الاستكتاب الجماعي... إعادة إنتاج المعاد والمكرور

ظاهرة انتشرت أخيراً في أوساط ثقافية

سعيد يقطين
سعيد يقطين
TT

الاستكتاب الجماعي... إعادة إنتاج المعاد والمكرور

سعيد يقطين
سعيد يقطين

لا عجب أن يأخذ النقد بطريقة الاستكتاب الجماعي المنتشرة مؤخراً في أوساطنا الثقافية لوجود مؤسسات داعمة لها أو راعية كما في الجوائز الأدبية التي فيها يأتي الاستكتاب لا فعلاً مركزياً بل هامشاً من هوامش فعالية التكريم. وهو ما يجعل كثيراً من الأفعال النقدية المستجمعة والجماعية محفوفة بالمخاطرة، إما لانعدام خطة بحثية منهجية تجعل العمل الاستكتابي موحداً ومنظماً في أغراضه ووسائله، أو بسبب تغاير مستويات المستكتَبين وتباين حظوظهم في النقد، ومن ثم يضيع النقد الجيد والمتين في خضم النقد الهزيل والواهن.
ولكي ينجو الاستكتاب من التشتت والمجانية ينبغي أن يكون التأليف فيه متسماً بالتنسيق والوحدة العضوية، فتصب محصلاته في صلب فرضياته وتتلاقى خيوطه المنهجية تلاقياً موضوعياً حتى لكأن الذي كتب الكتاب مؤلف واحد وليس جماعة. وهذا يتوقف بالدرجة الأساس على الأسلوب الذي يعتمده المحرر في التجميع والربط والتوصيل، فضلاً عن الآلية التي بها يَستكتب الباحثين وقد حدد لهم مسائل منهجية بشكل منطقي وغير عشوائي، وعندها يكون الهدف المبتغى من الاستكتاب متحققاً.
والسؤال المرير هنا كيف يكون الفعل النقدي الجماعي ناجعاً وناقدنا العربي لا يتخلى عن الافتتان بسنواته النقدية، أعني أنه ما أن يمضي عليه زمن وهو يتخصص في موضوع من مواضيع النقد حتى يأخذه الزهو وتعتريه العزة ويتلبسه الافتتان، فتراه يغتر بعديد السنوات التي قضاها وهو ينقد النصوص... مما أعده أهم مثلبة تثلب الاستكتاب الجماعي وحدته وتجعله أحادياً مفتتاً وقد تمفصل كل باحث معتداً بذاته، ومأخوذاً بإنجازاته، ومرتهناً بما كان قد ألَّفه ومشدوداً إلى ما سبق أن نشره، ليكون المستعاد والمكرور هو الظاهر على الاستكتاب، حيث لا جديد أو مستجد يذكر.
وسنختار من كتب الاستكتاب «التاريخ واشتغال الذاكرة في الرواية العربية». وقد تضمن أبحاثاً خمسة تدور حول موضوعة واحدة هي التاريخ والرواية، منها البحث المعنون «تشكل الرواية التاريخية العربية وتأريخها الشكل والدلالة» للدكتور سعيد يقطين، الغني عن التعريف بشخصيته النقدية التي احتلت مكاناً في النقد الأدبي عموماً ونقد السرديات تحديداً.
ولا خلاف أنّ أهمية معالجة موضوعة مهمة كهذه ستتوقف على إمكانات المستكتَبين في التوازن بين المبحوثيْن (التاريخ - الرواية)، وأي تعكز على واحد منهما يعني شرخاً في فهم علاقته بالآخر وخلطاً في تحديد دينامية التوظيف الإبداعي لكليهما. وما شغل الدكتور يقطين في هذه الموضوعة هو التسمية الاصطلاحية والبنية الأجناسية وما يتبعها من علاقات وتموضعات حتى شكَّل بحثه ما يقارب الثلث من حجم الكتاب الكلي.
وأول ما وجه له الدكتور يقطين اهتمامه هو تسمية الرواية التاريخية التي عدها نوعاً خاصاً من نوع عام هو الرواية في نوعيتها الفرعية (كذا) بمعنى أن هناك فرقاً عنده بين النوع والفرع، معرجاً على نظريتي الأجناس والتداخل ولو من بعيد مكتفياً بالإحالة على كتابه «الكلام والخبر».
ومسألة الإحالة على مؤلفاته هي ثاني ما وجّه له الدكتور يقطين اهتمامه جاعلاً كتبه ومنها «قضايا الرواية العربية الجديدة الوجود والحدود» و«الرواية والتراث السردي» مراجعه الأولى في المعالجة البحثية للرواية والتاريخ، فضلاً عن استطراداته الذاتية التي فيها يؤكد لقارئه أنه خبير، وخبرته وحدها تكفي مرجعاً، كقوله: «منذ بداية اشتغالي بالسرديات كان من بين انشغالاتي المركزية العمل على فهم المصطلحات» أو قوله: «تابعت الكثير من الدراسات وحضرت مؤتمرين...».
وتتضارب عند الدكتور يقطين بعض التوجهات؛ فهو إذ يحدد «الرواية التاريخية» بأنها التي تستمد مادتها من التاريخ، وهي نوع ككل الأنواع تمييزاً لها عن الأجناس التي هي ثابتة ومتعالية على الزمن نجده يعد «السرد» جنساً يضم أنواعاً، فهل للسرد قالب به يغدو راسخاً ومتعالياً؟ وإذا كان كذلك، فكيف يصبح التجريب والتنويع فيه متاحاً على المدى؟ والصحيح أنّ السرد والشعر والأدب فنون وليست أجناساً، لأن أي فن سمته أنه لا نهائي أي بلا حدود تقيده ولا قوالب تحجمه.
أما حرص يقطين على مقارنة التجربة الروائية الغربية بالتجربة الروائية العربية فيتعارض مع قوله: «إننا نعتبر الرواية العربية منغمسة في مجمل القضايا التي عرفتها الرواية العالمية» (ص115).
وبدلاً من أن يفك الإشكال بين سرد تاريخي ورواية تاريخية راح يضيف لهما سرد الحياة والسرد الوثائقي والتاريخ السردي والتشكل التاريخي والتخييل التاريخي الذي قصد به التخيل التاريخي الذي حاول تكريسه الدكتور عبد الله إبراهيم، هذا أولاً، وثانياً أنه راح يلقي باللوم على الترجمات جاراً الإشكال نحو الافتراق اللغوي بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية مُكثراً من العنوانات الفرعية ذات المتون القصيرة، مسوداً في ذلك صفحات كثيرة، ليصل إلى نتيجة استنتجها قبله عشرات الباحثين، وهي أن مصطلح fiction في الاستعمال الإنجليزي يطلق على السرد أياً كان نوعه وأحياناً على الرواية. (الكتاب، ص103)
والمؤسف حقاً أنه تغاضى أو لعله تحاشى الوقوف الدقيق عند الفهم الجديد الذي طرأ على الروائي العربي المعاصر الذي صار يتعامل مع التاريخ الرسمي بطريقة مبتكرة وإبداعية، مطوعاً إياه كسردية صغرى لا مقدسة ولا كبرى، مفككاً مسلماته ومشككاً في وقائعه باحثاً عن المخبأ والمستور الذي تحاشاه المؤرخ وحاول تزييفه أو تغييبه كما فعل المصري جمال الغيطاني والمغربي سالم بن حميش والجزائري واسيني الأعرج والعراقي جهاد مجيد.
وبسبب الافتقار إلى المرجعيات في النظرية التاريخية المعاصرة وفلسفة التاريخ صار التعيين في فهم التاريخ والرواية تعميمياً وجاهزاً، ومن تبعات ذلك التعميم على بحث الدكتور يقطين:
- أن الرواية التاريخية التي كتبها زيدان وأنطوان تطورت وازدهرت - وأقول فهم التاريخ هو الذي تطور - وأن الرواية التاريخية بحسب الناقد يقطين صارت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين نوعاً سردياً له أنواع «كذا» تتحدد في «رواية الشخصية التاريخية - رواية الزمن التاريخي - رواية الجغرافية التاريخية- رواية الأطروحة التاريخية»، وكأن الروائي العربي ظل يرى التاريخ هدفاً وسيلته السرد مثلما كان يرى جرجي زيدان في الرواية التاريخية. والصواب أن هذا الروائي صار يتخذ التاريخ وسيلة غايتها السرد، وهو ما فصلت القول فيه تحت مصطلح «رواية التاريخ» في كتابي «السرد القابض على التاريخ».
- الانتقال من مسمى الرواية التاريخية إلى مسمى الرواية التاريخية الجديدة ـ وجورج لوكاش هو أول من اجترح هذه التسمية في كتابه «دراسات في الواقعية» ـ ثم الاصطدام بإشكالية مسميات «الرواية التاريخية ورواية الخيال التاريخي والرواية العربية الجديدة».
- اللامنهجية في الرؤية البحثية متمثلة أولاً: في العودة في الجزء الأخير من البحث نحو مسميات «قصة وخطاب وحكاية ومادة حكائية»، ثم الانتقال فجأة نحو رواية جرجي زيدان «السائرون نياماً» وتحليل موضوعها وشكلها بادئاً بحملة نابليون والمماليك والعثمانيين متتبعاً الصوت السردي وزمن القصة وزمن الخطاب منتهيا بالبنية الحكائية وصيغة الخطاب. وثانياً: في المقالة التي ختمت البحث والمعنونة «على سبيل التركيب» التي فيها لا يتحصل الدكتور يقطين نتائج بحثه، وإنما يسأل: ماذا يفعل الروائي حين يحول النص التاريخي ليصبح مادة لروايته؟ ويجيب «انه ببساطة ينتج خطاباً روائياً تاريخياً لا علاقة له بالخطاب التاريخي» ص166. بهذه البساطة ينسف الدكتور يقطين كل الإشكاليات النظرية والمنهجية في الفكر النقدي الغربي التي انطوت عليها موضوعة التاريخ والسرد، شاطباً كل إنجاز تجريبي يريد أن يبتكر في هذا المجال.
- اتخاذه التاريخ منهجاً من مناهج البحث وليس غاية في ذاته، جعل فعل التجميع عنده هو الغالب على فعل النقد، وصارت الممارسة قائمة على تتبع الجذور والنشأة من المرحلة الشفاهية والكتابية إلى المؤثرات «الثقافة العالمية والثقافة الشعبية والرواية الغربية»؛ وهو مما تسبب في ترهل البحث.
أما أهم ممارسات فعل التجميع لا النقد فاذكرها بعجالة: 1- تثبيت بضع مقولات غربية وردت هكذا على التوالي لجورج لوكاش وهاري شو وتورنر ووايت وهاريس وتريفلتان ونانسي مورزيللي ماري فرديريك دي بيان ودلوروس. 2- اتبعها بتثبيت مقولات عربية كتبها جرجي زيدان وفرح أنطوان وما جاء في ملف المائدة المستديرة في مجلة «فصول» وعلى هذه الشاكلة «يكتب زيدان... يقول محمد جبريل... يؤكد جمال الغيطاني... في جواب ناصر عراق...». 3- يأتي إلى آراء بعض النقاد وهم على التوالي فخري صالح، وسيزا قاسم، ومحمد القاضي.
أما استدراك الدكتور يقطين بعد ذلك كله في قوله: «نسجل من خلال هذه الآراء أن هناك رؤية جديدة... قراءة جديدة... رواية جديدة... لا تهتم بتمجيد التاريخ وتسجيل انتصاراته» فيدلل على أنه غير معني بالفلسفة التاريخية المعاصرة، وأن المتوقع لديه كان محدداً في كون التاريخ سردية كبرى ونصاً لا يطاله الشك والتفكيك.
واستدراكه الآخر الذي فيه يقول: «إن الهدف من تقديم تصورات الروائيين ليس المراد منه تدعيم تصوراتهم أو تأكيدها» يجعلنا نتساءل ما الغاية إذن التي أوجبت على الناقد ذلك التقديم، أهي الإعادة التي أراد منها الإفادة أم هي الوقوع في الحشو والإطالة؟



رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».