مذكرات عربي في الأمم المتحدة (الحلقة 2 والأخيرة): سمير صنبر لـ «الشرق الأوسط»: بين الصحافة والسياسة الدبلوماسية حاجز من ورق

قال إن تلاشي دور الأمم المتحدة انعكس على قضايا المنطقة العربية

سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997
سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997
TT

مذكرات عربي في الأمم المتحدة (الحلقة 2 والأخيرة): سمير صنبر لـ «الشرق الأوسط»: بين الصحافة والسياسة الدبلوماسية حاجز من ورق

سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997
سمير صنبر مع الأمين العام الأسبق د.بطرس غالي في عام 1997

ستة أشهر من العمل التجريبي وصلت إلى 44 سنة أمضاها سمير صنبر في مكتب الأمم المتحدة. شهد خلالها عدم رغبة الدّول الكبرى والنّافذة في إيجاد حلٍّ للنزاع العربي - الإسرائيلي، رغم جهود كورت فالدهايم، الذي رافقه عام 1980 إلى طهران لمحاولة إطلاق سراح الرهائن الأميركيين، ليرحل الأمين العام ويبقى هو وحده مستمراً بالمحاولة. ربطته علاقة صداقة مع كوفي أنان، وبقي إلى جانب بطرس غالي لآخر يوم في ولايته، بعد تخلي الكثيرين عنه بسبب تقرير رسمي طال الهجوم الإسرائيلي لمقر «اليونيفيل» في بلدة قانا اللبنانية الجنوبية. وكما لعبت الصدفة دوراً في بداية حياته المهنية، سؤال طرحه على نفسه جعله يتّخذ قرار الاستقالة: «هل سأمضي ما تبقى من العمر على هذه الحال؟ أم سأحاول أقله الاستمتاع بالحياة؟». ومع ساعات الصباح ذهب إلى المكتب ليلقي تحية الوداع. وفيما يلي نص حوار الحلقة الثانية والأخيرة:
> شهدت الأمم المتحدة في عهد كورت فالدهايم ملفات ملحة في منطقة الشرق الأوسط. أطلعنا على أبرز ذكرياتك وقتها...
- حاول فالدهايم لعب دور فعال لحل النزاع العربي - الإسرائيلي على أساس الشرعية الدُّولية والقرار 242 ابتداء من جمع الأطراف في جنيف، ولم يحصل على نتائج عملية لأنّ الدّول الكبرى لم تكن ترغب في إيجاد حل متوازن. ذهب إلى إيران بعد الثورة ولم يستطع البقاء أكثر من أيام، خصوصاً بعدما أحاط به الجموع وهو يحاول وضع إكليل من الزهور في «مقابر الشهداء» وحاصرت المظاهرات سيارته، وكان من الواضح أنّ هناك صراعاً داخلياً على السلطة لم تكن معالمه قد اكتملت بعد. غادر حينها وتركني أحاول إجراء اتصالات بالتعاون مع سفراء كندا والجزائر للبحث عن مخرج لائق. الحرب العراقية - الإيرانية استمرت حتى اتفاق وقف النار في أيام الأمين العام الذي تلاه.
> سافرت إلى طهران في أوج الثورة. ما ذكرياتك عن تلك المرحلة؟
- لم تكن مقاليد الحكم قد حسمت، فحاولت الوصول إلى صاحب القرار واكتشفت أنّها توزعت على أطراف عدّة والجميع تحت إشراف الخميني. علمت أنّ اللقاء معه يقتضي الجلوس على الأرض وعدم المبادرة بالحديث أو إثارة أي موضوع سياسي.
وسمعت أنّ المنافسة احتدمت بين اللاجئين إلى الخارج والثائرين في الداخل والأتباع القدامى للرئيس السابق مصدق وبعض جماعة اليسار والحركات الجديدة التي انطلقت مع الذين احتجزوا الرهائن بالسفارة الأميركية. حاولت عقد ندوات صحافية مع العدد المحدود من المراسلين الأجانب. واستفدت من تجربة سفراء الجزائر وكندا واستمر الاتصال بيننا حتى الإفراج عن الرهائن.
> ما الدور الذي لعبته في الإفراج عن الرهائن الأميركيين المحتجزين في السفارة؟
- رافقت فالدهايم إلى طهران خلال الوساطة لإطلاق الرهائن ووصلت صباح أوّل يوم من عام 1980. كنا نستمع لأحد الخطباء في طهران عندما همس لي الأمين العام، بأنّه يشعر أنّ أحد المسلحين قد وضع سراً رشاشاً قرب ظهره للتهديد المبطن. غادر بعد يومين وبقيت للاستمرار في المحاولة.
> ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال عملك مع الأمين العام خافيير دي كويلار، خصوصاً في ملف الصحراء المغربية والبوليساريو؟
- ارتبط ملف الصحراء الغربية ودور البوليساريو بالخلاف بين السلطات في المغرب والجزائر. حاول كويلار جهده وعين زميلنا البريطاني - الدنماركي اريك جنسن مبعوثاً خاصاً للإقامة هناك ومتابعة الاتصالات. واستقبل زعماء البوليساريو في نيويورك بعد تنسيق مع حكومة المغرب. ولم تؤدِّ العناوين الصحافية عن مبادرات متجددة إلى نتيجة للتوافق. وكادت مدينة العيون تتحول إلى بعثة للتقاعد المؤقت لعدد من الدبلوماسيين الذين انتهت مهمتهم لتمثيل حكوماتهم بالأمم المتحدة.
> وماذا عن دوركم في مرحلة إدارة بطرس غالي للانتخابات المستقلة الأولى بإريتريا؟
- تسلم غالي الأمانة العامة مع ظهور ملامح إيجاد مخرج سلمي للثورة المسلحة التي ناضل خلالها الإريتريون ضد إثيوبيا من أجل الاستقلال. واتخذ مجلس الأمن القرار باستقصاء مطالب الشعب الإريتري حقوقاً مع تبديل نظام الحكم. كانت شؤون الدول الأفريقية المجاورة من المسائل المباشرة التي أشرف عليها عندما كان وزيراً للخارجية العربية. إثيوبيا تشارك في منابع النيل وإريتريا تطل على الجانب المقابل لدول الخليج وتشرف على باب المندب. هناك من اقترح إرسال «خوذ زرقاء»، أي جنود دوليين للإشراف على التنفيذ، واقترحت «القمصان البيض» بديلاً لإشعار الإريتريين باحتمال توفير حرية التعبير لهم مستقبلاً.
صدف أنّ أكثرية مجموعة الاتصال كانت من النساء، وفي يوم المرأة العالمي نزلن إلى الشارع لتقديم أنفسهن للإريتريات والاحتفاء باليوم المشترك. كنا نرتدي قمصاناً بيضاء كتب عليها بالأزرق «استفتاء حر وعادل لإريتريا». اكتسبنا قاعدة شعبية في يوم واحد. التقيت كل الأطراف السياسية وفي مقدمتها القائد الميداني والرئيس الحالي أسياس أفورقي. طفت القرى والمناطق قرب حدود السودان، وزرت بطريرك الأقباط وشيخ دار الفتوى. أنهينا المهمة. وأُعلنت النتيجة رسمياً من مقر الأمم المتحدة، فاقترحت على الرئيس أن يتقدم بطلب انضمام إلى عضوية الأمم لتأكيد الاستقلال. وعلمت أنّ إمارة موناكو تفكر أيضاً بالانضمام، فاقترحت تقديم الطلبين معاً بالجلسة نفسها ليبدو التوازن الدولي بين دولة نامية ودولة أوروبية.
> أخبرنا عن دورك في الملفات الملحة تحت إدارة بطرس بطرس غالي.
- عندما هاجم الجيش الإسرائيلي بلدة قانا، مقر القوة الفيجية لليونيفيل بجنوب لبنان، أُثيرت أزمة سياسية حول التقرير الرسمي. هل ينشر أم لا؟ لبنان طالب بالنشر وإسرائيل طالبت بحفظ الملف. كان الأمين العام في ألمانيا عندما عُقد اجتماع داخلي. تدخلت مادلين أولبرايت مندوبة الولايات المتحدة مطالبة بعدم النشر. سايرها كوفي أنان، الأمين العام المساعد لعمليات حفظ السلام. شرحت له أنّ التلفزيون البريطاني (بي بي سي) قد أشار إلى النقاط الرئيسية ومن الصعب لفلفة الموضوع. عاد غالي ووصل الرئيس اللبناني إلياس الهراوي لعرض القضية على الجمعية العامة. وخلال اجتماع في مكتب الأمين العام شرح الهراوي التفاصيل وهو يشير إلى «قانا الجليل». التقط غالي الإشارة واتخذ القرار بالنشر. اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز واقترح التأجيل بضعة أيام يرسل خلالها قائد الجيش الجنرال إيهود باراك للاطلاع عليه. تدخلت أولبرايت من جديد؛ لكن القرار حدد بالتنفيذ. بعدها بدأت أولبرايت حملة ضد التجديد لغالي، وحملتني مسؤولية خاصة عندما دافعت عنه عبر وسائل الإعلام، خصوصاً في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» ومحطات التلفزيون الرئيسية. بل ازدادت حملتها علي بعد ترشيح أمين عام جديد. مع أنّ كوفي أنان كان زميلي وصديقي طوال الأعوام. شرحت أنّ هناك أميناً عاماً واحداً وأنّ ولائي الوحيد له، حتى نهاية ولايته في آخر السنة. وتوجهت إلى مكتبه بعد أن بدأ كثيرون التخلي عنه.
> تقاعدت من الأمم المتحدة تحت رئاسة كوفي أنان، في الفترة التي قررت الولايات المتحدة الأميركية اجتياح العراق رغم رفض الأمم المتحدة. ما كواليس هذه الأزمة؟ وكيف تتذكر آخر أيامك في المنظمة؟
- شعرت أنّني أرتاح في العمل الميداني أكثر من الإشراف الإداري. أشعر لدى مساهمتي بتوفير الغذاء للأطفال والتعليم المشترك، وتعزيز كرامة الإنسان في المجتمعات النّامية والمساهمة في حرية استقلال الشعوب كأنّني ولد بسيط.
اقترح كوفي أنان التّعاون المستمر كما كنّا طوال عقود، ورغم مسايرة الجميع والانقسام الدّائم، كنت أدرك مشاعره الدّاخلية من بعض الملامح. وبعد أيام من اجتياح القوات الأميركية للعراق من دون موافقة الأمم المتحدة، لاحظت خلال لقاء معه، بعد اجتماعه مع وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، أنّ أجفانه ترفّ بسرعة وصوته يبح خوفاً ونحن نشاهد طائرات الهليكوبتر العسكرية تطوف حول مبنى الأمانة العامة. عندما أشرت إليها كأنّها سترتطم بالمكتب مثل مركز التجارة العالمي، ضرب قبضته على يدي. فشرحت رأيي له أنّهم دخلوا العراق من دون إذن شرعي من المنظّمة، ولكنّهم لا بدّ سيحتاجون إلى قرارها بخروج اللائحة.
كنت أسكن على بعد دقائق من باب البيت إلى المكتب. وبعد يوم طويل من الاستماع إلى خطابات السفراء ومطالب الموظفين مررت على دكان قريب من منزلي لشراء بعض الأغذية وجدته قد أقفل وأنّ الساعة قد بلغت العاشرة والنصف مساءً. فتساءلت هل سأمضي ما تبقى من العمر على هذه الحال؟ أم سأحاول أقله الاستمتاع بالحياة؟ وفي اليوم التالي توجّهت إلى المكتب للوداع. كنت قد بدأت العمل في الأمم المتحدة عندما جئت من روما، على افتراض أن أبقى 6 أشهر فقط، وبقيت 44 سنة.
> ما نصيحتك للصحافيين الشباب؟
- أشجعهم على التطلع نحو الإعلام الدبلوماسي، وأقترح عليهم تحديد الهدف على قدر الموهبة المناسبة وتخطيط أسلوب للتنفيذ. والأهم أن يستمعوا قبل أن يتكلّموا، ويفكروا قبل أن يكتبوا. وألا يستجدوا بل يتقدموا بالموهبة الخلاقة والرأي الحر المستقل. فالمصداقية ثروة. والتّعرف على الآخرين بلا مكابرة ولا ادعاء. اكتشفت بالتجربة أنّ الاتصال بالآخرين يوفّر ثقافة حضارية واحترام كرامة الإنسان تبدأ بالنفس أولاً. وألّا يتخلوا عن جذورهم مهما كبرت الإغراءات.
> كيف كانت علاقتك مع الصحافيين ومراسلي الأمم المتحدة؟
- بين الصحافة والسياسة الدبلوماسية حاجز من ورق وجسر من الاهتمام المشترك، ساعدت خلفيتي الصحافية في تفهم احتياجات الصحافيين والمراسلين بمختلف المواقع والمهمات. كانت هناك 3 مراحل.
الأولى عند بدء عملي الصحافي في بيروت. كنت طالباً في الجامعة أطمح للعمل الصحافي، وأشاهد أكبر المراسلين الأجانب وألمعهم من على شرفة فندق السان جورج. فرحتي كانت كبيرة عندما حصلت على أوّل حديث صحافي من الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك داغ همرشولد.
المرحلة الثانية عندما تسلمت عملي بالأمم المتحدة في الجنوب «اليونيفيل» والاتصالات مع دول المنظمة العربية، وعندما انتقل تجمّع المراسلين إلى فندق «الكومودور» قرب منزل عائلتي في رأس بيروت، أصبحت أتردد على بهو الفندق أو أستقبلهم في مكتبي القريب بالمنارة. وقتها انطلق عدد من المراسلين للشهرة الإعلامية من بينهم توماس فريدمان، المعلّق الأسبوعي في «نيويورك تايمز» الذي بدأ في مكتب «أسوشييتد برس» في مبنى النهار شارع الحمرا؛ وروبرت فيسك وكان مراسلاً لـ«التايمز» اللندنية، ولورين جانكينز الذي فاز بجائزة «بوليتزر» الإعلامية لتغطيته أحداث بيروت عام 1982.
المرحلة الثالثة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث يعمل المراسلون بمكاتب في المبنى نفسه. ومهمتي كانت تقديم رؤساء الدّول والحكومات في المؤتمرات الصحافية، أسهمت خلالها بنسج علاقات ودّية مع وبين الطرفين. بعض الرؤساء كان يحاذر اللقاء مع الصحافيين، كما أنّ بعض المراسلين كان يشكّ في فائدة الحوار المثمر مع عدد من الرؤساء، أفادتني التجربة بالوصول إلى توازن عملي بين اللياقات الرسمية والنتائج المهنية. اكتسبت أصدقاء العمل من خلال الممارسة اليومية مع المراسلين. وتأكدت بعد عمل دولي لثلاثة عقود أنّني في نهاية الأمر صحافي.
> كيف ترى الأمم المتحدة اليوم كمنظومة؟
- كانت المركز الرئيسي للعلاقات التفاوضية بين الدّول الأعضاء، لكنّ دورها تلاشى في العقدين الماضيين. وبعد أن حازت جائزة نوبل للسلام لوقفها إطلاق النار والمراقبة الفعالة للنزاعات المسلحة في القارات الخمس، باتت الصحافة تتحدّث اليوم، عن فضائح الاستغلال الجنسي لعدد من المراقبين في أفريقيا الوسطى والغابون وهايتي. إنّها بحاجة للدول الكبرى لتستمر والصغرى لتنجح.
نتذكّر مثلاً، كيف أوقف الأمين العام الأسبق داغ همرشولد احتمالية اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والصين بسبب اختطاف طيّار في آسيا لوقف حرب السويس. وكيف قتل بعد تحطّم طائرته أثناء محاولته تدبير وقف القتال في الكونغو. ونجح يو ثانت بعده في ترتيب تسوية لتجنيب الحرب حول تشيكوسلوفاكيا، ومنع حرب عالمية ثالثة حول كوبا. وطرح أسس حل لمشاكل الشرق الأوسط على أساس الشرعية الدّولية. وكيف استطاع خافيير بيريز دي كويلار إنجاز مهمة وقف المعارك في سان سلفادور وغواتيمالا، ووقف إطلاق النار بين العراق وإيران. ولا ننسى الدور الأساس الذي لعبه الدكتور بطرس غالي في تفادي المعارك بين صربيا وكرواتيا والبوسنة.
تعكس الأمم المتحدة عادة حال العالم، الذي تبدّل مع الألفية الثالثة فاختفت وانقسمت دول أعضاء، وبرزت أخرى جديدة وتبدّلت أسماء بعضها، كما تبدّلت مفاهيم القيادة، ودور المؤسسات. عالم جديد غاضب وغامض لم تتضح معالمه بعد، يحتاج إلى تحوّل واقعي للإطار الدّولي الشّامل. أمّا بالنسبة للمنفعة العربية فانعكس تلاشي دور الأمم المتحدة على أصحاب قضايا المنطقة. وبات التمثيل العربي بحاجة لمراجعة واقعية. فليس من عربي واحد في مركز نافذ داخل الأمانة العامة، على عكس ما كان في السابق حين ترأس 3 من بينهم امرأة عربية، دوائر مهمة كالإعلام وإدارة الاجتماعات وصندوق التنمية السّكانية.



جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».


«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».