور حالته الصحية

الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري هاني شاكر يمر بأزمة صحية (حسابه على فيسبوك)

دعم عدد كبير من نجوم الفن المصريين والعرب المطرب هاني شاكر برسائل مؤثرة في ظل الساعات الحرجة التي يمر بها حالياً بعد تدهور حالته الصحية بشكل كبير خلال الساعات الماضية، إثر تعرضه لانتكاسة وإصابته بفشل تنفسي حاد، حيث تم وضعه على أجهزة التنفس الصناعي بالمستشفى الذي يعالج به في باريس.

وكان صالح فرهود رئيس الجالية المصرية في فرنسا قد أكد في تصريحات تلفزيونية (الاثنين) أن الحالة الصحية لهاني شاكر في تدهور، وأن التنفس صعب حتى في ظل الأجهزة.

وعبر حساباتهم الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي نشر فنانون صوراً تجمعهم بالفنان الكبير وتوجهوا بالدعاء له بالشفاء، وأن يبزغ بريق أمل يطمئنهم على تحسن حالته، وأن يمن الله عليه بتجاوز تلك اللحظات الحرجة، وسط دعوات صادقة من محبيه في كل أرجاء العالم العربي.

وكتب المطرب اللبناني وائل جسار عبر حسابه بـ«فيسبوك»: «يا رب يا رحمن يا رحيم تشفي أخويا وحبيبي وصاحب أحلى إحساس في الدنيا ويرجع لنا بألف سلامة يا رب العالمين».

وكتبت المطربة نادية مصطفى رسالة لهاني وزوجته قالت فيها: «أخي الغالي والفنان الكبير هاني شاكر أدعو لك من قلبي ومعي الملايين من محبيك ربنا يشفيك ويعافيك ويقومك بالسلامة وترجع لنا بألف سلامة».

كما وجهت كلمة لزوجته قائلة: «أعلم أن الاختبار صعب وأشعر بقلقك ووجعك لما يمر به حبيب عمرك، لكن أعرف أيضاً قوتك وإيمانك وصبرك، وأن الله قادر على أن يغير الحال لأحسنه في لحظة، ربنا يطمن قلبك ويشفيه وترجعوا بالسلامة يد في يد كما وعدتيني قبل السفر».

هاني شاكر ومحمد ثروت في أغنية «بلدي» التي جمعتهما (حساب محمد ثروت على فيسبوك)

فيما نشر الفنان محمد ثروت صورة تجمعه بشاكر خلال غنائهما أغنيتهما الوطنية «بلدي» بحفل بالأوبرا، وكتب: «اللهم اشفِ أخي حبيبي وعشرة عمري هاني شاكر شفاءً تاماً لا يغادر سقماً، اللهم أذهب عنه كل بأس، اللهم أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، اللهم استجب بحق عزتك وجلالك».

وكتبت أنغام: «يا رب تشفي حبيبي، وأستاذي يا لطيف اللطف به». كما كتبت ليلى علوي عبر حسابها على «إنستغرام»: «اللهم اشفه شفاءً لا يُغادر سقماً، اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية عاجلاً غير آجل، اللهم أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك».

نادية مصطفى كتبت رسالة مؤثرة لهاني وزوجته (حساب نادية مصطفى على فيسبوك)

وكتب مصطفى قمر: «اللهم إني أسألك باسمك الشافي أن ترفع عنه الألم وتبدل مرضه صحة وعافية وتطمئن قلبه وقلب أهله».

وعبر حسابها على «إنستغرام» كتبت دنيا سمير غانم: «اللهم اشف هاني شاكر شفاء لا يغادر سقماً، وأذهب عنه كل ألم ومرض واشرح صدره، واشفه شفاءً عاجلاً غير آجل يا رب العالمين».

ومن لبنان كتبت المطربة مايا دياب: «كل الدعوات بالشفاء للفنان الكبير هاني شاكر الذي قدم للساحة المصرية والعربية أجمل الأعمال الخالدة صاحب الروح الطيبة والضحكة الحلوة».

ونشرت مي فاروق صورة تجمعها بهاني شاكر وهما يغنيان معاً في أحد الحفلات وكتبت: «اللهم اشف الأستاذ والفنان العظيم وارفع عنه البلاء».

وكانت أسرة شاكر قد أصدرت بياناً مؤخراً أكدت فيه أن «الفنان المصري دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود (جيوب أدت إلى التهابات ونزف)»، وأضافت زوجته أنه «تعرض لنزف شديد استدعى نقل دم، وتدخل الأطباء عبر (الأشعة التداخلية) لوقف النزف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات».

أنغام مع هاني شاكر (حسابها على فيسبوك)

وأفاد البيان بأنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.