تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً

ميزة «من الفم إلى الشاشة» تؤمن خدمات للطلاب والأطباء ورجال الأعمال

تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً
TT

تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً

تقنيات تحويل الأصوات إلى نصوص تزداد انتشاراً

يشتاق سام ليانغ لوالدته ويتمنّى لو أنّه يستطيع استعادة الأشياء التي كانت تقولها له عندما كان طالباً في المدرسة الثانوية. وعندما توفيت عام 2001 قال: «حقّاً أشتاق لها. لقد كانت لحظات ثمينة في حياتي».
هذا الأمر دفع بليانغ، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس في «أوتر»، إحدى شركات وادي السيليكون الناشئة، إلى وضع خطّة للتعامل مع هذه الأوضاع في المستقبل. وتقدّم شركته اليوم خدمة تساعد على تحويل الكلام إلى نص أوتوماتيكياً وبدقّة عالية. وقد بدأت هذه الخدمة باكتساب شعبية واسعة بين الصحافيين، والطلّاب، والمدوّنين الإلكترونيين، وموظفي الشركات.
تخزين الكلام
ساهم التحسّن الذي شهدته تقنية البرمجة الإلكترونية في تحويل تقنية نسخ الكلام إلى نص إلى حقيقة. فمن خلال تخزين كمّ هائل من الكلام البشري، أصبح بالإمكان تدريب برامج شبكات عصبية للتعرّف على اللغة المحكية بدقّة عالية تقارب 95 في المائة في أفضل الظروف. أضف إلى ذلك، يتيح تراجع تكلفة تخزين البيانات اليوم استخدام اللغة البشرية بطرق لم تخطر على بال أحد.
وشرح ليانغ، خرّيج الهندسة الكهربائية من جامعة ستانفورد وعضو الفريق الأساسي الذي صمم تطبيق «غوغل مابس»، أنّ «عمليات ضغط البيانات عزّزت إمكانية الاحتفاظ بالمحادثات الكلامية لشخص طوال حياته ودمجها في سعة 2 ترابايت، أي مدمجة بالقدر الكافي الذي يتيح وضعها على جهاز تخزين لا يتجاوز سعره 50 دولاراً».
خلال العقد الماضي، ساهم التقدّم السريع الذي شهدته تقنية التعرّف إلى الصوت في تطوير وانتشار أجهزة المساعدة الصوتية الافتراضية كـ«سيري» من آبل، و«أليكسا» من أمازون، و«غوغل فويس» و«كورتانا» من مايكروسوفت، وغيرها الكثير. هذا التقدّم نفسه يتوسّع اليوم ليشمل مجالات جديدة بدأت بالتأثير بشكل واضح على مجالات العمل.
ولكنّ هذه الأجهزة الصوتية المحمولة المصنوعة للاستهلاك تسببت في تصاعد مخاوف جديّة حول الخصوصية، فقد اعتبر مارك روتنبرغ، الرئيس والمدير التنفيذي في مركز معلومات الخصوصية الإلكترونية في واشنطن أنّ أجهزة الكومبيوتر تتمتّع بقدرة على تنظيم، واستغلال، وتقييم التواصل البشري أكبر بكثير من قدرة البشر. وقد عمد المركز عام 2015 إلى التقدّم بشكوى أمام هيئة التجارة الفيدرالية ضدّ سامسونغ، ادعى فيها أنّ تسجيل وتخزين المحادثات الذي تقوم به تلفزيوناتها الذكية يمثّل تهديداً جدياً للخصوصية. وأضاف روتنبرغ أنّ نسخ الكلام والمحادثات ينقل مخاوف الخصوصية إلى مجالات جديدة في المنزل والعمل على حدّ سواء.
من الصوت إلى النص
إنّ التطوّرات السريعة التي تحقّقت في سوق التحويل الآلي للصوت في السنة الأخيرة، تعكس احتمالات مذهلة وقريبة المدى على استخدامه في مجموعة جديدة وكبيرة من التطبيقات. فقد انطلقت مثلاً مع بداية الخريف حملة لتجهيز طلّاب جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس، الذين يحتاجون إلى مساعدة لتدوين الملاحظات (كأولئك الذين يعانون من مشاكل في السمع) بخدمة شركة «أوتر». وتمّ تصميم هذا النظام لاستبدال عملية تدوين الملاحظات الحالية التي يستخدمها الطلاب لتسجيل الملاحظات ونشرها لاحقاً.
وفي مايو (أيار)، عندما زارت ميشيل أوباما، السيّدة الأولى السابقة، حرم الجامعة على هامش احتفال بيوم التوقيع الوطني، تمّ تزويد الطلّاب الصمّ بنصّ آني لخطابها من إنتاج خدمة النسخ نفسها.
يقدّم «زوم»، نظام المؤتمرات المصوّرة، خيار نسخ الكلام إلى نص الذي تشغّله خدمة شركة «أوتر» لتزويد مستخدميه بنصٍّ آني لاجتماعات العمل، إلى جانب تسهيل تخزينها والبحث عنها عبر الإنترنت. تقدّم «أوتر» وغيرها من الشركات الكثير من الميّزات في خدماتها، وأهمّها إمكانية فصل وتسمية مختلف المتحدّثين في نسخة نصيّة واحدة.
وتعمد شركات أخرى كـ«ريف»، التي بدأت عام 2010 بتقديم نصوص مكتوبة من قبل موظفين للمحادثات بدولار للدقيقة، إلى تقديم خدمة نسخ آلية للمحادثات والخطابات بعشرة سنتات للدقيقة. في النتيجة، يبدو أنّ خدمة نسخ النصوص تتوسّع لتشمل مجالات جديدة، كعنونة محطّات اليوتيوب، وفيديوهات التدريب في الشركات، وشركات البحث السوقية التي تحتاج إلى نصوص من مجموعات التركيز.
يتيح نظام «ريف» لمستخدميه الاختيار بين ما إذا كانوا يريدون دقّة أعلى أو تحوّل سريع بتكلفة أقلّ، بحسب ما أفاد جايسن شيكولا، مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي، لافتاً إلى أنّ زبائنه يعتمدون أكثر فأكثر على النصوص التي تنتجها الآلات بدل نسخ أي خطاب أو محادثات من البداية. وقال شيكولا إنّه لم يعتقد يوماً أنّ خدمة النسخ الآلي للكلام ستؤدي يوماً إلى تقليص عدد القوى العاملة لديه، على الرغم من أنّ شركته تضمّ اليوم 40000 موظف ناسخ.
خدمات طبية
في المجال الطبي، تستخدم خدمة النسخ الآلي اليوم لتغيير الطريقة التي يسجّل بها الأطباء ملاحظاتهم. في السنوات الأخيرة، أصبحت أنظمة التسجيل الصحي الإلكترونية جزءاً من الزيارة الروتينية في أي عيادة، مما عرّض الأطباء للنقد بسبب تركيزهم على الشاشات والطباعة بدل الحفاظ على التواصل البصري مع المريض. ولكنّ شركات ناشئة كثيرة تقدّم اليوم خدمات نسخ تحفظ النصّ، وربّما الفيديو، من غرفة الفحص وتستخدم ناسخا بشريا أو كاتبا موجودا في مكان آخر، لتصحيح النصّ الآلي وإنتاج مجموعة «مرتّبة» من الملاحظات المسجّلة خلال زيارة المريض.
تعمل «روبين هيلث كير» واحدة من هذه الشركات في بيركلي - كاليفورنيا، على تسجيل زيارات العيادات بواسطة نظام نسخ آلي متصل بفريق عمل من «الكتبة» البشريين الذين يعملون في الولايات المتحدة، بحسب ما أفاد نواه أورهان، الرئيس التنفيذي للشركة. ومعظم هؤلاء الكتبة هم طلّاب السنوات الأولى في كليّة الطبّ، مهمتهم الإنصات لمحادثة الطبيب لإنتاج سجلّ كامل حول المريض خلال ساعتين من زيارته. يستخدم نظام «روبين هيلث كير» في جامعة كاليفورنيا - سان فرنسيسكو، وجامعة سان دييغو.
تعتمد شركة أخرى منافسة تعرف باسم «ديب سكرايب» في بيركلي أيضاً، مقاربة أكثر آلية لصناعة سجلّات صحية إلكترونية. إذ تستخدم الشركة محرّكات كلام كثيرة من تطوير شركات تقنية عملاقة كغوغل و«آي بي إم». لتسجيل المحادثات ووضع ملخّص للمعاينة، تتمّ مراجعته لاحقاً من قبل موظفين مختصّين.
افتقار إلى الدقة
من جهتهم، يؤكّد خبراء الكلام على أنّ أنظمة النسخ الآلية تزال بعيدة كلّ البعد عن المثالية رغم التقدّم الذي شهدته. صحيح أنّ النسخ الآلي قد يقدّم دقّة عالية تصل نسبتها إلى 95 في المائة، ولكن هذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلّا في أفضل الظروف وأكثرها وضوحاً، لأنّ هذه الدقّة قد تنهار بسبب لكنة مختلفة، أو سوء في وضعية ميكروفون، أو أي ضجّة في الخلفية.
تراهن الآمال المستقبلية في هذا المجال على بروز تقنية خطابية أخرى تُعرف بالمعالجة الطبيعية للغة، والتي تهدف إلى التقاط معنى الكلمات والجمل لتساهم في تعزيز دقّة أجهزة الكومبيوتر حتّى تصبح موازية للقدرات البشرية. ولكن في الوقت الحالي، لا تزال معالجة اللغة الطبيعية تمثّل واحداً من أكبر التحديات والعوائق في عالم الذكاء الصناعي.

- خدمة «نيويورك تايمز».



«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.