تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية

المسؤولية تتقاسمها الأخطاء السياسية الاقتصادية... وسياسات صندوق النقد الدولي

تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية
TT

تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية

تحوّلات واحتجاجات على امتداد أميركا اللاتينية

«لن تتوقّف الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية طالما تصرّ الحكومات على خدمة مصالح حفنة ضئيلة، وعلى حساب الأكثريّة»... هذه هي الخلاصة التي وصلت إليها الباحثة السياسية التشيلية مارتا لاغوس، وهي من أبرز الخبراء في أوضاع أميركا اللاتينية، في الدراسة المفصّلة التي أعدتها أخيراً بتكليف من الأمم المتحدة حول سلسلة الاضطرابات الاجتماعية التي تعصف منذ فترة بدول أميركا اللاتينية، من أفقرها إلى أغناها.
واليوم تطول قائمة البلدان التي تجتاحها الاحتجاجات العنيفة والأزمات السياسية على امتداد رقعتها، فتزداد وتتسّع بشكل لافت وبسرعة منذ فترة، بغضّ النظر عن اللون السياسي الحاكم فيها. ونظراً لطبيعة الاحتجاجات الشعبية، ولتزامن هذه الاضطرابات مع عودة اليسار إلى بعض المواقع التي كان قد خسرها منذ أواخر العقد الماضي، ثمّة مَن يرى وراء هذا الحراك الشعبي الواسع يد النظام الفنزويلي، مدعوماً من كوبا وبعض الجهات الخارجية، كما لمّحت أخيراً مصادر رسميّة ويمينية في الإكوادور وتشيلي.
في الحقيقة، ليست سهلة القراءة في أسباب هذه الاضطرابات التي تعمّ منطقة تضمّ أكثر من 20 دولة ويعيش فيها 600 مليون نسمة، وتتفاوت كثيراً من حيث مستويات النمو بين بعضها. إلا أن القواسم المشتركة، في الوقت الحاضر، بين كل هذه الأزمات... هي الخيبات العميقة التي يشعر بها المواطنون والتطلعات الكثيرة التي لم تتحقق منذ عقود والفشل البيّن للسياسات الاقتصادية، وبالأخصّ الليبرالية منها، في إنهاض المجتمعات من الفقر وتوزيع الثروات، ناهيك عن السخط المتزايد على الطبقة السياسية وفسادها.
خلال الأسابيع الأخيرة وحدها، شهدت بوليفيا، المحكومة من رئيس يساري، مواجهات عنيفة بين أجهزة الأمن والمتظاهرين الذين كانوا يحتجون على انعدام نزاهة الانتخابات الرئاسية. وفي تشيلي، التي يحكمها رئيس يميني، خرج أكثر من مليون مواطن يطالبون بتوزيع عادل للثروات وتحقيق العدالة الاجتماعية. أما الإكوادور؛ حيث انقلب رئيسها على داعميه اليساريين، ليتبنى سياسات ليبرالية يمينية، فكادت تشتعل عندما قررت الحكومة إلغاء الدعم على أسعار المحروقات. وعبر الحدود، في البيرو، أعلن رئيس الجمهورية مارتين فيزكارّا، (يمين وسط) حل البرلمان بعد أزمة سياسية مديدة أسفرت عن انتحار رئيس سابق وسجن ثلاثة آخرين بسبب الفساد.
في هذه الأثناء، في جزر الكاريبي وأميركا الوسطى، خرج سكّان هاييتي غاضبين إلى الساحات احتجاجاً على الشحّ في المحروقات والنقص في المواد الغذائية، كذاك خرجت في هندوراس مظاهرات حاشدة تطالب الرئيس بالتنحّي بعد إحالة شقيقه إلى المحاكمة بتهمة الاتجار بالمخدرات في الولايات المتحدة. ومن ثم، فالأسئلة مفتوحة حول البلد التالي على قائمة الاضطرابات التي لا مؤشر على قرب نهايتها.
تقول الباحثة لاغوس، في دراستها التحليلية، إن «مشهد الاحتجاجات الشعبية العنيفة يتعارض، في ظاهره، مع تطوّر النظم الديمقراطية وترسيخها خلال العقد المنصرم في أميركا اللاتينية، قبل انفجار الأزمتين في فنزويلا ونيكاراغوا». وتؤكد أن المظاهرات لن تتوقّف في ظل ازدياد الاستياء الشعبي من أداء النخبة الحاكمة، وقلة التجاوب مع المطالب الاجتماعية «لأنه ليست الحكومات التي تفشل، بل هي الدول».
- ليس وليد المصادفة
انتشار الاحتجاجات الشعبية والأزمات السياسية في العديد من بلدان أميركا اللاتينية ليس وليد المصادفة، بل هو الثمرة الطبيعية لظاهرة اجتماعية متزامنة في هذه البلدان. ومردّه إلى أن الحكومات، في معظم الدول الأميركية اللاتينية التي نجت من تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، وحققت نمواً اقتصادياً مطرداً في السنوات العشر المنصرمة، لم تولِ الاهتمام الكافي لمعالجة الفوارق الاجتماعية الحادة التي كانت تعتمل في رحمها هذه الأزمات. بل، هي اكتفت بتمويه الفقر تحت قناع أرقام الاقتصاد الكلّي.
بداية هذه الاحتجاجات كانت في البرازيل؛ حيث يتوقّع المراقبون أنها لم تبلغ بعد ذروتها المرتقبة. ومن هناك راحت تنتشر بسرعة أمام انسداد آفاق التغيير، وارتفاع وتيرة المطالب الشعبية في مجتمعات منفتحة وواعية وقادرة على التواصل السريع وتنظيم صفوفها وتحركاتها. وراهناً، تتزامن هذه الاحتجاجات مع أفول النظم الديمقراطية، وانكشاف فشل النخب السياسية وعجزها عن تلبية المطالب الاجتماعية للمواطنين... الذين يطالبون أيضاً بديمقراطية أفضل، ويثورون على الفساد المتفشي في مؤسسات الدولة. ولقد بات واضحاً أن معدّلات النمو الاقتصادي المرتفعة وأرقام الاقتصاد الكلّي لم تعد كافية لتمويه إخفاق جميع الدول الأميركية اللاتينية، باستثناء الأوروغواي، في ضمان الحقوق الاجتماعية الأساسية لمواطنيها، مثل التعليم والعناية الصحيّة والأجور والمعاشات التقاعدية الكريمة.
وتفيد دراسة وضعتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية، أن 70 في المائة من مواطني المنطقة يعتبرون أن الحكومات تخدم مصالح أقليّة من المواطنين، وأن الفساد أصبح مستشرياً في معظم البلدان، ما يؤدي إلى تدمير الثقة بالنظم الديمقراطية. مع الإشارة، إلى أن الدراسة تفيد بأن المجتمعات لا تطالب بعودة الأنظمة العسكرية، بل بأداء أفضل للديمقراطية.
- من أخطاء الحكومات
من الأخطاء التي تقع فيها الحكومات أحياناً، أنها تتأخر أو تتلكأ، في استخلاص العِبرة من الاحتجاجات والتراجع عن مواقفها، أو المبادرة بحلول سريعة للمشكلات المتفاقمة. وكمثال، احتاج رئيس الإكوادور لينين مورينو، نحو 13 يوماً، قبل أن يدرك بأن عليه سحب قراره إلغاء الدعم على سعر المحروقات. والرئيس التشيلي (الثري جداً) سيباستيان بينييرا، تأخر سبعة أيام قبل أن يعتذر من مواطنيه، ويسحب حزمة التدابير الاقتصادية التي أشعلت فتيل الأزمة. ولا شك، في أن تراجع الحكومات أمام الضغط الشعبي يدفع بالجماهير نحو المزيد من الاحتجاجات، وذلك لعلمها بأن الاحتجاج هو السبيل الوحيد المتاح لإجبار الحكومات على التراجع وتحقيق المطالب.
ثم إن ما يميّز الأزمات التي تشهدها أميركا اللاتينية، في هذه المرحلة، أنها ليست ناجمة عن انعدام الحرّيات أو ضيق مساحات التعبير، كحال بعض بلدان العالم الثالث الأخرى. إذ إن الحريات السياسية والاجتماعية متوافرة، والمستوى الديمقراطي الذي بلغته المنطقة، خلال العقدين المنصرمين، لم تشهد مثله في تاريخها، باستثناء انتكاستين كبيرتين في فنزويلا ونيكاراغوا. غير أن هذه الحريّات لم تنتج أنظمة ديمقراطية فاعلة، بل، بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن التجاوب مع طموحات المواطنين وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
- معالم أزمة اليسار
ومن المفارقات اللافتة في هذه الأزمات أن الأحزاب اليسارية التي كانت منذ 10 سنوات تسيطر على الحكم من البرازيل إلى الأرجنتين، ومن بوليفيا إلى الإكوادور والأوروغواي، ناهيك من كوبا وفنزويلا، تتحمّل قدراً كبيراً من مسؤولية اختمارها... وفي طليعة الأسباب بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها، والفساد الذي استشرى على عهدها، وعجزها عن تجديد قياداتها ومواكبة التطور السريع في مجتمعاتها.
وحقاً، في معسكر اليسار، جدّد الرئيس إيفو موراليس، حكمه في بوليفيا بولاية رابعة حتى عام 2025، وفي الأرجنتين عادت الرئيسة السابقة كريستينا كيرشنر (البيرونية اليسارية)، نائبة للرئيس هذه المرة، بعد ولايتين لها وأخرى لزوجها... وحزمة من الملاحقات القضائية بتهم الفساد المالي وسوء استخدام السلطة، أدت إلى تمكن اليمين من تولي الحكم عبر موريسيو ماكري حتى هزيمته في الأسبوع الماضي. وفي الأوروغواي حافظت «الجبهة العريضة» (يسار) على السلطة التي وصلتها في عام 2005، لكن من دون قادتها التاريخيين مثل الرئيس الحالي تاباري فازكيز، وسلفه خوسيه موخيكا. وحالياً، تمتدّ هذه الظاهرة إلى بلدان يسعى فيها اليسار للعودة إلى السلطة وتجديد قياداته، مثل البرازيل وتشيلي، وأخرى يحكم فيها اليسار ويتخبطّ في أزمة خانقة مثل كوبا وفنزويلا.
رئيس الأوروغواي السابق خوسيه موخيكا، الذي كان رمزاً للنزاهة والمناقبيّة في الحكم والحياة الشخصية، أكد «أن تجديد القيادات اليسارية في أميركا اللاتينية حاجة ملحّة، لكنه بعيد الاحتمال في المستقبل القريب المنظور». ويعزو البعض ذلك إلى أن معظم القيادات اليسارية التي وصلت إلى سدّة الرئاسة أخيراً في أميركا اللاتينية، كانت تنتظر فرصتها منذ سنوات طويلة تعرّضت خلالها للقمع والاضطهاد وهزائم انتخابية متكرّرة. من هؤلاء، آندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي انتخب رئيساً للمكسيك في العام الماضي بعد محاولات ثلاث فاشلة، وفي البرازيل وصل لويس أيغناسيو لولا دا سيلفا إلى الرئاسة في محاولته الرابعة، بعدما كان زعيماً نقابياً، وأدخل السجن عام 1980 لتحريضه على إضراب إبّان الحكم العسكري. موخيكا، نفسه، أمضى 14 سنة في السجن، وتعرّض للتعذيب على يد النظام العسكري بسبب انتمائه إلى ثوّار «التوبامارو»، والرئيس البوليفي موراليس - وهو من شعب الآيمارا - أمضى سنوات في الاعتقال لكونه زعيماً لنقابة مزارعي الكوكا قبل أن يصبح أول رئيس من السكّان الأصليين لبوليفيا. أيضاً هوغو تشافيز، رئيس فنزويلا السابق الراحل والضابط السابق في الجيش، سُجن عامين لقيامه بمحاولة انقلاب في فنزويلا، ثم انتخب رئيساً لفنزويلا عام 1998 وحكم حتى وفاته في عام 2013.
هذه المسارات الطويلة والمتعرّجة حتى السلطة، جعلت من هذه القيادات المخضرمة الخيار الوحيد المتاح، وغدت كالشجر العتيق الذي لا ينبت شيء في ظلّه. وبالتالي، عندما وصلت هذه القيادات إلى السلطة، فإنه لم تعد تفكّر في استنباط الآليّات اللازمة لتجديدها، بل صارت الزعامات اليسارية أيضاً محصورة في شخص واحد، على غرار الزعامات الإقطاعية التقليدية في أميركا اللاتينية التي يطلق عليها مصطلح «كاودييو» (Caudillo)، فصار الشعب أكثر ديمقراطية من النُخب... بينما تلوّث اليسار أيضاً بفقدان الديمقراطية.
وحقاً، محاولات التجديد في قيادات المعسكر اليساري ما زالت خجولة جداً، ولا تعدو كونها خروجاً عن قاعدة راسخة، مثل انتخاب المرشّحة اليسارية عن حزب «التحالف الأخضر» كلاوديا لوبيز، منذ أسبوع رئيسة لبلدية بوغوتا، عاصمة كولومبيا، ثاني كبرى دول أميركا الجنوبية بعد البرازيل. ويشكّل وصول لوبيز إلى هذا المنصب، الذي يُعتبر الثاني من حيث الأهمية في البلاد بعد منصب رئيس الجمهورية، اختراقاً رمزياً لافتاً في بلد تتعاقب على حكمه النُخب السياسية، الليبرالية والمحافظة منذ عقود، خصوصاً أنها مثليّة جنسياً، بجانب كونها أكاديمية تنتمي إلى وسط اجتماعي متواضع.
في أي حال، معظم الأحزاب اليسارية في أميركا اللاتينية فشل، بعد وصوله إلى الحكم خلال العقود الأربعة الأخيرة، في إرساء سياسات اقتصادية وبرامج إنمائية تقلّص الفوارق الاجتماعية الصارخة التي تبلغ أرفع مستوياتها العالمية في هذه المنطقة. ونادراً ما تحققت على عهده إصلاحات تلبّي الاحتياجات الأساسية للطبقات الشعبية والعاملة. وبالنتيجة، انصرفت هذه الأحزاب في معظم الأحيان، لتغطية عجزها، إلى إلقاء اللوم على صندوق النقد الدولي والشروط التي فرضها ويفرضها ضمن برامج التعديل الهيكلي على اقتصادات المنطقة، كخفض العجز الضريبي عن طريق زيادة الضرائب، وإلغاء الدعم الرسمي على المواد الأساسية، وخفض أسعار العملات الوطنية.
ومع انتشار الاحتجاجات الشعبية، واتساع رقعتها في أميركا اللاتينية، لا بد من التذكير بأن الاضطرابات الاجتماعية كانت دوماً حاضرة في المشهد السياسي في هذه المنطقة. ثم إن ثمّة «ثقافة» تعبئة اجتماعية متجذّرة في هذه البلدان، يلجأ إليها المواطنون للضغط من أجل توسيع إطار الحرّيات العامة والحد من الفوارق الاجتماعية التي تبلغ مستويات قياسية في بلدان المنطقة.
أيضاً، تجدر الإشارة إلى أن هذه الاحتجاجات تتزامن مع تراجع في النمو الاقتصادي وتفاقم الأوضاع المعيشية. وتفيد تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية (سيبال)، بأن النمو الاقتصادي في المنطقة لن يتجاوز 0.2 في المائة عام 2020، مقابل 5.9 في المائة في آسيا، و3.2 في المائة في أفريقيا. كذلك، تفيد التقارير بأنه يعيش أكثر من 10 في المائة من سكّان هذه المنطقة في حال من الفقر المدقع، وهذه النسبة ترتفع باطراد منذ عام 2002، مع إصرار الحكومات، يسارية ويمينية، على تطبيق سياسات اقتصادية تعجز عن توفير فرص عمل إضافية، وتتجاهل ضرورة الحد من الفوارق الاجتماعية الصارخة التي تؤجج الاحتجاجات الشعبية، وتضرب صدقيّة النظم الديمقراطية ومؤسساته.
- دور صندوق النقد الدولي... وأخطاؤه ونجاحاته
> كان صندوق النقد الدولي يفرض شروطه الإقراضية على حكومات دول أميركا اللاتينية، يسارية كانت أو يمينية، لمواجهة الأزمات الاقتصادية الحادة التي كانت تؤدي إلى احتجاجات شعبية واسعة. وفي بعض الحالات إلى أزمات هدّدت الاستقرار السياسي في أكثر من دولة.
ومن الشواهد الأخيرة على ذلك، أزمة تشيلي، التي اندلعت في أعقاب إعلان الحكومة عن حزمة تدابير اقتصادية شملت رفع أسعار خدمات النقل العام، وأزمة الإكوادور التي نشأت عن قرار الحكومة إلغاء الدعم على أسعار المحروقات تلبية لشروط صندوق النقد، الذي انصبّت عليه الشعارات الاحتجاجية، مطالبة «بخروج» الصندوق من الإكوادور. ولقد ذكّر ذلك بأزمات سابقة، كتلك التي عاشتها فنزويلا مطلع تسعينيات القرن الماضي، والأرجنتين عام 2001، ونيكاراغوا في العام الماضي.
من جهته، صندوق النقد الدولي أقر بارتكابه أخطاء في تقديراته، وفي الشروط التي فرضها على بعض الدول الأميركية اللاتينية. ومن أبرز هذه الأخطاء ما حصل إبان الأزمة الأرجنتينية الكبرى مطلع العقد الماضي، عندما اضطرت الأرجنتين إلى إعلان أكبر عجز عن السداد في التاريخ النقدي بقيمة 93 مليار دولار أميركي، ما أدّى إلى أزمة اجتماعية وسياسية ما زالت أصداؤها تتردد إلى اليوم.
أيضاً، اعترفت إدارة الصندوق بأنها أخطأت في تقديراتها حول آفاق النمو الاقتصادي في الأرجنتين، وشروط سداد القرض، والتدابير التي فرضتها على السياسة النقدية، وبأن القرض الذي قدّمه الصندوق للأرجنتين من أجل دعم نظامها النقدي، كان من الأجدى استخدامه لتمويل برامج اجتماعية ومساعدتها على الخروج من هذا النظام الذي لم تعد قادرة على الاستمرار به.
وتفيد دراسة وضعتها دائرة التحليل الاستراتيجي في الصندوق، بأن القروض التي يمنحها «ليست هي أساس المشكلات التي تواجهها البلدان التي تلجأ إلى قروضه»، لكنها تقرّ بأن الصندوق لم يولِ العناية الكافية دائماً لتقويم كميّة ونوع الإصلاحات التي يفرضها. وهو ما أدى في بعض الحالات إلى تهميش فئات واسعة من السكّان، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وإضعاف شرعيّة النظم الديمقراطية.
وتذكّر الدراسة بأن صندوق النقد الدولي «لا يتدخّل إلا تجاوباً مع طلبات الحكومات التي عادة ترتكب الأخطاء نفسها، والتي تلجأ إلى صندوق النقد عندما تصل إلى شفير الهاوية، ولا يتبقّى أمامها سوى إعلان عجزها عن دفع رواتب الموظفين، وشلّ حركة الدولة».
ولكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أن ثمّة حالات كان تدخّل صندوق النقد الدولي فيها ناجحاً، وساعد على الخروج من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة. من هذه الحالات، في أميركا اللاتينية، تحديداً، القرض الذي قدّمه الصندوق بقيمة 30 مليار دولار أميركي للبرازيل في عام 2002، عندما كان هذا البلد غارقاً في القلق يتهيّأ لوصول اليساري «لولا» إلى الرئاسة. وساعد ذلك القرض - في حينه - على منع الانهيار النقدي والاقتصادي خلال المرحلة الأولى من انتقال السلطة، وبخاصة، بعدما اقتنع لولا بضرورة تعديل سياسته الاقتصادية وتحصين النظام النقدي في وجه أسواق المال.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.