«زهور فان غوخ» تُحاذي السيرة لكنها تجنح للخيال

رواية السعودي مقبول العلوي لا تخلو من لمسات تشويق بوليسي

«زهور فان غوخ» تُحاذي السيرة لكنها تجنح للخيال
TT

«زهور فان غوخ» تُحاذي السيرة لكنها تجنح للخيال

«زهور فان غوخ» تُحاذي السيرة لكنها تجنح للخيال

يُعدّ القاص والروائي السعودي مقبول العلوي أكثر مجايليه ولعاً بالسِير الذاتية للأدباء والفنانين والمفكرين، فقد سبق له أن اشتغل على سيرة «الطائر الأسود ذي الصوت الجميل» في رواية «زرياب»، واستعاد محنة الحلاج وفاجعته المعروفة في رواية «طيف الحلاج»، وها هو اليوم يوظِّف السيرة الذاتية للفنان الهولندي فنسنت فان غوخ ويتعالق مع معطياتها التقنية والجمالية في رواية «زهور فان غوخ» الصادرة عن «دار الساقي» ببيروت.
لا تخلو «زهور فان غوخ» من لمسات بوليسية مشوّقة رغم أنها تبدأ بداية واقعية لكنها سرعان ما تقع في الفنتازيا وتحلّق بنا إلى فضاءات غريبة تقلب حياة الراوي العليم حميد وزوجته وفاء رأساً على عقب. تغطي الرواية أزمنة مختلفة لعلها تمتد إلى عام 1853. السنة التي وُلد فان غوخ في بلدة زونديرت الهولندية حتى 13-10-2017. وهو التاريخ الذي أنهى فيه مقبول العلوي كتابة روايته. أما الأمكنة فتغطي ست دول وهي السعودية ومصر وهولندا وبلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة، كما تتشعّب إلى مدن أخرى في البلد الواحد. يعمل الراوي، الذي سنعرف لاحقاً أنّ اسمه حميد، في شركة لصيانة السيارات في مكة المكرمة، وقد انتقل إليهم منذ ثلاثة أشهر موظف يُدعى فيصل لا يعرف أحداً في المدينة، وقد التمس من حميد أن يذهب معه إلى أحد «الحراجات» ليقتني الأثاث المستعمل ويهيئ المنزل قبل مجيء زوجته سارة، وهي ابنة عمه الذي كان يدرس في لندن، وتزوج من امرأة بريطانية أنجبت له بنتاً جميلة، باهرة القَسَمات. بينما كان فيصل منهمكاً في شراء قطع الأثاث عثر حميد على لوحة صغيرة يضم تكوينها مزهرية فيها زهور صفراء، ووردتين لونهما أحمر قانٍ، وبعد أكثر من مساومة اشتراها حميد بخمسة وعشرين ريالاً. استعار حميد سيارة صديقه فيصل فوجد في دُرجها ألبوم زفافهما وأخذ يقلّب صفحاته حتى انتقى صورة مغرية لسارة بابتسامتها العذبة، وجمالها الأخّاذ. دسّ الصورة في مجلة نسائية ثم وضعها في كيس بلاستيكي تاركاً إياه تحت أحد المقاعد المحطّمة في العِليّة. لم يمضِ وقت طويل حتى أخبره فيصل بأن اللوحة التي اقتناها بهذا الثمن البخس إنما هي لوحة «زهور الخشخاش» للفنان الهولندي فان غوخ وأن ثمنها يساوي ملايين الدولارات. عندها فقط دهمته المخاوف من سرقتها فأخذها إلى عليّة «الكراكيب» وخبأها في بطانة المقعد الجلدي بعد أن لصقه بالغُراء إلى أن يتدبّر أمر بيعها لأحد جامعي التحف الخليجيين. تتفاقم الأحداث حين يكتشف أن زوجته قد تبرعت بالأثاث المستعمل في العليّة إلى عائلة أبي فياض وزوجته العجوز وبعد جهد جهيد يستعيد اللوحة والصورة المثيرة لسارة. وكي يقطع الشك باليقين يراسل الدكتور مبارك صادق، أستاذ تاريخ الفن في الجامعة ليكتشف أن اللوحة أصلية وليست مزيّفة، فيبيعها حميد بمبلغ ثلاثة ملايين دولار لمشترٍ خليجي. (تتكرر عملية سرقة «زهور الخشخاش» من متحف محمد محمود خليل في القاهرة بعملية غامضة، ولا تزال اللوحة الأصلية مفقودة حتى لحظة الانتهاء من كتابة هذه الرواية).
لا يغطي العمود الفقري كل الأحداث التي تنطوي عليها الرواية، فما إن يأتي الراوي العليم على ذكر اللوحة التي يُظن أن غوخ رسمها عام 1887، أي قبل «مقتله» بطلق ناري بثلاث سنوات حتى تشتبك الأحداث وتتعشق الرواية بنسقَين سرديين آخرَين، الأول تدور أحداثه في القاهرة، والثاني في أربعة بلدان أوروبية. وفي كل نسق سردي خيالي ثمة أبطال جُدد إلى جانب فان غوخ الذي أخذت الرواية عنوان إحدى لوحاته المشهورة. ففي القاهرة ثمة شخصيتان وهما رؤوف سعيد، وزوجته الفرنسية إيملين. وبما أنّ ابنة رؤوف تحتاج إلى إجراء عملية استئصال الكُلية فيجد نفسه مضطراً للموافقة على سرقة لوحة «زهور الخشخاش» مقابل مبلغ مادي، وتسليمها إلى محسن الرمّال الذي أخذها بدورة إلى ابن خاله عمران، الطالب بكلية التربية في جامعة حلوان، وطلب منه إنجاز نسخة طبق الأصل من هذه اللوحة خلال أسبوع واحد لا غير. وضع محسن النسخة الأصلية في حقيبة شقيقه صلاح الذي يعمل أستاذاً مُعاراً في الكويت، وبينما هو يؤدي مناسك العُمرة إلى بيت الله الحرام فقد كل حقائبه، ولعل اللوحة الأصلية ذهبت إلى حراج المعيصم فاقتناها الراوي بريالات معدودة.
أفاد الروائي مقبول العلوي من السيرة الذاتية لفان غوخ واستثمر أحداثها على مدار النص مستعيداً كل المحطات الأساسية في حياة هذا الفنان الكبير منذ طفولته، وصباه، وأيام شبابه الأولى قبل أن ينتقل للعمل في لندن، ويستأجر غرفة عند أورسولا التي أحبها من طرف واحد لكنه وجد نفسه مشرّداً لأنه لم يستطع دفع الإيجار. فعاد إلى بروكسل كي يدرس هناك ويتعلم أصول الرسم لكن «الأكاديمية وصفت رسومه بالبدائية والضحلة»، فسافر إلى باريس التي كانت تحتضن أعمال الفنانين الانطباعيين أمثال رينوار، وكلود مونيه، وديغا، وسيسلي. ومع ذلك لم يرغب في البقاء بباريس فقرر الانتقال إلى الجنوب حيث الشمس الساطعة، والدفء الحميم، والبحر المفتوح على المدى الأزرق. وجّه الدعوة لغوغان فجاءه على السرعة، ومكث معه شهرين ثم غادر لأنه مزاجه لا ينسجم مع مزاج غوخ الكئيب والمتوحد فسقط على فراش المرض، وتناوشه الهذيان والجنون حتى قطع شحمة أذنه اليسرى قبل أن يطلق النار على نفسه من فوّهة مسدس لا يعرف أحد من أين أتى به. وبعد ستة أشهر توفي شقيقه ثيو وكانت وصيته أن يُدفن إلى جوار شقيقه الذي قال في إحدى رسائله «إن الحزن يدوم إلى الأبد».
نخلص إلى القول إن رواية «زهور الخشخاش» كتبها روائي محترف تتطور خبرته السردية يوماً بعد يوم، ويبدو أن تخصصه الدقيق في التربية الفنية قد ساعده في استلهام هذه «الرواية التشكيلية»، إن صحّ التعبير، لأنها قائمة على فكرة لوحة فنية معروفة يقف خلفها مبدع كبير تباع لوحاته الآن بعشرات الملايين من الدولارات، كما أنّ لغة الرواية سلسة جداً، وخالية من التزويق اللفظي، والتشبيهات المقعّرة التي تتعالى على القارئ. إنها رواية واقعية لكنها تجنح إلى الخيال، وتمنح القارئ فرصة لتغذية خياله أيضاً.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.