ثنائية القبح والجمال في الزمن العراقي الموحش

«طائر القشلة» لشاكر نوري

ثنائية القبح والجمال في الزمن العراقي الموحش
TT

ثنائية القبح والجمال في الزمن العراقي الموحش

ثنائية القبح والجمال في الزمن العراقي الموحش

يستوحي شاكر نوري روايته العاشرة، «طائرُ القِشلة»، الصادرة عن «دار المؤلف» في بيروت، من خبر صحافي عابر مفاده أنّ إحدى الميليشيات خطفت الفنان المسرحي الشاب كرّار نوشي، وبعد يومين من التعذيب الوحشي، وُجد مقتولاً ومرمياً على رصيف في شارع فلسطين، شرق بغداد، لأنه كان يرتدي ملابس ملوّنة، ويطلي شعره الطويل باللون الذهبي الأصفر، وثمة اتهامات غير مؤكدة بأنه ينتمي إلى جماعة «الإيمو» الذين يتشبّهون بالإناث في سلوكهم ومظهرهم الخارجي اللافت للانتباه. هذه هي الواقعة الوحيدة التي كان يتوفر عليها شاكر نوري حين شرعَ في كتابة هذه الرواية المأساوية التي تناقش بالتتابع ثنائية الخير والشرّ، والنور والعَتَمة، والجمال والقبح، كما تُعرّي الوجه البشع للسلطات الدينية الزائفة التي سببت الخراب والدمار، وأيقظت الفِتن والخرافات والأساطير النائمة لتخلق في خاتمة المطاف كائنات ميليشياوية متوحشة لا تنتمي إلى الإنسانية بأي شكلٍ من الأشكال.
ولكي يتفادى شاكر هذه الواقعة المحدودة، لجأ إلى تأثيث النص السردي بسبع شخصيات إضافية، وهي أستاذ الجماليات في كلية الفنون، وجواد المخرج المسرحي العائد من باريس، وعلاء الصحافي، وهُمام الكُتبي، وريّان المانيكير، وخالد، رسّام البورتريهات، وأصيل، حبيبة غدير، الطالبة في كلية الفنون، وغدير، الممثل المسرحي وراقص الباليه الذي حقّق شهرة كبيرة في الوسط الثقافي والاجتماعي في بغداد.
لا شك في أن البطل المركزي هو «غدير»، لكن المؤلف ارتأى أن تكون حبيبته «أصيل» هي الساردة التي تروي الأحداث بطريقة استرجاعية، بعد أن مرّت عليها 40 سنة، فصارت جزءاً من الماضي البعيد الذي لم ينمحِ من ذاكرتها، بل إنها تتذكر الوقائع بالتفاصيل المملة، وكأنها حدثت قبل ساعات لا غير! لقد استثمر شاكر تقنية الاستعادة الذهنية لكي يتخلص من النسق التصاعدي لعنصرين أساسيين من عناصر المعمار الروائي، وهما الزمن الخطّي، وتطوّر الأحداث، اللذان نلمسهما، في الأعمّ الأغلب، في الرواية التقليدية التي يستبدّ بها بطل واحد، لكن شاكر نوري عوّدنا في رواياته السابقة على الأصوات المتعددة لتتوسع الأحداث بشكل أفقي وعمودي في الوقت ذاته، حيث تكثر المفاجآت، والحكايات، والشذرات القصصية التي تنوّع نسيج النص، وتُخرِجه من إطار الثيمة الواحد، وتُدخِله في إطار الموضوعات المختلِفة، وربما تذهب أبعدَ من ذلك حينما تأخذه إلى التلاقح والتناص مع أقوال الأدباء والفنانين والفلاسفة، وتتناهل معهم، مثل الأواني المستطرقة، التي تصبح في خاتمة المطاف بمستوى فكري واحد لا يتعالى أحدها على الآخر؛ فأستاذ الجماليات كان يُنظِّر وينقل رؤيته الفنية والجمالية عندما يتحدث عن مسرحيتي «نرسيس» و«أدونيس» اللتين قدّمهما غدير بمنظور عراقي بحت، وبتقنيات عالية مشذّبة يندر أن تجدها في الوسط المسرحي العراقي، كما كانت محاضراته وأحاديثه الشخصية ضمن هذه المجموعة الفنية المتمردة هي المعين الذي لا ينضب، والمعيار الذي يحتكمون إليه في النقد والتمييز بين الأفكار الأصيلة والزائفة. وبما أنّ المسرح يهيمن على هذه الرواية، فلا غرابة أن نجد فيها مُخرجاً مسرحياً، مثل جواد، ترك باريس، وعاد إلى بغداد كي يُوقد فيها جذوة المسرح من جديد مؤازراً غدير وأصيل وبقية أفراد هذه المجموعة المثقفة التي تقاتل الوحوش وخفافيش الظلام بمنجزاتها الأدبية والفنية والجمالية، لكنه ينكسر بعد مقتل غدير، ويقرر الهجرة من جديد، وخالد، الرسّام الذي يُمجِّد الجمال ويجعلنا نتلمّسه في لوحاته الفنية، خصوصاً في البورتريهات التي رسمها لغدير لكنه لم يعد قادراً على عرض أعماله الفنية، وريّان المانيكير الذي يُطلي أظافر الشباب، ويصبغ شعورهم بالألوان الصارخة، حرقوا محله، لأن شباب «الإيمو» يتوافدون عليه ليل نهار، وهُمام الكُتبي الذي يُعتقَد بأنه نشر مخطوطة «اعترافات هارب من الميليشيات»، هدّدوه بحرق المكتبة والاقتصاص منه، لأنه نشر غسيلهم القذر، وعلاء الصحافي الذي يتجول في حقول الألغام، ولا يتردد في تعرية الميليشيات، ونشر جرائمها الفظيعة التي حوّلت حياة العراقيين إلى جحيم لا يُطاق قد فجّروا سيارته.
أما غدير فقد خُطِف، وعُذِّب، وقُتِل بطريقة بشعة بسبب مظهره الخارجي، لكنه لم يمت لأنه ظل عالقاً بذاكرة المثقفين العراقيين، والناس العاديين البسطاء الذين ظلّوا بمنجاة عن الفيروسات الطائفية التي جاء بها نفرٌ ضالّ انبثقوا من الكهوف والمغاور المظلمة في لحظات غامضة لا تنتمي إلى الزمن العراقي المعروف بحضاراته القديمة، يوم كانت بغداد حاضرة الدنيا تستقطب العلماء والأدباء والفنانين وتحتضنهم مثل أبنائها، ولا تفرِّق بين وافد وأصيل.
على الرغم من أنّ البطل الرئيسي في هذه الرواية هو غدير الذي انتهى نهاية مأساوية لا تليق به ككائن مبدع ووسيم، انزاحت أصيل من المجموعة المتمردة لتصبح الشخصية الظل التي تنافس غديراً على البطولة، حيث انتقاها شاكر نوري كي تكون الراوية التي تنقل لنا كل صغيرة وكبيرة ولم يفتها شيء من هذا الحدث الجسيم.
ما يميّز هذه الرواية عن غيرها من الروايات التسع لشاكر نوري توظيفها لـ«ميتافكشن» بطريقة سلسة، لأنها جاءت من لُحمة النص وسداته. وقد أشرنا سلفاً إلى أنّ الروائي قد استثمر «الميتاسرد» في الحِكم، والأمثال، والأقوال المأثورة، والمقتبسات من بعض النصوص المسرحية، والإحالات التاريخية، إلاّ أن المبنى الميتاسردي قد تجلى في ثلاثة مواضع: الأولى مخطوطة «اعترافات هارب من الميليشيات»، التي تسلّط الضوء على فتى يتيم مات أبوه في أحد التفجيرات، وأصبحت أمه أرملة، وسوف تصبح مومساً من أجل تأمين احتياجات أسرتها الصغيرة، وحينما يكبر ابنها ينتمي إلى ميليشيا «النجم الساطع»، ويُكلّف بقتل أعضاء جماعة «الإيمو»، ويحصل على لقب قاطع الرؤوس. أما الميتاسرد الثاني، فيتمثل بحكاية «بنت المعيدي» المعروفة في المدن العراقية كلها، وقد أضافت لها المخيلة الشعبية الكثير من التفاصيل التي تقول إن الضابط الإنجليزي نيكسون أراد الزواج من «بنت المعيدي»، لكن الأسرة لم تقبل بهذا العرض، فأرسل لهم شيوخ مدينة العمارة ووجهاءها، فرفضوهم أيضاً، ولم يبقَ أمامه سوى خيار الخطف والهرب إلى لندن. وبما أنّ مخيلة شاكر نوري خصبة، فقد أضاف لهذه الحكاية المتداولة بعض اللمسات الدرامية، حيث قامت الزوجة الأولى للضابط بقتل الطفل الرضيع لبنت المعيدي، الأمر الذي دفع هذه الأخيرة للانتقام حيث قتلت الضابط وزوجته، وهربت متنقلة من بلد إلى آخر، حتى وصلت إلى قريتها أخيراً.
وهناك حكاية ثانية تقول إنها هربت من الطائرة، وعادت إلى الهور، فقام الضابط برسمها في لوحة فنية رائعة تناسلت نسخُها في غالبية المنازل العراقية.
أما التوظيف الميتاسردي الثالث، وهو جديد نسبياً، فيتمثل بملفات «النوتباد» الموجودة في الهاتف الجوال لغدير حيث طلب أصيل من أم المغدور أن تحتفظ بهذا الهاتف، لأنه ينطوي على هذه الملفات التي تعدها جزءاً من ميراثه الروحي حيث دوّن جانباً من ذكريات الحرب، وإسقاط تمثال الديكتاتور السابق، وليالي عاشوراء، والمسرح المتهالك، وحكاية الجواد الأصيل الذي أخذ يجرّ عربة النفط في الأزقة الشعبية، إلى أن نصل إلى الملف الأخير الذي يقول فيه: «إننا نبتكر الليل لكي نحتمي من بطش الآخرين».
لقد نجح شاكر نوري في هذه الرواية شكلاً ومضموناً؛ فالمبنى لا يشبه المباني في رواياته السابقة، والمعنى مختلف تماماً إلى الدرجة التي يهزّ فيها قناعات القارئ، ويدفعه للمشاركة والانفعال بالعمل الأدبي في أقل تقدير.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.