توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

كتابها الأخير نشر قبيل وفاتها

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات
TT

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

يشهد العالم اليوم ظواهر وقضايا بعضها حديث وله تاريخ طويل، كقضايا الهجرة الجماعية والتمييز العنصري والهيمنة الاستعمارية، وبعضها الآخر مستحدث أو ما بعد حداثي، كقضايا النظر للهوامش والأقليات والذات والآخر والانتماء والاغتراب والهوية والعولمة والخصخصة والاندماج والتنوع والتعدد، وغيرها مما جاءت به الحقبة ما بعد الكولونيالية، وتبلور مع الثورة الرقمية وما أحدثته من انفجار هائل في أساليب التفاعل الثقافي.
وقد تطرقت إلى هذه القضايا بمجموعها الروائية الأميركية توني موريسون في كتابها الأخير الذي نُشر قبيل وفاتها، وعنوانه «مصدر النظرة إلى الذات: مقالات وخطابات وتأملات مختارة» (The source of self-regard: selected essays, speeches, and meditation)، الصادر في طبعته الأولى عن دار «كنوبف» في الولايات المتحدة الأميركية عام 2019. والكتاب لم يترجم للغة العربية بعد، لكننا ارتأينا أن نقف عنده وقفة قصيرة. وقد يبدو عنوانه للوهلة الأولى متعلقاً بسيكولوجيا الشخصية، والنظرة الإيجابية لها، وسلوكيات تحسين الصورة الذهنية التي بها تتمكن الذات من مواجهة مصاعب الحياة؛ بيد أن الكتاب بصفحاته الثلاثمائة والثماني والستين يصب في باب النقد الأدبي والمثاقفة، وقد جمعت فيه موريسون مقالاتها وتأملاتها وشهاداتها التي كتبتها على مدى عقود مضت، وفيها عالجت مسائل معاصرة وراهنة تتعلق بالانتماء ومفهوم الأجنبي والسيادة وسطوة المال والتمييز ضد النساء والنظرة العنصرية للسود الأميركيين. وهي مسائل عنيت بها الرواية الأميركية المعاصرة بالعموم، وروايات موريسون بالتحديد التي توصف بأنها ما بعد حداثية، ومنها روايتها «العين الأكثر زرقة»، مركزة على ما تعانيه المرأة السوداء من التمييز، مدافعة عن النسوية ودافعة بها نحو الواجهة، نبذاً للتبعية وأنظمة الهيمنة الاستبدادية، وتوكيداً لدور الكتّاب، شعراء ومدونين ومسرحيين، في فضح هذه الأنظمة، وتحطيم إمبراطورية الاستبداد، وأنهم بعملهم هذا لا يقدمون مكافأة للبشرية فحسب، بل هم يؤدون ما هو ضروري للبشرية أصلاً (الكتاب، ص9).
وقد أدت هي نفسها هذا الدور حين ناهضت العنصرية، وكشفت ما تلقاه الأفارقة السود من اضطهاد على أيدي البيض المستعمرين الذين عاملوهم معاملة العبيد، وجعلوا منهم خدماً في مزارعهم، بعد أن جرى استقدامهم بهجرات جماعية كبرى إلى أميركا.
وتمتع موريسون بروح متحررة هو الذي مكّنها من رفض خطاب السلطة، مستشعرة ببصيرة ثقافية نضوب التصورات المركزية، ولا سيما التصورات الفكرية القارة عن الهويات والأصول العرقية.
وقد يبدو عنوان كتابها قريباً من عنوان كتاب تشارلز تايلور «The source of the self: the making of the modern identity»، المنشور باللغة الإنجليزية عام 1989، الذي ترجم إلى اللغة العربية بعنوان «منابع الذات: تكون الهوية الحديثة»، ونشر في مصر عام 2014. لكن اهتمام موريسون لا ينصب على الذات من منطلق عقلاني كانطي، أو من مرجعية سيكولوجية فرويدية، إنما مصدر نظرتها للذات متأت من منطلق ما بعد حداثي، فيه الذات مصطلح دال على (التابع) الذي يريد أن يتحرر من تابعيته، معتمدة في سبيل ذلك خطاباً متعدداً يدحض النظرة الانغلاقية الضيقة، ويستبدل بها نظرة انفتاحية تماشي سياسات الاختلاف والتنوع، لافتة النظر إلى الذوات الهامشية الواقعة تحت تأثير مركزية السلطة، وما فيه من أحادية ونخبوية تستلب هويات الهوامش، ناظرة لهم على أنهم خدم لها، إن لم يكونوا فائضين عن الحاجة.
وقد نظرت موريسون عن كثب للمشهد الثقافي العالمي عموماً، والأفروأميركي تحديداً، واضعة تصوراتها حول نظرة الأميركيين البيض المتعالية للمواطنين من ذوي الأصول الأفريقية، وما يترتب على ذلك من تمييز عنصري، هو امتداد لما عاناه أسلافهم من تمييز خاضوا في سبيل التخلص منه نضالات مريرة. لذا، خصصت موريسون للقس الأميركي مارتن لوثر كينغ مقالاً، قدمت فيه تحيتها له تثميناً لما بذله من جهود في سبيل الدفاع عن حقوق هذه الفئة البشرية.
ومن المقالات التي تطرقت فيها إلى قضية العرق واللون: «الجسد المستعبد والجسد الأسود»، و«العبيد والرقيق»، و«أشياء لا توصف غير معلنة»، و«حضور الأفروأميركي في الأدب الأميركي»، و«وساوس أكاديمية»، و«مع السلامة لكل هذا: العرق والأرحام»، و«العرق وفي الاعتبار»، و«العنصرية والفاشية».
ووقفت باستفاضة عند شخصيات روائية اهتمت بالتهميش والغربة، ومنهم جميس بالدوين، الكاتب المسرحي الأميركي من أصل أفريقي، وقد وجهت له موريسون تحية خاصة أيضاً، بسبب ما تكشفه أعماله من صور التمييز العنصري والجنسي والطبقي الذي يتعرض له السود في المجتمعات الغربية، وبالأخص في أميركا الشمالية.
وخصصت للروائي النيجيري تشينوا أتشيبي وقفة مستفيضة، وهو صاحب رواية «الأشياء تسقط» التي تعد تحفة الأدب الأفريقي الحديث، الذي عرف بمواقفه التحررية ضد الاستعمار والعنصرية.
وتحدثت عن الفنان الأميركي من أصل أفريقي روماري بيردين الذي عمل في الجيش الأميركي، وعرف عن كثب حقيقة افتقار العالم إلى الإنسانية، فكانت كتاباته الأدبية معبرة عن ذلك كله.
وناقشت موريسون أيضاً مسألة الجندر، متناولة شخصيات نسوية، كما في مقالتها «جيرترود شتاين والاختلاف الذي صنعته» التي استطاعت أن تستحدث لوناً أثرى الكتابة القصصية والروائية الأميركية المعاصرة، وقوامه التكرار والتجزئة والإيغال في التبسيط.
ومن مقالاتها التي فيها تطرقت إلى ما يطال المرأة من تمييز جنسي: «صعب وحقيقي ودائم»، و«الوحش الذكر وأمه»، و«الكاتب قبل الصفحة»، و«مشكلة مع النخبة»، و«فوكنر والنساء»، و«مصدر احترام الذات»، و«أخوات خطوة سندريلا»، و«النساء والعرق».
وتتضح عالمية موريسون في الجزء الثاني من الكتاب، في تناولها لقضايا أدبية عامة تتعلق بالإبداع والتخييل والكتابة، كما في مقالاتها «عادة الفن - فنان فردي - الصحافة في الفعل - الدعوة للفن - المتاحف الثقافة والاندماج - لغة الرب - الأدب والحياة العامة - هارلم في ذهني - محاضرة نوبل في الأدب - زمن المستقبل: الأدب وتضاؤل التوقعات - حبر غير مرئي: قراءة الكتابة وكتابة القراءة - موقع الذاكرة - إعادة التذكر - ذاكرة الإبداع»، وموضوعات أخرى عن الحرب حين تكون خطأ والأخلاق والثروة.
ولأن العالم اليوم يتميز بظاهرة الهجرات الجماعية التي تعد تحدياً من تحديات العولمة، وما أخذت تستقطبه من اهتمام النقاد والمفكرين، عنيت موريسون بمناقشة هذه التحديات واقفة عند بعض من رهاناتها، ومنها «وطن الأجنبي»، مبتدئة بالحديث عن تجارة الرقيق التي كانت على أوجها في القرن التاسع عشر، وكيف زالت مع تصاعد الحركات الجماهيرية، والكيفية التي بها تنامت حركة التحرر، لتصل إلى شكلها الأعظم من أي زمن مضى في المرحلة ما بعد الكولونيالية، أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين (الكتاب، ص5).
وشهد العالم خلال هذه المرحلة أيضاً إعادة توزيع المجموعات البشرية، وكان من أسباب هذه الإعادة حركة العمال والمثقفين وهجرات اللاجئين وحملات الجيوش العابرة للمحيطات والقارات.
ولا ترى موريسون العولمة هي اتحاد عمال العالم في أجندات عالمية قديمة، كما أنها ليست العالمية ولا الدولية ولا الإمبراطورية التي تبتغي السيطرة الثقافية (الكتاب، ص6)، وإنما العولمة تطور تاريخي مرحب به بالقوة نفسها التي كان فيها مصير الأممية قد وصل إلى مستوى عظيم في مخيلتنا.
والظاهر أن موريسون لا تنجذب كثيراً للعولمة ولا تعاديها. وتبقى العولمة التي توصف بأنها التيه في فندق ضخم أهم ممثل للمرحلة ما بعد الكولونيالية، التي في ظلها تغيرت كثير من المقاييس المتعلقة بالانتماء والنظرة المقاومة للثوابت الكبرى الشمولية، ومركزيات العقل والتاريخ واللغة والعلم وقضايا الهامش، وما يتعرض له من قمع وإبادة وعنف وحرمان.
وإذا كانت العولمة تهيئ الأجواء للمطالبة بالمساواة وعدم التمييز والتعدد والتنوع في اللغات والاعتراف بثقافة الأقليات، فإنها يمكن أن ترتهن بالفوضى، وما يرتبط بذلك من مخاطر تحددها الكاتبة في تجاهل الحدود، واختراق البنى التحتية الوطنية، وخلخلة البيروقراطية المحلية، والرقابة على الإنترنت، والرسوم الجمركية والقوانين واللغات. وتشير إلى خطر آخر تمثله العولمة، وهو تشويه الرأي العام، وتدمير القطاع الخاص، من خلال خصائصها الهائلة، كمحو اللغات الأصلية، والإزالة لخصوصيات التسويق وأغراضه. وهو ما يتطلب التخلي عن كثير من متطلبات التفاعل الحكومي والسياسي والتجاري والاحتياجات الأمنية عبر الخصخصة في شروط التطبيقات والسجون ومراقبة الشركات الخاصة للمنشآت العامة والمدارس العامة والقاعات والحدائق والملاعب والشواطئ، الأمر الذي يجعل حياتنا أشبه بمخازن عرض ترتب كديكورات منزلية لا يميز داخلها من خارجها. وهكذا، يؤدي هذان العاملان، الخصخصة والعولمة، إلى طمس أو تهشيم مفهومنا للوطن.
ومن ثم، تتساءل موريسون لأجل أي شيء يكون ولاؤنا؟ وهل أن ما يقلقنا ويشعرنا بعدم الارتياح من الأجنبي الذي نواجهه بمشاعر الغضب هو اللغات أو الثقافات أو الأجناس أو الدين أو الأعراق؟ وهل نحن سنكون ببساطة متسامحين ودودين وعالميين لكي نقرر أين ننتمي؟ وما اقتناعنا بما نفعل؟ وبشكل آخر: ما المشكلة مع الغربة؟
واختارت موريسون للتعليق على هذه الأسئلة روايات كتبت في الثلاثينات والخمسينات، أرادت أن تصب في تحليل هذه الروايات ما أثمرت عنه قراءتها للأدب الأفريقي، مستكملة به تجوالها في أدب الغربة المعاصر، وما فيه من (مشكلات الأجنبي الغريب في الفندق الكولونيالي)، مبينة أنّ الكتّاب الأفارقة ليسوا وحدهم المعنيين بالعولمة والغربة، لكنهم يمتلكون في مواجهتها تاريخاً فريداً طويلاً، فيه الفرد يوجد في وطن هو نفسه منفى.
ومن تلك الروايات رواية «The Radiance of the King»، للكاتب غيني كامارا لاييه (1928-1980)، وقد كتبها بالفرنسية عام 1954، وكرس فيها موضوع الغربة داخل الوطن وخارجه، معالجاً إياه معالجة مجازية وسيكولوجية ضمن أطر محلية ووطنية وآيديولوجية، فيها تشتبك الثقافات بحثاً عن الانتماء. وتدور أحداثها حول رحلة يقوم بها كلارنس، الرجل الأبيض المفلس، في أفريقيا السوداء، في محاولة للوصول إلى الحكمة العميقة التي فيها يجد البطل خلاصه ونعيمه وحريته، شاعراً بالنبض في قلبه الشاب بسبب الكلمات التي ترحب به، والدالة على الانتماء: ألا تعلم أنني كنت بانتظارك؟ (الكتاب، ص13)
ومما وجدته موريسون أن كامارا تمكن من المحاكاة باستعمال الاستعارة الأدبية التي تستنسخ تصورات أفريقية حساسة دقيقة للغربة، وقد حددتها موريسون في التهديد - الفساد - الغموض، واجدة أنها «كلها تضغط علينا لننكر الأجنبي في نفوسنا، ونصنع مقاومة تموت بها كل القواسم البشرية المشتركة».
إن نظرة موريسون الانفتاحية للذات تتضح أكثر وهي تنظر للآخر بعيداً عن العنصرية والفاشية والاستهلاك، مؤكدة أن مقياس قيمتنا كبشر هو إنسانيتنا وتعاطفنا.
- أكاديمية وناقدة عراقية



طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
TT

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)

يُعدُّ المغنيسيوم من أهم المعادن الضرورية لصحة الإنسان، ومع ذلك لا يحصل كثير من الأشخاص على الكمية الكافية منه يومياً، وفقاً لخبراء التغذية.

ويؤدي هذا المعدن أدواراً حيوية في الجسم؛ إذ يساهم في تنظيم ضغط الدم ومستويات السكر في الدم، ويدعم جهاز المناعة وصحة العضلات، كما يساعد على تحسين جودة النوم، من خلال تعزيز الاسترخاء، وتحفيز إنتاج هرمون الميلاتونين، حسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وتقول اختصاصية التغذية السريرية الأميركية، بيثاني ماري دورفلر، من مركز «نورثويسترن» لصحة الجهاز الهضمي، إن الاهتمام بالمغنيسيوم ازداد بشكل ملحوظ؛ خصوصاً مع انتشار مشكلات الأرق؛ حيث يتساءل كثير من المرضى عن مدى إمكانية استخدامه لتحسين النوم.

وتشير إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالمغنيسيوم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، كما تساعد في زيادة كثافة المعادن في العظام، ما يقلل من خطر الكسور وهشاشة العظام.

ورغم هذه الفوائد، أظهرت بحوث أن نحو نصف الأميركيين لا يستهلكون الكميات الموصَى بها من المغنيسيوم، ولكن الخبراء يؤكدون أن الحل لا يتطلب بالضرورة تناول مكملات غذائية؛ بل يمكن تحقيقه بسهولة عبر تحسين النظام الغذائي.

وتوضح دورفلر أن معظم الأشخاص الأصحاء لا يحتاجون إلى مكملات؛ بل إلى زيادة تناول الأطعمة النباتية، مشيرة إلى أن الجسم يمتلك آليات ذكية للحفاظ على المغنيسيوم، مثل تقليل فقدانه عبر الكلى.

وتوصي الجهات الصحية بأن تستهلك النساء البالغات ما بين 310 و320 ملِّيغراماً يومياً حسب السن، بينما يحتاج الرجال إلى ما بين 400 و420 ملِّيغراماً يومياً، مع زيادة طفيفة خلال فترة الحمل.

وتُعد حالات النقص الشديد نادرة، وغالباً ما ترتبط بمشكلات صحية، مثل أمراض الكلى أو اضطرابات الجهاز الهضمي التي تؤثر على امتصاص العناصر الغذائية.

مصادر غذائية

توجد عدَّة طرق فعَّالة لزيادة المغنيسيوم من خلال الطعام دون الحاجة إلى المكملات الغذائية، وذلك عبر التركيز على أطعمة طبيعية غنية بهذا المعدن الأساسي.

وتُعدُّ بذور اليقطين من أغنى المصادر بالمغنيسيوم؛ إذ يوفر ربع كوب منها نسبة كبيرة من الاحتياج اليومي، كما يمكن إضافتها بسهولة إلى السلطات أو تناولها كوجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

كما تُعتبر المكسرات والبذور مثل اللوز والكاجو وبذور الشيا خيارات غذائية مهمة، فهي لا توفر المغنيسيوم فحسب؛ بل تحتوي أيضاً على دهون صحية مفيدة للجسم.

أما البقوليات والحبوب الكاملة، مثل الفاصوليا السوداء والحمص والكينوا، فهي مصادر غنية تجمع بين المغنيسيوم والألياف والبروتين، ما يجعلها جزءاً أساسياً من النظام الغذائي المتوازن.

وتساهم الخضراوات الورقية الداكنة، مثل السبانخ، في تعزيز مستوى المغنيسيوم في الجسم، إلى جانب ما تحتويه من فيتامينات ومعادن مهمة تدعم الصحة العامة.

كما يمكن الاعتماد على مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، مثل التوفو والأفوكادو وحليب الصويا، والتي يسهل دمجها في الوجبات اليومية للحصول على تغذية متكاملة.

ويشير خبراء التغذية إلى أن تنويع النظام الغذائي وزيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية يُعدان الطريقة الأكثر أماناً وفاعلية لتلبية احتياجات الجسم من المغنيسيوم، مع فوائد إضافية تشمل دعم صحة القلب والعظام وتحسين جودة النوم.


تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
TT

تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)

في حين تواصل الجرافات والمعدات الثقيلة عملها في الإسكندرية ضمن مشروع إعادة تأهيل «ترام الرمل»؛ ارتفعت أصوات مواطنين بالإسكندرية للمطالبة بالتصدي لما يحدث في مسار الترام، معتبرين إزالة المحطات التاريخية «طمساً لذاكرة المدينة واعتداءً على هويتها البصرية».

ويخضع «ترام الرمل»، نسبةً إلى منطقة محطة الرمل، أو «الترام الأزرق» حيث لونه المميز، في الوقت الحالي لعملية تطوير شاملة ليحل محله ترام متطور، إذ تتضمن خطة التطوير هيكلة شاملة تتضمن تجديد القضبان وعربات الترام، واستخدام قطارات كهربائية مكيفة ومجهزة بأحدث سبل الراحة، وإنشاء أنفاق للمشاة و«كباري» أمام إشارات المرور والمزلقانات لاختصار زمن التقاطر؛ مما يسمح بتقليل وقت الانتظار ومضاعفة طاقته الاستيعابية، وزيادة سرعته.

ويُعدّ ترام الإسكندرية من أقدم شبكات الترام في العالم، حيث بدأ إنشاؤه عام 1860 ليكون أول وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، وفي عام 1863 افتُتح الخط لنقل الجمهور بقطار واحد تجره الخيول، قبل أن تتم كهربته بالكامل عام 1904، حيث استعملت المركبات الكهربائية فى نقل الركاب، وفقاً لـ«الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية».

هدم محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية أثار انتقادات (المحامي المصري محمد فتوح)

وتداول نشطاء التراث والبيئة وكذلك حقوقيون، خلال الساعات الماضية، مقاطع فيديو وصوراً تُظهر تعرض محطات الترام التاريخية للهدم، كان أبرزها محطة إيزيس أو «بولكلي»، والتي تعرف شعبيا بمسمى «بوكلا»، مما دعاهم إلى إطلاق حملات واستغاثات للمسؤولين والجهات المعنية لإنقاذ هوية الإسكندرية، مشددين على أن هدم المحطات يعد مخالفة للقانون ويأتي خلافاً لتفاصيل التطوير المعلنة.

كان من أبرز تلك الحملات ما تم توجيهه إلى وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي، للحفاظ ما تبقى من تراث الإسكندرية، وممارسة سلطتها القانونية في حماية محطات الترام كمعالم تاريخية بالمدينة.

وقال المحامي المصري، محمد فتوح، صاحب الحملة، والذي تقدم قبل أسابيع بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء مشروع تطوير ترام الرمل بالإسكندرية، إن النشطاء بالمدينة ليسوا ضد التطوير، فهم يدعمون أي خطوات نحو التقدم، لكنهم يشددون على أن التطوير يجب أن يتم بطريقة تحافظ على الهوية البصرية للمدينة الكوزموبوليتانية، وتحمي تراثها وتاريخها من الاندثار.

محطات ترام الرمل تضم معالم معمارية تعكس هوية المدينة (سيرة الإسكندرية)

وأضاف فتوح لـ«الشرق الأوسط»، أن محطة إيزيس (بولكلي) هي درة معمارية يتجاوز عمرها 163 عاماً، ومسجلة رسمياً في مجلد الحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية تحت رقم توثيق 1898، حيث تتميز المحطة بعناصر معمارية فريدة، أبرزها العمود الكبير المزود بأربع ساعات على غرار ساعة لندن، والذي كان رمزاً بصرياً يمكن مشاهدته من جميع الاتجاهات، مشيراً إلى أن «مشهد هدم هذا العمود أمام أعين الناس يعد بالنسبة للنشطاء ليس مجرد فقدان قطعة أثرية، بل محو لمعالم معمارية تعكس هوية المدينة».

ويؤكد فتوح أن هدم المحطة لم يكن مطروحاً ضمن خطط التطوير المعلنة، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه عكس ما تم الترويج له تماماً، إذ كان الحديث يدور عن تحسين المرافق وتجميلها، لا عن محوها بالكامل، موضحاً أن «هدم أصل تراثي مسجل يُعد مخالفة صريحة للقانون».

كما يشير إلى أن المحطة كانت تحتضن أشجاراً قديمة أُدمجت في تصميم المبنى خلال أعمال تطوير سابقة عام 2008، على غرار ما يحدث في المدن الأوروبية، حيث تُحافظ المباني على الأشجار كجزء من المشهد العمراني، لكنها أُزيلت هي الأخرى، وهو ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً».

وبيّن أن المطالبة الأساسية للنشطاء هي أن يتم مشروع تطوير الترام في إطار يوازن بين التحديث والحفاظ على التراث، بحيث لا يُجرف تاريخ الإسكندرية تحت شعار التطوير، فالمطلوب هو نموذج يدمج بين التقدم العمراني وصون الذاكرة الجمعية، ليبقى الترام ومعالمه جزءاً حياً من شخصية المدينة.

ويلفت المحامي السكندري إلى أن نزاعه القضائي لإلغاء مشروع تطوير الترام لا يزال منظورا أمام ساحات القضاء، مؤكداً أن «محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية أصدرت أمراً قضائياً باختصام رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري (التابع لوزارة الثقافة)، وإلزامه بتقديم مذكرة توضح طعونه واعتراضاته الفنية على القرار الخاص بالمشروع، وإلزامه بأن يكشف للمحكمة هل وافق فعلاً على هدم محطات الترام؟».

محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية (المحامي المصري محمد فتوح)

من ناحية أخرى، يؤكد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب المصري، الذي سبق أن قدم إحاطة برلمانية موجّهة إلى وزير النقل والمواصلات، بشأن وقف تشغيل ترام الرمل، لما أثاره من تساؤلات تتعلق بحماية المال العام والحفاظ على التراث، أن «أزمة الترام لا تتعلق بالإسكندرية وحدها، بل هي جزء من مشكلة أوسع تتمثل في طرح مشروعات التطوير دون مشاركة مجتمعية حقيقية أو مراعاة للبعد الشعوري للمواطنين أو حتى في تسويق مشروعات التطوير».

وأضاف حسن، لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب هذه المشاركة يجعل الأفراد يشعرون بأن هويتهم تُنتزع منهم، مشيراً إلى أن «مواطني الإسكندرية يرون في الترام جزءاً من شخصيتهم وهويتهم، وأن فقدان هذا المعلم التاريخي يُفسَّر على أنه انتزاع لجزء من ذاكرة المدينة»، موضحاً أن «المصريين بطبيعتهم مرتبطون بالتراث والهوية البصرية، لكن غياب الاعتبار لهذه القيم في مشروعات التطوير يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على أرض الواقع»، على حد تعبيره.

ويلفت إلى أن القيادة السياسية تتحدث عن أهمية الهوية البصرية، لكن التنفيذ على الأرض لا يراعي هذه الاعتبارات، وهو ما يفسر حالة الغضب الشعبي من هدم معالم تاريخية مثل محطة ترام بولكلي، مؤكداً أن الشعب المصري مرتبط بأرضه وتاريخه، وأي مشروع لا يضع هذا الارتباط في الاعتبار يظل مهدداً بفقدان ثقة الناس فيه.

كان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري قد أوضح في بيان خلال فبراير (شباط) الماضي، عدم صحة ما تردد حول إزالة ترام الرمل بشكل نهائي، لافتاً إلى «تأكيد وزارة النقل أن ما يجري هو تنفيذ أعمال إعادة تأهيل وتطوير للمشروع».

وبدورها، شددت محافظة الإسكندرية على أن مشروع تطوير «ترام الرمل» لا يستهدف إلغاءه بأي حال، وإنما يهدف إلى الحفاظ عليه وتطويره ليواكب متطلبات النقل الحديث، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، مؤكدةً أن جميع الدراسات والإجراءات التنفيذية تمت وتتم وفق أسس علمية وفنية دقيقة، وبمشاركة جهات استشارية دولية ووطنية متخصصة.

Your Premium trial has ended


اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.