أميركا وإيران... 7 عقود من المواجهات والهدنات الهشة

أرشيف «الشرق الأوسط»: صفحات أولى عكست تهديدات طهران وتوعدات واشنطن

أميركا وإيران... 7 عقود من المواجهات والهدنات الهشة
TT

أميركا وإيران... 7 عقود من المواجهات والهدنات الهشة

أميركا وإيران... 7 عقود من المواجهات والهدنات الهشة

في أغسطس (آب) 2013، أفرجت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) عن وثائق اعترفت فيها رسمياً، وللمرة الأولى، بدورها الرئيسي في الانقلاب الذي وقع في إيران عام 1953 وأطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً آنذاك محمد مصدق بعدما أعلن نيته تأميم قطاع النفط. علاقة واشنطن وطهران سكنها التوتر على مدار نحو 70 عاماً. أزمات متتالية واختلافات رؤى ومواجهات حادة بين الطرفين وثّقها أرشيف «الشرق الأوسط»، ونعيش تداعياتها اليوم.
أُرغم الشاه في 16 يناير (كانون الثاني) 1979 على مغادرة إيران في أعقاب الثورة الخمينية. وحاول اللجوء إلى بلدان مختلفة ليستقبله الرئيس المصري الراحل أنور السادات في مصر. وفي 19 أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته، وافقت واشنطن على أن يدخل الولايات المتحدة لتلقي العناية الطبية بعد تردي حالته الصحية. تخوفت الإدارة الأميركية من ردة فعل عكسية تبدر من إيران، الأمر الذي حدث بالفعل. من هنا انطلقت أزمة الرهائن عندما اقتحمت مجموعة من الطلاب الإيرانيين السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا 52 أميركياً في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني). الصفحة الأولى من عدد «الشرق الأوسط» الصادر في 6 نوفمبر تابعت المستجدات وغطت احتلال السفارة البريطانية في طهران أيضاً.

وفي الداخل، خبر بعنوان «إطلاق الرهائن الأميركيين مشروط بتسليم الشاه». ونقل الخبر بيان الطلبة الإيرانيين وتأييد الخميني للعملية.

محاولة فاشلة للتفاوض بادرت بها الولايات المتحدة، تبعتها عملية عسكرية لإنقاذهم في 24 أبريل (نيسان) 1980، العملية فشلت أيضاً وأدت إلى تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أميركيين وإيراني مدني. عدد 26 أبريل الأرشيفي تربع على صفحته الأولى عنوان: «شبح الحرب خيّم ساعات ثم تضاءل... كارتر يتحمل عواقب العملية الأميركية الفاشلة ضد إيران».

وفي الداخل نقلت «الشرق الأوسط» تفاصيل العملية العسكرية، وقالت: «خطأ فني» أفشل «المهمة الإنسانية» الأميركية. وصاحب الخبر لقطة للرئيس الأميركي جيمي كارتر ودلائل الغمّ سطت على وجهه خلال لحظة إعلان الأنباء للأميركيين عبر التلفزيون.

انتهت الأزمة التي امتدت 444 يوماً بالتوقيع على اتفاقية في الجزائر في 19 يناير 1981، الأمر الذي وثّقته «الشرق الأوسط» في صفحتها الأولى ذلك اليوم، وقالت: «أوضح وزير الشؤون التنفيذية الإيراني أن الحكومة الإيرانية تلقت رداً من الولايات المتحدة عن طريق الجزائر... وسلمت طهران ردها إلى الجزائر فجراً».

صفحة الشؤون الدولية من عدد 20 يناير غطت تفاصيل الساعات الأخيرة قبل الاتفاق، وولادة منظمة «فلاغ» الأميركية، مهمتها رعاية رهائن أميركا في العالم، إلى جانب سقوط وزراء كارتر ضحايا المشكلات السياسية الداخلية في الوقت الذي تسلم فيه رونالد ريغان مفاتيح البيت الأبيض من كارتر. ويعتقد البعض أن الأزمة كانت سبباً في هزيمة الأخير. وكرّست الصحيفة صفحة كاملة لتنقل آخر فصل من مسرحية الرهائن... بالصور.


ريغان دخل البيت الأبيض داعياً لسلام مبنيٍّ على القوة. تصريحات الرئيس الأميركي الصريحة عن نية تغيير واشنطن سياساتها وجدت لنفسها حيزاً على الصفحة الأولى من عدد 21 يناير إلى جانب خبر إتمام عملية الإفراج، كأنها تبشّر بانتهاء عهد، وولادة آخر. عهد يحاصر طهران اقتصادياً لتأديبها، ويفرض عليها عقوبات لمنع تدخلاتها.

السياسة الصارمة لم تستمر، وحمل عهد ريغان فضيحة تعد من أشهر الفضائح السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. الفضيحة تمثلت بصفقة سرية ظهرت ملامحها في أواخر عام 1986. وفي عدد «الشرق الأوسط» الصادر يوم 7 نوفمبر حينذاك عنوان على الصفحة الأولى: «خفايا خطيرة للصفقة الأميركية - الإيرانية! أسلحة أميركية وصينية وإسرائيلية لإيران!». وقال الخبر: «أصبحت الاتصالات والمفاوضات التي بدأت منذ وقت طويل وما زالت مستمرة بطرق سرية بين المسؤولين في طهران والحكومة الأميركية حقيقة مؤكدة رغم اعتصام المسؤولين الأميركيين بعدم التعليق على الأنباء المتزايدة بأن مفاوضات جرت وتجري بين البلدين، وأن مسؤولين أميركيين قاموا بزيارات سرية إلى طهران من أجل تحسين العلاقات بين واشنطن وطهران من جهة، والإفراج عن الرهائن الأميركيين في لبنان من جهة أخرى».

واكبت الصحيفة آخر مستجدات الصفقة وكان الموضوع الرئيسي لصفحتها الأولى في عدد اليوم التالي بعنوان: «إسرائيل الطرف الخبيث المستفيد والأسلحة وصلت لإيران من عدة جهات! الصفقة تقسم إدارة ريغان... والنظام الإيراني». وقال: «يزداد الشك في مصداقية السياسة الأميركية مع الحلفاء والخصوم على السواء».

«إيران غيت»، الاسم الذي باتت هذه الفضيحة معروفة به،  كان عنوان الصفحة الأولى لعدد الجريدة الصادر في 10 نوفمبر، بينما تعاظمت الأسئلة الموجهة إلى ريغان وإدارته بشكل يستحيل معه الاستمرار في التزام الصمت.

انكسر الصمت أخيراً باعتراف من ريغان نشرته الصحيفة على صفحتها الأولى بعدد 14 نوفمبر. قال: «نعم... نزوّد إيران بالأسلحة وهدفنا مد الجسور مع المعتدلين بها»، نافياً أن الصفقة كانت مقابل الإفراج عن الرهائن الذين احتجزهم «حزب الله» اللبناني.

معلومات جديدة زادت اشتعال «إيران غيت» أو «إيران كونترا» مثل أن الرئيس الأميركي كان على علم عام 1983 بأن مقر قوات مشاة الأسطول «المارينز» والسفارة الأميركية في بيروت سيتعرضان للهجوم، لكنه لم يأخذ بهذه المعلومات، ووقع الانفجاران بالفعل. كما تبين أن نص الاتفاق السري بين أميركا وإيران -التي كانت تخوض آنذاك حرباً ضد العراق- على تزويد طهران بأسلحة متطورة مقابل إطلاق سراح الرهائن في لبنان بالفعل.

الكونغرس أصدر تقريره الكامل في 18 نوفمبر من عام 1987، وكشف أن صفقة «إيران غيت» تمت باتفاق بين جورج بوش الأب، نائب ريغان، ورئيس وزراء إيران أبو الحسن بني صدر في باريس، بحضور آري بن ميناشيا مندوب المخابرات الإسرائيلية «الموساد». وتبين أن واشنطن وظّفت أرباح الصفقة في تمويل حركة معارضة الثورة المعروفة بـ«الكونترا» للإطاحة بحكومة نيكاراغوا المدعومة من الاتحاد السوفياتي وكوبا. وحمّل الكونغرس ريغان المسؤولية كاملة، متهماً إدارته بازدراء القانون.

إخفاق أميركي ثانٍ في آخر ثمانينات القرن الماضي تَمثل في إسقاطها طائرة ركاب إيرانية في 3 يوليو (تموز) 1988 كان على متنها 289 شخصاً بالخطأ. الصفحة الأولى لعدد «الشرق الأوسط» اليوم التالي كان عنوانها الرئيسي: «أزمة سقوط الطائرة الإيرانية في مياه الخليج... إيران تحمّل أميركا المسؤولية وواشنطن تستعد لمواجهة أعمال عنف انتقامية».

لم تختلف سياسة طهران المناهضة لواشنطن بعد وفاة الخميني عام 1989، وتسلم المرشد الحالي علي خامنئي. وبدورها، استمرت الولايات المتحدة في التسعينات في محاولات لإضعاف النفوذ الإيراني ومشروع التدفق في المنطقة عن طريق العقوبات الاقتصادية في منتصف التسعينات خلال فترة رئاسة بيل كلينتون. تسلم محمد خاتمي الرئاسة في إيران عام 1997 ودعا إلى «حوار مع الأميركيين» إلا أنه لم تبدر خلال ولايته مبادرات حقيقية.
سياسة إيران دفعت الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، في خطابه الشهير في يناير 2002 إلى إدراج إيران في «محور الشر» مع العراق وكوريا الشمالية، معلناً عن بداية مرحلة جديدة من العقوبات بحق النظام الإيراني، الأمر الذي أثار الغضب في طهران التي بدأت تعمل على تطوير منشآت نووية لتخصيب اليورانيوم.
سلسلة من العقوبات فُرضت على إيران من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سطرت الألفية الثانية واكبتها «الشرق الأوسط»، وفي صفحة الوضع الإيراني ضمن عدد 24 يونيو (حزيران) 2007، نشرت مسودة عقوبات فرضتها واشنطن على طهران من ضمنها تفتيش الطائرات وحظر الأسلحة الدفاعية.

العلاقة بين البلدين في عهد أوباما وأحمدي نجاد كانت ظاهرياً شائكة أيضاً. وفي الصفحة الأولى من عدد 25 يونيو 2010 خبر عن إعلان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، أن بلاده ستعلن شروطها لاحتمال استئناف المفاوضات حول برنامجها النووي ولكن بشروطها. وأضاف الخبر، في الوقت الذي كانت تمر إيران فيه بحزمة رابعة من العقوبات، إنهم سيتفاوضون «في شكل يأسفون له بحيث لا يجرؤون بعد اليوم على ارتكاب خطأ مماثل».

الحرب الكلامية استمرت. وفي عدد يوم 3 يوليو من العام ذاته، تصريح لأوباما توعد فيه إيران لدى توقيعه على قانون العقوبات الأميركي الجديد، وقال: «بهذه العقوبات نضرب قلب قدرة الحكومة الإيرانية على تمويل وتطوير برنامجها النووي... أفعالها تؤدي إلى نتائج وإذا استمرت (في تحديها) فإن الضغوط ستتصاعد وعزلتها ستزيد عمقاً».

مرحلة جديدة دخلتها العلاقات الأميركية - الإيرانية، وصفها البعض بـ«شهر عسل قصير» بعدما تسلم حسن روحاني رئاسة إيران. عدد 16 سبتمبر (أيلول) 2013 كشف تبادل رسائل بين أوباما وروحاني، ما يعد أول تواصل مباشر بين رئيسي البلدين منذ أكثر من 30 عاماً.

خطاب أوباما الخامس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أبدى عزم بلاده السعي إلى تبني دبلوماسية إيجابية مع إيران لتخطي «التاريخ الصعب» بين البلدين. إلا أن روحاني رفض لقاءً عابراً ولم يحضر.

وبقيادة أوباما، بدأت محاولات التهدئة مع طهران، حتى جلست مجموعة «5+1» مع إيران على طاولة واحدة في مارس (آذار) 2015، بحثاً عن صيغة لاتفاق نووي إيراني. الأمر الذي وثّقته صفحة داخلية لعدد «الشرق الأوسط» الصادر في 28 مارس. وضمت الصفحة أيضاً تقريراً لمحللين سياسيين وخبراء يقول إن «على الولايات المتحدة إدراك أن تهديدات إيران لأمن المنطقة تساوي مخاطر طموحاتها النووية».

صيغة لاتفاق يمنع «إيران نووية» رأى النور ونقلت تفاصيله الصحيفة في عددها الصادر في 3 أبريل 2015. الخبر وثّق أيضاً تطمينات أوباما لقادة الخليج في قمة بكامب ديفيد.

«بعد عقد من المراوغة... إيران توقّع»، هكذا كان عنوان الصفحة الأولى لعدد 15 يوليو من العام ذاته توثيقاً لتوقيع الاتفاق النووي أخيراً ورفع العقوبات عن 800 مؤسسة وشخصية في طهران.

لم تكبح الاتفاقية سياسات إيران التدخلية في منطقة الشرق الأوسط، واتضح أن الهدنة بين طهران وواشنطن كانت هشة وتلاشت بمجرد تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة. وعادت العزلة بين الطرفين رسمية في 8 مايو (أيار) 2018 عندما أعلن الرئيس الأميركي انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، وتصعيد العقوبات المفروضة على إيران.

وبينما اختارت إيران المناورة عبر تنصلها من الالتزام بجزء من الاتفاق النووي، قرر ترمب توسيع العقوبات عليها لتطال قطاع صناعات الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس في مايو 2019. الخبر احتل حيزاً على الصفحة الأولى من عدد 9 مايو. وقال: «وجاءت هذه الإجراءات تزامناً مع خفض طهران التزامها بالاتفاق النووي. ونددت دول أوروبية بالقرار الإيراني... ولوحت فرنسا بإعادة العقوبات».

إيران ردت في يونيو 2019 باعتداء على ممرات الطاقة في بحر عمان استهدف ناقلتي نفط. وعن ذلك قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إن «أميركا ستدافع عن قواتها ومصالحها وتقف مع حلفائها وشركائها لحماية التجارة العالمية والاستقرار الإقليمي».

وفي الشهر ذاته، دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة إثر إسقاط «الحرس الثوري» الإيراني طائرة «درون» أميركية في مياه الخليج، وهو ما عدّه ترمب «خطأً جسيماً»، وفق ما نقلت عنه «الشرق الأوسط» في تغطيتها بعدد 21 يونيو على الصفحة الأولى. وقالت واشنطن إنها تبلور رداً مناسباً على تمادي طهران.

في الشهور الماضية، اعتقد المعظم أن تهديد الرئيس الأميركي بالرد كان مجرد حرب كلامية، إلا أن ذلك تبدد يوم الجمعة الماضي بعدما أودت غارة جوية أميركية، أمر بها ترمب، بحياة قاسم سليماني القائد بـ«الحرس الثوري» الإيراني في العراق. إيران ردت بإعلانها عدم الالتزام بالاتفاق النووي. العراق تحول إلى «مسرح» للمواجهات بين الطرفين. لكن المعروف أن هذه ليست المرة الأولى التي يقتربان فيها من مواجهة حقيقية.



مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.