علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

حزنها على فقد والدتها تحول إلى طاقة إيجابية دفعتها للتحدى في عالم الطبخ

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
TT

علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها

تقول الحكاية إن الطهي يُذهِب الهم، وإنه «خِلٌ وفي» يمد يد العون لغريبٍ في الديار وضع الحزن في الجُرن، إلى أن يعود مليئاً بالحياة من بعد ذبول.
وتقول الحكاية أيضاً إن «المُنقذ» قد يأتي على شكل ملكة تتدخل في اللحظة المناسبة لتحتوي هشاشة إنسان من بعد غربة، فيزهر ويبني في نفسه ويُعبّد طريقاً للنجاح؛ حينها فقط سنفهم ما تقصده لعبة الحياة من طلعاتِها ونزلاتِها، وسندرك كيف تعقد امرأة رباط مئزرها بتثاقل بعد أن أمضت عاماً في الحداد، لتبدأ بالبسملة استعداداً لعمل «كيكة البطاطا الحلوة»، فيما ينبعث لحنٌ خافت من صوتها المُتعب «معسّلة يا بطاطا»، وهي مقولة شهيرة لباعة البطاطا في مصر؛ ثم تنشغل بمخبوزات القرع المحشوة بالجبن... ما هي إلا دقائق وبعدها فاحت من الفرن رائحة زكية؛ لم تتوقع صاحبة المئزر أن يتسللّ هرمون السعادة إليها؛ لقد رُدّت الروح إليها.
- ذكريات...
علا حسني، شابة إسكندرانية انتقلت مع أسرتها الصغيرة إلى مدينة دبي منذ خمس سنوات، وصارت صفحتها الشخصية على «إنستغرام» تحتفي ببديع الأطباق؛ حديث عابر مع «الشرق الأوسط» كان كفيلاً بمرور لقطات من شريط حياتها أعادتها إلى سنواتٍ خلت.
في طريق العودة من المدرسة إلى البيت، كانت تتساءل بحماس عن الطعام الذي ينتظرها وإخوتها اليوم. وحين وصلت إلى باب البناية، تبسمّت لأنها ميزّت رائحة طعام أمها، رغم أن أسرتها تسكن في الطابق الرابع. وحتى لو في الطابق العشرين، كانت ستعرفه من بين كل روائح الشقق، حتى أنها كانت تُخمن نوع الطبخة على وجه التحديد، إذا ما كانت ملوخية مع «ريحة الطشّة المفَحفحة»، بحسب تعبيرها، أم «تسبيكة» - معكرونة مع صلصة، أم أكلة جمبري وكابوريا من بحر إسكندرية.
إنه واحد من المشاهد الذي يتضح منه مقدار تأثر البنت بأمها التي وصفتها بالطباخة الماهرة في تحضير الأطباق المصرية التقليدية، بالإضافة إلى الجديدة منها والمبتكرة: «كانت أمي لا تملّ من تدوين الوصفات في دفترها الخاص».. قالتها بحنين مُطعّم بالشوق.
لطالما استمتعت علا بمساعدة والدتها في تحضير الحلوى؛ وتبوح لنا أن فرحتها كانت تبلغ أوجّها بفوزها بجائزة تشبه براءتها: «هل هناك أحلى من لَعق ما تبقى من كِريمة على المضرب اليدوي بعد خفقها!».. وكأن تلك الذكرى منحت مَرحها مناعة قوية.
تتذكر أولى مغامراتها: «فتحت دفتر حلويات أمي، واخترت وصفة السويسرول، وانطلقتُ خلسة في منتصف الليل إلى تحضيرها؛ لم أنجح حينها ولكن ست الحبايب عندما طلع الصباح بثّت الثقة في قلبي، كما لو كنت أفضل صانعة حلوى في العالم».
افترقت علا عن عائلتها، وانتقلت مع زوجها إلى دولة الإمارات، وبعد ثلاثة أسابيع فقط تلّقت خبر وفاة والدتها؛ كانت فاجعة ما أقساها، أدخلتها في حالة حزن واكتئاب استمرت لعام كامل. وبصعوبة أخذت تستعيد توازنها، بمساعدة زوجها، إلى أن اقتنعت بأن روح أمها ستكون مرتاحة إن كانت ابنتها سعيدة ناجحة في حياتها.
تقول: «تحول كل الحزن الذي بداخلي إلى طاقة إيجابية، ومضيت نحو شغف لا ينتهي من البحث عن فن تصوير الطعام بالدرجة الأولى، والتعرف على مستجدات عالم الطهي. ومن هنا، أخذت أربط بين حبي للمطبخ وشغفي بالرسم والألوان، ودراسة تقنيات هذا النوع من التصوير».
وفي بعض الليالي، بينما تستعد للنوم، يطير النعاس من عينيها، ما إن تعثر على وصفة جديدة. فتركض إلى المطبخ ركضاً. ويجدر بنا هنا قول كلمة «أيووه»، كلمة إسكندرانية تعبرّ عن الدهشة، فهذا الذي تسميه عشقاً وتعباً لذيذاً يسرى في عروقها، إلى درجة أنه إذ ما أعجبها شكل أو لون طبق تبدأ بالتفكير في الطبخة أو الحلوى التي تليق به، متخيلة اللوحة بكل أبعادها، عبر تدوين الملاحظات في دفترها، مع رسمها.
وتؤكد أن تحضير المائدة لزوجها وطفليها يقتضي منها إنجاز أعمال فنية رفيعة المستوى، وفق نظام تلتزم فيه بوصفات مصرية ليومين أسبوعياً، مثل الرز المُعمّر على الطريقة المصرية مع الملوخية أو الحمام المحشي: «أريد أن تظل هذه الروائح عالقة في ذاكرة أطفالي، تماماً كما بقيت رائحة خبز أمي لصيقة بي».
وتتشبث بمبدأ إظهار هوية الأطباق القديمة وأصالتها، مع إضافة لمسة عصرية، وذلك في إطار فخرها بالمطبخ التقليدي الذي ذكرت في سياق الحديث واحدة من طرائفه: «شهقة الملوخية تمسكت بها نساء مصر في الماضي. فعلى سبيل الدعاية، تناقلت الروايات أن سر لذة الملوخية في الشهق (إصدار صوت الشهيق المرتفع) عند إضافة (الطّشة) - الثوم المقلي - فوقها».
- مَعمل مثالي
كانت الإمارات بالنسبة لها «معملاً مثالياً» للتجريب، فقد حالفها الحظ بأن تقيم في دولة تعد قِبلة للمشاهد الطهوية العالمية، مما سهّل انفتاحها على هذا العالم، بالتعرف على ثقافات متنوعة ومكونات جديدة لم يسبق لها تجربتها، ممتنة لزوجها الذي كان لها خير سند في الارتقاء بطموحاتها.
سيدة العناد الجميل هي... لا تيأس أبداً من إتقان وصفة مهما كانت، ولا تدخر وسعاً في تطوير أدائها، عبر المشاركة في الفعاليات والمسابقات والدورات المتخصصة بالطهي، وتميل بشكلٍ خاص إلى الحلويات، ويحلو لها استخدام الفواكه فيها. أما تصوير الطعام، فقد قطعت شوطاً به بالتعلم اليومي لطرق التصوير الاحترافي، إذ لا تكف عن القراءة والتدريب، على أمل أن تحقق شيئاً يذكر.
عندما تزور مصر، يقوم والدها بواجب الضيافة بنفسه، فيصر على الطهي، مستعيناً بدفاتر طبخ زوجته المكتوبة بخطها، التي تصفها ابنتهما بالكنوز، وتأمل في أن تشكّل منها لائحة طعام حين يتحقق حلمها يوماً بافتتاح مطعم خاص.
سألت علا عن الأكلة التي لا تفرّط بتناولها بمجرد وصولها؛ لا يستدعي السؤال تفكيراً من وجهة نظرها: «أذهب من فوري إلى عربات سندوتشات الكبدة المحضرة على الطريقة الإسكندرانية مع الليمون والفلفل الأخضر الحار، ولا تفوتني عربات الفول؛ ريحته وطعمه غير أي فول في الدنيا».
سَلامها الداخلي تعيشه في مطبخها؛ ويالسعادتها حين تكون «كعكة الجزر» ضمن الأوركسترا؛ ولا تحرم صغيريها من نعمة مشاركتها لهذه الأوقات الرائعة، عندما تسمح لهما باللهو بالعجين، ليحضّرا معها المعكرونة المنزلية، فتفتح شهيتهما لتلوينها؛ تقول عن ذلك: «أحاول إدخال مكونات لا تروق لهما، مثل السبانخ والبنجر، وهنا يحدث السحر عندما يتناولان ما حضرّاه بيدهما، من دون اعتراض على المكونات غير المرغوبة».
- خيراتٌ وبدائل
تقيم هنادي برهوم في الفلبين منذ ثلاث سنوات، حيث الطبيعة الساحرة النقية، لكن ذلك لم يُطفئ الحنين إلى بلدتها عين رأفة؛ تبعد 15 كم عن مدينة القدس.
جولة بين الصور التي تنشرها هنادي على صفحتها الشخصية على موقع «إنستغرام» تكفي لإخبارك بمستوى الحس الفني الراقي الذي تتمتع به في تحضير الطعام، وتصويره بأناقة لافتة، بعد أن وجدت فيه تسلية تُخفف عنها غربتها.
تُرجع الزمن إلى الخلف، ثم تبدأ حديثها: «حديقة عائلتي في القدس منبع لا ينضب لذكرياتي مع الطعام، فقد منّ الله علينا ببستان عامر بمختلف أنواع الأشجار، منها العنب والتفاح والكرز، بالإضافة إلى الخضراوات الموسمية؛ أتحدّث الآن معكِ فيما يمر بخاطري ورق العنب والبندورة الحلوة؛ إنني أشتهيهما بشكلٍ غريب».
وتتذكر كعك القدس بقولها: «طعمه ليس لذيذاً وحسب، إنه يسكب الذكريات سكباً».. خرجت منها الكلمات بعفوية ومحبة في أثناء استرجاع شريط الطفولة، حين كانت تشتريه مع صويحباتها قبل بدء اليوم الدراسي، وبعد انتهائه، ليُسكت الكعك جوعهم بشكلٍ جميل.
تحكي هنادي لـ«الشرق الأوسط» كيف غيرّ الطهي حياتها: «لقد ملأت الموهبة فراغاً كبيراً، لا سيما أني عشت وحيدة لفترة طويلة، من دون أصدقاء أو عائلة، ولولاها ما أدركت أن الطعام وسيلة جيدة للتعرف على أشخاص من خلفيات ثقافية عدة في العالم الافتراضي، وقد أصبح بعض منهم أصدقاء في الواقع؛ لقد آمنت أن الطعام يقرّب بين الناس».
«الشابة المقدسية» التي تعيش تجربة جديدة في أقاصي المعمورة تخبرني أن مَهمة التسوق تقع على عاتقها، فانتقاء أطيب المكونات يتطلب مهارة في فحصها ولمسها وشمها. وفي ثنايا حديثها، تبين لي أن أنواع الخبز في الفلبين ضئيلة وحلوة المذاق، وهذا بطبيعة الحال لا يناسب ربة بيت عربية، مما اضطرها إلى تدبر الأمر بالخَبز في المنزل، لتخرج من أعماقها مَلكة اسمها الإبداع في المخبوزات، كما باتت تُحضرّ اللبن الطازج بنفسها، نظراً لعدم توفر منتجات الحليب بجودة عالية. وتحت ضغط الخيارات التي تلزم بعض الوصفات الشعبية، اكتسبت خبرة في إيجاد البدائل؛ «المجدرة» على سبيل المثال تطهوها ببقوليات اسمها مونجو، بدلاً من العدس. وفي المقابل، تتمسك بالخيارات الصحية، فتستخدم زيت جوز الهند وسُكرّه أيضاً.
ومع أن طبيعة الفلبين الفاتنة تجذب السياح، فإن هذا البلد مع الأسف لا يستغلّ خيراته بشكل صحي، وفق ما تؤكده السيدة الفلسطينية بتطرقّها إلى نقطة جوهرية في أسلوب طهي الفلبينيين، يبدو في إطارها أن مقارنة غير مقصودة ترجح لصالح بني جَلدتها، قائلة: «في ظل العولمة، ألاحظ تسارعاً محموماً نحو مطاعم الوجبات السريعة التي تنتشر هنا، مما يرفع من معدلات السمنة والوزن الزائد عند السكان المحليين، ولا عجب في ذلك ما دام أن القلي يستهويهم، ناهيك عن إضافة كميات غير معقولة من السكر إلى جميع وصفاتهم».
ومن اللطيف أن مائدتها الشرق أوسطية تستضيف المدعوين إلى منزلها بكل ترحاب بُغية تعريفهم على الطعام الفلسطيني. ففي مأدبة العشاء التي أقامتها مؤخراً، التهم ضيوفها المقلوبة، وصارت أثراً بعد عين. ومن هذه الجلسات، سجلّت ملاحظة استرعت انتباهها: «استخدام البهارات شيء جديد بالنسبة للمحليين، إذ يندر أن يضيفونها إلى أكلاتهم، في حين أن المُنكهات والملونات الصناعية حاضرة على الدوام».
«ماذا تفعلين عندما تزورين القدس؟»... ترد على سؤالي: «أسارع عند وصولي إلى تناول الحمص، ومن ثم الكنافة، علّني أروي جزءاً بسيطاً من عطشي إلى وطني. وقبل العودة إلى الفلبين، أشتري (مُونتي)، بما تتضمنه من بهارات وزعتر ومواد غذائية يصعب إيجادها هناك».
وتطوّر هنادي من أدائها بالالتحاق بدورات قصيرة تختص بتعليم الطهي، ويبدو أن أسفارها حول العالم أغنت ذائقتها الطهوية، لا سيما أنها لا تتوقف عن التعرف على عادات وطرق الطهي في كل مكان جديد تزوره، لتغنم منه بأنواع توابل مختلفة، ومما سرّها حين تجولت في دول شرق آسيا اهتمام شعوبها بـ«المونة»، كحال الفلسطينيين، بتجفيف وتخليل أطعمة كثيرة لديهم، مثل السمك والمأكولات البحرية وأنواع مختلفة من الخضراوات، وفقاً لكلامها.
ألذ أنواع الكعكات تُحضرّها من فاكهة المانجا التي تفيض بها الفلبين، لتسعد صغيرتها التي صارت تشبه أمها في حبها للمطبخ، مع العلم أن أهل هذه البلاد يتناولون المانجا الخضراء، أي قبل نضوجها، مع رش قليل من الملح، مما يذكرّها بموسم اللوز الأخضر والجانرك (البرقوق الأخضر) بفلسطين.
وليس غريباً أن صديقات هنادي في القدس ينتظرن قدومها على أحر من الجمر، ويتفقن معها سلفاً لتطهي لهن ما لذ وطاب، فيأتي ردها: «مَرحى لنا... يبدو أننا سنقضي الوقت كله في المطبخ».


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)


«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
TT

«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

تفاجئ مدينة فيينا الساحرة بالتاريخ، والثقافة، والموسيقى والعمارة، والطبيعة الخلابة زوارها هذا العام من خلال إبراز جانب آخر يتمثل في مشهد الطهي المتجدد. فمن خلال حملة فيينا بايتس «Vienna Bites»، تدعو العاصمة النمساوية الزوار لاكتشاف مطاعمها التي تكرّم التقاليد، وتحتفي بروح الأصالة.

غالباً ما يُختصر المطبخ الفييني في أشهر رموزه، مثل الشنيتزل، والشترودل، ولا شك أن لهما مكانتهما. غير أن هذه الأطباق تشكّل جزءاً من تجربة أوسع، وأكثر ثراءً. فمن 18 مطعماً حائزاً على نجمة ميشلان، إلى أحياء البيسلن الدافئة (البيسترو النمساوي)، وصولاً إلى أكشاك النقانق، وثقافة المقاهي المدرجة على قائمة اليونيسكو، تقدّم فيينا مشهد طهي متكاملاً يعكس عمقها، وتنوعها، ويرسّخ مكانتها كوجهة عالمية لعشّاق الطعام.

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

تعتمد هذه المدينة نهجاً مستقلاً في صياغة مشهد الطهي فيها، بعيداً عن اتباع الاتجاهات العالمية، مع تركيز واضح على إبراز هويتها الخاصة بثقة، ووضوح. وتفتخر فيينا بتفرّدها، حيث يشكّل الابتكار جزءاً أصيلاً من تجربتها. وفي عام 2026، تتجلى هذه الهوية كمنظومة متكاملة تعكس عمق المدينة، وتطوّرها، مقدّمة تجربة تتوجّه بشكل مباشر إلى مسافري دول مجلس التعاون الخليجي الباحثين عن آفاق جديدة، وتجارب طعام متجددة.

تشتهر فيينا بمطاعمها ومقاهيها التاريخية (الشرق الأوسط)

تحتضن فيينا مشهد طهي متنوعاً يضم نخبة من المطاعم الراقية، من بينها مطعم جلاسينغ آت ذا اماريوس الحاصل حديثاً على نجمة ميشلان، والذي يقدّم تجربة أنيقة تعكس روح الضيافة الفاخرة في المدينة. وفي أجواء راقية تتزيّن بأعمال فنية أصلية من مجموعة عائلة المالك، حيث يقدّم الشيف ألكسندرو سيمون رؤية معاصرة للمطبخ النمساوي، ويوازن ببراعة بين النكهات الكلاسيكية والتقنيات الحديثة. بينما في مطعم هيرزيغ «Herzig» الحائز على نجمة ميشلان، يقدم الشيف سورين هيرزيغ تجربة طهي دقيقة تتسم بالابتكار والأصالة، مع اهتمام استثنائي بأدق التفاصيل. يقع المطعم بعيداً عن صخب وسط المدينة، في موقع هادئ يضفي على التجربة طابعاً خاصاً، ليشكّل وجهة تستحق الاكتشاف وتكافئ زوّارها بتجربة فريدة بكل المقاييس.

المطبخ النمساوي مميز بأطباقه التقليدية (الشرق الأوسط)

ويبرز هنا جانب مختلف، ولا يقل أهمية عن مكانة فيينا في مشهد الطهي، في مطعم جموكيلر، حيث يقدم المطعم وجبة الـ«بيسل» المحبوبة في الحي الثالث والتي تعتبر جزءاً أصيلاً من المشهد الغذائي في المدينة منذ عام 1858، حيث يجسّد روح التقاليد النمساوية العريقة. حيث تعكس التصاميم الداخلية للمطعم وتهيّئ الأرضيات الخشبية الأصلية والألواح الدافئة أجواء حميمة تبرز الطابع الكلاسيكي للمكان، ويقدّم قائمة غنية بالأطباق النمساوية التقليدية، وأبرز الأطباق الفيينية. ومن بينها توست نخاع العظم مع المرق الساخن، وزلابية الميرمية، وبريوش كبد الإوز، في تجربة تعكس بساطة المطبخ المحلي وعمقه في آنٍ واحد.

تتميّز فيينا بثقافة المقاهي المتجذّرة، والتي تتجاوز كونها مجرد فضاء تقليدي أو تجربة عابرة. فهي جزء أصيل من إيقاع الحياة اليومية، ومساحة اجتماعية تنساب فيها اللحظات بهدوء، وتتعمّق فيها الحوارات، في انعكاس واضح لروح المدينة وثقافتها.

روز بار سنترالا من أقدم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

يتصدّر هذا المشهد مقهى فراونهوبر، أقدم مقهى في فيينا، الواقع داخل مبنى يعود إلى القرن الرابع عشر، والذي قدّم القهوة لأكثر من قرنين، واستضاف عروضاً لموزارت، وبيتهوفن. وفي المقابل، تعكس شركة «جوناس رايندل كوفي روسترز» الوجه المعاصر لثقافة القهوة، من خلال تحميصات صغيرة تُقدَّم في مساحات هادئة وبسيطة.

أما مقهى شوارزنبرغ، الذي يعود تاريخه إلى عام 1861، فإنه يجسّد الفخامة الفيينية الكلاسيكية، حيث لا تُقدَّم القهوة بمفردها، بل ترافقها المعجنات ووجبات الإفطار الغنية كجزء من طقس يومي متكامل.

ويمتد هذا التنوع إلى مقهى كاندل في الحي السابع الذي يقدّم لمسة مبتكرة قائمة على المطبخ النباتي، ومقهى روزي بيزل الحائز على تقييم «بيب غورمان» والذي يدعم الطهي التقليدي للمنتجات النباتية، ويقدم مجموعة واسعة من المشروبات والبدائل غير الكحولية، إلى جانب مقهى وروزبار سنترالا في الحي العشرين المعروف بقوائمه الموسمية، ونكهاته المستوحاة من أوروبا.