صورة الآخر الإسرائيلي

قراءة في رواية «جنين 2002» لأنور حامد

صورة الآخر الإسرائيلي
TT

صورة الآخر الإسرائيلي

صورة الآخر الإسرائيلي

مع التغيرات التي طالت مؤخرا نظرة العرب للقضية الفلسطينية، والتبدل الحاصل في الموقف الشعبي من فكرة المقاومة في شكلها «الحمساوي»، الإسلامي، خلال الأسابيع السبعة الأخيرة من العدوان على قطاع غزة، ربما باتت الفرصة مواتية لمراجعة تجسيد صورة الآخر الإسرائيلي في الثقافة العربية المعاصرة أيضا، وخاصة تناول الرواية لتلك الصورة، باعتبارها أكثر التجليات الثقافية رواجا، بعد الدراما التلفزيونية.
في روايته «جنين 2002» (2014، المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يتناول الروائي الفلسطيني أنور حامد، حادثة اجتياح الجيش الإسرائيلي لمخيم جنين الواقع في الضفة الغربية في أبريل (نيسان) 2002، والعملية العسكرية الوحشية التي دارت في أعقابها على امتداد أكثر من عشرة أيام.
تدور أحداث الرواية حول شخصية «ديفيد أشكنازي»، المجند الشاب الذي يشارك في عملية اجتياح المخيم. وأثناء تفتيش أحد البيوت، يعثر ديفيد على مذكرات صبية تدعى «أريج الشايب»، دونتها خلال فترة حصار الجيش الإسرائيلي للمخيم. يعمل ديفيد، لاحقا، على ترجمة مذكرات أريج إلى العبرية، فتفجّر في داخله مجموعة من الأسئلة تطال مباشرة معتقداته ومفاهيمه للوطن والهوية، أي ما كان بالنسبة له من المسلمات، لتقوده في نهاية المطاف إلى العزلة ومن ثم الانتحار. يتشارك البطلان «الضدان»، سرد الأحداث، فنصف العمل يدور في رأس المجند الشاب، والنصف الآخر يحضر من خلال دفتر مذكرات الفتاة الفلسطينية التي تقرر أن توثق يوميات الحصار.
من حيث المبدأ، نحن أمام عمل أدبي دسم. فالموضوع يشكل نقطة مهمة من تاريخ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والبنيان السردي واعد: فلا راو عليم يفسد على القارئ متعة البحث والتحليل والاستكشاف، ولا بطل أوحد يستأثر بمهمة الحكي. على العكس، ومن الجانب النظري، فالبنية المتوازنة للعمل، من ناحية توزيع الأدوار بالتساوي بين ديفيد وأريج، تعد بنوع من التكافؤ في الأصوات الروائية، الأمر الذي يصعب تحقيقه في النصوص الأدبية التي تعالج الصراعات الكبرى والقضايا الإشكالية.
إلا أن القارئ، وبعد تجاوز الصفحات الأولى، يصاب بنوع من الدوار، ذلك أن ميزان حامد السردي سرعان ما يباشر التأرجح. فمن المستغرب حقا أن يُقدم كاتب فلسطيني الآن، وبعد مضي أكثر من ستة عقود على احتلال فلسطين، على تصوير الآخر الإسرائيلي بهذه العجالة، لا بل حتى السطحية. إذ إن تجسيد الكاتب لشخصية ديفيد جاء مطابقا لصورة الإسرائيلي النمطية الراسخة، للأسف، في المخيال العربي الشعبي: شخص محدود التفكير يعيش داخل فقاعة آيديولوجية كفيلة بأن تعزله كليا عن واقع فلسطيني لا تفصله عنه سوى بضعة أمتار.
ففي اليوم الأول لاقتحام القوات الإسرائيلية مخيم جنين، وأثناء تفتيشه أحد المنازل، يندهش ديفيد حين يعثر داخل إحدى الغرف، على بعض الثياب الملونة، «توحي بأن نشاطا ما كان يدور هنا، نشاط غير عسكري. غريب!» (ص 54). ولدى إدراكه بأن بروفات مسرحية كانت تجرى في المنزل، يقول ديفيد بسذاجة: «لم يكن يخطر ببالي أن سكان المخيم يمارسون نشاطات كهذه». (ص 54).
في الواقع لا أدري ما الذي حدا بحامد لأن يرسم مثل هذا المشهد. وهل يعقل أن ديفيد، أو أي مجند إسرائيلي آخر، بهذا المستوى من العزلة، لا بل الغباء، لدرجة عدم معرفته فيما إذا كان أبناء المخيم يمارسون غير الأنشطة العسكرية؟ أيعقل لشاب في زمن الفضائيات والإنترنت، في أوائل الألفية الثالثة، أن يجهل طبيعة وعادات البشر القاطنين في المدينة المجاورة، حتى وإن كانوا أعداءه الفلسطينيين؟
لا تبدو التحولات التي تطرأ على شخصية ديفيد، بعد كل ما شاهده في المنزل مقنعة بدورها. فما شاهده داخل الغرفة، يقول ديفيد، كان كفيلا بأن «استعدت شيئا من وعيي الإنساني» (ص 55)، الأمر الذي جعله ينظر إلى «المكان (المخيم) بشكل مختلف». (ص 55). سذاجة ديفيد لا تنتهي هنا، فعند رؤيته صورا فوتوغرافية تعود لأصحاب المنزل، يعبر عن دهشته، إذ هي المرة الأولى التي يدرك فيها أن البيت الفلسطيني «فيه أيضا حياة عادية، تشبه حياتنا. فيه ناس يتناولون وجباتهم ويتبادلون الأحاديث، يزورون الجيران ويحتسون القهوة عندهم». (ص. 55) وكأنه اكتشف للتو، قبيلة بدائية على ضفاف الأمازون!
ولو اكتفى حامد بتصوير التمزق الداخلي للشخصية الإسرائيلية، ما بين ولائها للأجهزة الأمنية وماكينتها الدعائية التي تروج لفكرة أن «منفذي الكثير من العمليات الإرهابية الأخيرة (في إسرائيل) من جنين» (ص 51) وبين رفضها المشاركة في «هدم بيوت على رؤوس أصحابها»، أي لو جاء التركيز على معضلة البطل الأخلاقية لحظيت الشخصية بقبول أكبر، خصوصا أن الرؤية لدى الأفراد، تتداخل أثناء الصراعات، ويصعب التمييز بين الحدود الفاصلة، هذا إن وجدت، بين البياض والسواد. ولكن للأسف، يقع حامد في شراك الصورة النمطية للإسرائيلي الأمر الذي يؤدي إلى قيام الشخصية بتصرفات ساذجة.
طبعا نقطة التحول التي تنقل ديفيد من العتمة إلى النور، وتجعله يعيد النظر بموقفه من القضية الفلسطينية، تأتي مباشرة بعد عثوره على مذكرات أريج التي تشكل ذروة الحدث الدرامي التي تتحكم بخيوط العمل، وتسحبه بالاتجاه الذي يريده الكاتب. يقول ديفيد: «لاحظت أنها تقبض بيدها على شيء. كانت تمسك بكراسة مدرسية، عليها بقع دماء. كانت كأنها تحتضنها. هل كانت تعد واجباتها المدرسية؟ حاولت انتزاعها برفق. تمكنت من ذلك بصعوبة. تصفحت الكراسة. ما هذا؟ ليس هذا دفتر واجبات مدرسية. نص عربي، حاولت القراءة. أستطيع قراءة الخط العربي المطبوع، لا خط اليد، مع ذلك واصلت المحاولة. بدأت أتبين بعض الكلمات. غير معقول!! يا إلهي! هذه الفتاة كانت تكتب يومياتها! في أثناء القصف. أنا الآن في مواجهة أنا فرانك أخرى. أنا فرانك الفلسطينية» (ص 57).
من الأمور التي تؤخذ على العمل، الإيقاع السريع للأحداث. فحامد لا يعطي المشهد حقه من المسافة الزمنية، بما في ذلك المشاهد المفصلية. فهل يعقل أن يُمنح مثل هذا المشهد 78 كلمة فقط من أصل صفحات الكتاب التي تتجاوز الـ200؟ حتى إن سرعة البطل بالمقارنة بين أريج و«أنا فرانك» تحتاج إلى فطنة وسرعة بديهة تتناقض مع حجم السذاجة التي أظهرها طيلة العمل.
ليست هذه كل ما واجه ديفيد من أحداث في «أوديسته» عبر المخيم. في أحد البيوت، يعثر ديفيد على صحن فيه بعض من مربى المشمش، الطبق الذي يغير نظرته تجاه ساكني البيت الذين تفترض ثقافته أنهم إرهابيون، بينما هم أناس عاديون. يقول ديفيد: «أحسست بالجوع. داهمتني رغبة بتذوق مربى المشمش. غمست إصبعي بالطبق ولحسته. كان لذيذا. لا بد أن تلك المرأة المسجاة في الغرفة الأخرى كانت طاهية ماهرة. غمست إصبعي مرة أخرى، أحسست بشعور غريب» (ص57).
فصورة الإسرائيلي في هذا المشهد المفصلي هي استجرار لـ«كليشيه» مسطح يفتقد إلى أي عمق. وتجسيد ديفيد هو أقرب إلى التمثيل الطفولي للشخصيات. ديفيد، الذي فيما بعد تتكشف الجوانب الإنسانية من شخصيته، يبدو هنا ككائن متوحش يقتحم البيوت ويقتل أصحابها ومن ثم يتناول طعامهم. فالقارئ أمام مشهد كاريكاتيري مبسط، مرسوم بالأبيض والأسود، قد يصلح لوحة ضمن قصة لليافعين لا أكثر.
بالعودة إلى موضوع الطعام، تستحوذ المأكولات على حيز واسع من الكتاب تترك انطباعا لدى القارئ بأن ما بين يديه هو كتاب عن فنون الطبخ. ذلك أنه، وبخلاف كل التوقعات، يجد نفسه أمام عمل يسلط الضوء على تفاصيل جانبية غير منطقية في ظروف القتل والدمار. فعلى سبيل المثال، نقرأ في مذكرات أريج، أن الفتاة بعد أن وجدت نفسها وحيدة في بيت جدتها التي قتلت جراء القصف، شغلت نفسها بأمور الطبخ. مباشرة بعد مقتل جدتها أمام عينيها تصدمنا أريج بالتفكير فيما ستأكل أثناء الحصار، فتستعرض في ذهنها محتويات مطبخ جدتها «العامر» بـ«المشمش والعنب والسفرجل.. وكبيس الخيار.. والمقدوس من الباذنجان والفلفل» حيث «تحشي الأول بالجوز والثوم والثاني بالبندورة والبقدونس» (ص 89).
بعد مرور أيام على الحصار، وعلى الرغم من اضطرار أريج إلى التقنين بمحتويات المطبخ، تشعر الفتاة برغبة في تناول «الجبنة النابلسية»، وتتساءل بكل برود، بينما تتكوم جثة جدتها في الغرفة المجاورة: «ترى لماذا يسمونها جبنة نابلسية؟».
قد يقول البعض إن حامد استطاع أن يعرض للأحداث اليومية للمخيم التي غالبا ما تُعرِض عنها نشرات الأخبار. لا بل قد يجادل البعض الآخر بأن الروائي قد نجح في تقديم شخصية فلسطينية متحررة من الصورة النمطية للإنسان الفلسطيني، اليساري أو الإسلامي، ذلك أن أريج، الفتاة المراهقة التي تحب ابن الجيران عارف، والمولعة بالحياة والرقص مع الأصدقاء في حفلات عيد الميلاد تمثل محاولة جادة من قبل حامد لتقديم الإنسان الفلسطيني العادي المحب للحياة، المُعرِض عن جميع أنواع العنف والصراع. لكن تبقى أريج شخصية غير مقنعة، وتساؤلاتها الساذجة حول الطبخ، خصوصا إذا ما قيست بحجم المأساة التي حلت بالمخيم، مهينة لعقل القارئ وذائقته أيضا.
رواية «جنين 2002» تضعنا أمام تساؤلات جدية حيال القصور الظاهر في تجسيد صورة الآخر الإسرائيلي في الرواية العربية المعاصرة. من ناحية أخرى، فإن تجدد المواجهة مع قوات الاحتلال تحتم علينا كقراء أن نمارس دورنا عبر المساءلة المستمرة وإعادة التقييم للأعمال الأدبية التي تعالج الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، سعيا للارتقاء بأدوات التصوير السردي للآخر الإسرائيلي وتجاوز القوالب الجاهزة التي وضعت أساسا لإرضاء غرورنا بعد أكثر من نصف قرن من الهزائم.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.