هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب

«صديق» موسكو الذي فرض حزبه على المجتمعين المحلي والأوروبي

هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب
TT

هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب

هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب

داخل شقة بدت متواضعة في جزيرة إيبيزا الإسبانية المشهورة بحفلاتها الصاخبة، جلس زعيم حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف هاينز كريستيان شتراخه مسترخياً على أريكة واسعة. إلى جانبه جلست سيدة شقراء جميلة تتحدث الروسية والقليل من الإنجليزية. وفي الغرفة معهما أشخاص آخرون من بينهم رفيق شتراخه في الحزب، يوهان غودينوس، يتحدث الروسية إلى جانب لغته الأم الألمانية. كان غودينوس يترجم أحياناً، وأحياناً أخرى يترك العمل للمترجم الذي يرافقهما. لا شيء في شكل هذا اللقاء كان يدل على أنه «لقاء عمل». فشتراخه وصديقه ما كانا يرتديان بدلات رسمية، بل ظهرا في ثياب عطلة، وأمامهم كانت طاولة كبيرة مليئة بزجاجات الشراب والكؤوس.
ولكن بين الضحك أحياناً، والوشوشات بين السياسيَّين النمساويَّين أحيانا أخرى حول جمال ضيفتهما الروسية، كان الحديث أخطر من ذلك. كان الرجلان يناقشان كيفية مساعدة هذه الروسية المفترض أنها فاحشة الثراء، وحفيدة أحد «الأوليغارش» الروس المقربين من الرئيس فلاديمير بوتين، على استثمار الملايين في النمسا. ولقد عرض شتراخه أن تشتري السيدة صحيفة «كرونن تسايتونغ»، كبرى الصحف النمساوية، بهدف مساعدة حزبه على الفوز بالانتخابات العامة التي كانت ستجري بعد أشهر قليلة. اللقاء حصل عام 2017، وخلاله عرض الزعيم المتطرف على محدثته كذلك تقديم هبات مالية كبيرة لحملته الانتخابية من دون تسجيلها بشكل رسمي. وهي أرادت، في المقابل، عقوداً تجارية تزيد من ثرائها. وبعد أشهر قليلة من هذا اللقاء الذي استغرق 7 ساعات، أصبح شتراخه نائباً للمستشار النمساوي، وصار حزبه شريكاً أساسياً في حكومة سيباستيان كورتز.

الذي كان بطله هاينز كريستيان شتراخه بعد سنتين من الحكم، ظهر شريط لهذا اللقاء بعدما جرى تسريبه لصحيفة «سود دويتشه تسايتونغ» وموقع «شبيغل أونلاين» (التابع لمجلة «در شبيغل») الألمانيين. وأصبح واضحاً في هذه اللحظات أن ذلك اللقاء كان شركاً وقع فيه شتراخه. وبعد ساعات قليلة، استقال الأخير من رئاسة حزبه ومن منصبه في الحكومة. وتبعه وزراؤه الأربعة في حين بقيت في منصبها وزيرة الخارجية كارين كنايسل رغم أنها تسلمت المنصب باسم حزب الحرية مع أنها ليست عضواً في الحزب. ولكن هذه لم تكن نهاية شتراخه، على الأقل - ليس بعد.
لا يزال هاينز (49 سنة)، زعيم حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف، ناشطاً كما كان في صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» للتواصل الاجتماعي. لا بل أكثر، إذ تجده ينشر صوراً له ويشارك بمقالات وفيديوهات تدعو لدعم حزبه اليميني المتطرّف في الانتخابات الأوروبية. وهو أيضاً يعيد نشر مقالات من صحف ألمانية تزعم أن فخاً نُصب له. ويبدو واضحاً أن شتراخه لم يكتفِ بالمؤتمر الصحافي الذي عقده فور نشر الشريط. وفيه اعتذر، قائلاً إن لقاء إيبيزا كان لقاءً خاصاً طغى عليه الشراب وبدا فيه «غبياً» إلا أنه «لم يخرق القانون».
ويوم أمس، نشر شتراخه شريط فيديو جديداً في صفحته على «فيسبوك» مدته 5 دقائق عاد فيه لتبرير لقاء إيبيزا. كان يرتدي بدلة رسمية هذه المرة. وهذه المرة أيضاً بدا هجومياً أكثر منه دفاعياً. وكان يركز على الادعاء أنه حصل انتهاك لخصوصيته وهو في إجازة خاصة. وتابع أن حديثه أُخذ خارج السياق عندما نُشرت دقائق فقط من اللقاء الذي طال لساعات، حسب زعمه. مع العلم أن كلا من «سود دويتشه تسايتونغ» و«در شبيغل» أكدتا أن محرريهما شاهدوا الشريط بالكامل، واختاروا نشر مقتطفات لاستحالة نشره بمدته الأصلية.
كلام شتراخه هذا يبدو مطابقاً لكيفية تفكيره في الصحافة. ففي شريط إيبيزا يبدو وهو يهزأ بالصحافيين ويقول إنهم الأسوأ. وكان يتحدث عن فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف، الذي حول 80 في المائة من إعلام البلاد إلى إعلام تابع له، كمثله الأعلى، ويقول إنه إذا فاز حزبه بالغالبية فيمكن أن يحوّل النمسا إلى مجر أخرى.

- شرك منصوب؟
إيفالد كونيغ، الصحافي والمحلل السياسي النمساوي قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه إن شريط إيبيزا يظهر للعلن نظرة شتراخه فعلاً إلى القوانين والإعلام. وتابع: «يبدو لي أن هناك من أوقع بشتراخه، لأنه كان يعرف أنه سيقع في الشرك، وأنه لا يبالي بالقوانين ويتحدث عن خطط للسيطرة على الإعلام». وبالنسبة لكونيغ، فإن هذا التفكير لا يقتصر فقط على شتراخه، بل هو النمط السائد لدى حزب الحرية النمساوي، والأحزاب اليمينية المتطرفة بشكل عام.
من ناحية ثانية، مع أن مدبر هذا «الشرك» ما زال مجهولاً، يبدو أن الزعيم المستقيل لحزب الحرية بدأ يستخدم ذلك لصالحه ليتحدث عن أنه «مستهدَف» سياسياً، في محاولة لجذب تعاطف شعبي معه. وهنا تندرج حملته في «فيسبوك»، حيث يتعهّد بالكشف عن هوية مَن يقف خلف تدبير لقاء إيبيزا وتصويره وتسريبه، ويكتب جُملاً مثل: «العدالة ستنتصر في النهاية». بل إنه شبّه ما حصل معه بـ«مرشده» السابق يورغ هايدر الذي توفي في حادث سير عام 2008، ذكرت الشرطة أنها لا تشتبه بعمل مُريب فيه. ومع ذلك، عندما كتب أحدهم على «فيسبوك» بأن شتراخه لقي مصير هايدر، رد الزعيم المستقيل بالقول: «ما لعب لصالحي أنه لم يكن اغتيالاً مميتاً».
هذه الاستراتيجية، حسب كونيغ، يتقنها حزب الحرية، وشتراخه نفسه بارع وخبير فيها. وهذه الفضيحة، مع أنها الأكبر، ليست الأولى التي تطاله أو حزبه. فهو عندما كان لا يزال شاباً في العشرينات، ظهرت صور له يرتدي زياً عسكرياً، ويجري تدريبات مع مجموعات من «النازيين الجدد». ويومذاك ادعى أنه كان يلعب ببنادق دهان، وما كان منخرطاً في تمرينات عسكرية. ولاحقاً، مع أنه ظهرت له صورة وهو يؤدي التحية الهتلرية، نفى الإشارة إلى ميوله المتطرفة زاعماً أنه إنما كان يطلب مشروباً، وبدا وكأنه يؤدي التحية النازية.
وقبل أسابيع تورّط حزب الحرية بفضيحة أخرى عندما نشر كريستيان شيلشر، نائب عمدة بلدة بروناو التي وُلد فيها الزعيم النازي أدولف هتلر، قصيدة بعنوان «جرذان المدينة» يشبه فيها اللاجئين بالجرذان، بما يحمل ذلك من معانٍ تذكّر بتلك التي استخدمها النازيون لوصف اليهود إبان المحرقة النازية «الهولوكوست». ومع ذلك، جرى احتواء الأزمة باستقالة شيلشر وعادت الأمور إلى مجاريها.
هذه المرة، يرى كونيغ أن شعبية الحزب قد تتأثر، خصوصاً أن الفضيحة جاءت قبل أيام قليلة من الانتخابات الأوروبية. إذ يقول: «أنا واثق بأن حزب الحرية سيخسر دعماً شعبياً لأن الحزب كان دائماً ينتقد الأحزاب التقليدية والنخبة السياسة، والآن بدا واضحاً أن هذا الحزب أسوأ بكثير من الأحزاب الأخرى». وهذا، قبل أن يضيف بأن حزب الحرية «بارع وخبير في تحوير الفضائح التي تطاله، لجعل نفسه الضحية»، ثم يستطرد: «هم دائماً يشعرون ويدّعون أنهم ضحايا، ونجحوا بذلك مرات كثيرة في الماضي، وربما ينجحون أيضاً هذه المرة، وإذا ما نجحوا هذه المرة، يمكن أن يستفيدوا من هذه الفضيحة».

- شتراخه... سيرة شخصية
تاريخ شتراخه قد يكون مؤشراً على مدى قدرة هذا الرجل على الصمود والصعود. فهو نجح في جعل حزبه شريكاً بالحكم عام 2017 من دون أن يعترض أحد، فبات أول حزب أسسه «نازيون» جدد يشارك في السلطة منذ سقوط هتلر، ويكون مقبولاً أوروبياً ودولياً. وللعلم، أسس حزب الحرية عام 1956 على يد أنطون راينثالر، الضابط السابق في جهاز الـ«إس إس» (مختصر لـ«شوتسشتاف» - قوات الحماية الخاصة بهتلر). وعام 2005 تسلم شتراخه قيادة الحزب خلفاً ليورغ هايدر بعد خلافات شخصية بينهما أدت لانشقاق هايدر، وتأسيسه حزباً آخر. حينذاك كان الحزب في حالة فوضى، وكان ما زال يتعافى من فترة مشاركته القصيرة بالسلطة عام 2000 بعدما دخل الحكومة لمدة سنتين وتسبب بعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على النمسا، وكانت الأولى من نوعها، رفضاً لوصول حزب نازي للسلطة. وشيئاً فشيئاً نجح شتراخه في إنهاض الحزب وتحويله إلى حزب «مقبول سياسياً» سيصل إلى الحكم في النهاية. ومع أن تركيز الحزب في البداية كان على مواجهة الأحزاب السياسية التقليدية الحاكمة، وانتقاد سلطات الاتحاد الأوروبي وتمجيد الوطنية، فإن شتراخه حوّل حزبه خلال السنوات الأخيرة إلى «حامي» النمسا من «المسلمين واللاجئين»، مع ظهور أزمة اللاجئين عام 2015.
وفيما يخص رحلة شتراخه السياسية شخصياً، فإنها بدأت وهو شاب لا يتجاوز الـ21 من العمر، حين تولى منصباً في مجلس الولاية في فيينا، قبل أن يدخل إلى البرلمان لاحقاً. ونجح بالصعود في الحزب رغم أنه غير حاصل على شهادات عليا. فهو لم يدخل الجامعة بل تخصّص كفني أسنان بعدما أكمل الدراسة الثانوية في المدرسة. وعلى الرغم من الفضائح التي لاحقته منذ شبابه لقربه من «النازيين الجدد» والتحاقه بجماعات «نازية» مسلحة، فإنها لم توقف صعوده داخل الحزب، وهنا نشير إلى أنه كان قد ارتبط بحزب الحرية منذ صغر سنه، ولم يأت ارتباطه به مصادفة. ذلك أن جده كان ضابطاً في الـ«إس إس» وقُتِل عام 1945 أثناء انسحاب وحدته بعد هزيمتها، في عملية يصفها شتراخه بأنها كانت «جريمة حرب». شتراخه يتحدّر من عائلة متواضعة، إذ تربّى وحيداً في كنف أمه، بعدما تركهما والده وهو صغير، بالعاصمة فيينا حيث وُلِد عام 1969. لكنه نجح بالتواصل مع الطبقة الوسطى وبتصوير نفسه وحزبه على نقيض الأحزاب التقليدية النخبوية.
في انتخابات عام 2017 العامة، كاد حزب الحرية يحقق المرتبة الأولى في الانتخابات ويقود الحكومة. وبقي حتى قبل أشهر قليلة من الانتخابات في الطليعة بحسب استطلاعات الرأي. إلا أن تقدّمه أخذ يتراجع عندما تسلم سيباستان كورتز، الشاب البالغ من العمر 31 سنة، رئاسة حزبه، حزب الشعب اليميني الوسطي. وحقاً، نجح الزعيم الشاب بانتزاع نسبة عالية من الأصوات من حزب الحرية عبر قيادة حزبه إلى اليمين أكثر، وهو ما دفع شتراخه إلى اتهامه بـ«سرقة برنامج» حزبه.

- جزء من السلطة
وفي النهاية، حقق حزب الحرية بقيادة شتراخه 26 في المائة من الأصوات، ما فرضه شريكاً في الائتلاف الحاكم للمرة الثاني بعد المحاولة الفاشلة عام 2000. هذه المرة، قبلت أوروبا به شريكاً حاكماً، وحجز شتراخه لنفسه منصب نائب المستشار إلى حصوله وحزبه على 5 وزارات تسلم هو حقيبة الرياضة منها، وحصل على أهم وزارتين: الداخلية والخارجية. ولقد نجح من خلاله سيطرته على الداخلية بتمرير قوانين اعتُبرت مناهضة للمسلمين واللاجئين.
من ناحية ثانية، بجانب كل هذا، لم يكن شتراخه خجولاً من الترويج لعلاقته الجيدة مع روسيا. فلقد زار موسكو عام 2016 مع وفد من الحزب، ووقّع اتفاقية تعاون مع روسيا. ودائماً ما روّج لرفع العقوبات الأوروبية عن موسكو - وهي العقوبات التي كانت قد فرضت عليها بعد الحرب على أوكرانيا وضمها القرم إليها - في سياسة مخالفة لسياسة فيينا الرسمية.
أكثر من هذا، بدا واضحاً مستوى «الصداقة» بين حزب الحرية وروسيا عندما دُعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حفل زفاف وزيرة الخارجية، كارين كنايسل التي رشحها شتراخه للمنصب باسم الحزب. وكان بوتين يومها الزعيم الوحيد من خارج النمسا الذي دُعي إلى الزفاف. وبدا الرئيس الروسي خلال الحفل مرتاحاً جداً ويتصرف وكأنه صديق مقرب. بل تسببت صوَر رقصه مع كنايسل وانحناء الوزيرة - العروسة له في نهاية الرقصة بجدل كبير لها وللحزب. وطرحت تساؤلات حول مدى قرب حزب الحرية وتأثره بموسكو. ومع ذلك، ككل مرة، تخطى الحزب الأمر وكأن شيئاً لم يكن.
فضائح كثيرة هزّت حزب الحرية وزعيمه نفسه منذ سنوات، وكلها لم تؤثر على شعبيته. فهل تقضي «فضيحة إيبيزا» على شتراخه هذه المرة؟ أم ترفعه إلى الأعلى؟
في الحالة الثانية، أي إذا نجح شتراخه بتحويل الفضيحة لصالحه، يقول الصحافي النسماوي إيفالد كونيغ: «ستكون نهاية النمسا كما نعرفها كدولة ديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي، وستصبح جزءاً من الدول الشرقية التي تسبب صداعاً للاتحاد الأوروبي، مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزيرة بياته ماينل رايزنغر في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنغر، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الخطيرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق قناة نهر الدانوب وسط مدينة فيينا - النمسا (أ.ف.ب)

بعد 35 عاماً... الحمض النووي يحل لغز تبديل طفلتين في النمسا

تمكن اختبار للحمض النووي من حل لغز تبديل طفلتين حديثتي الولادة في أحد المستشفيات بجنوب النمسا، بعد نحو 35 عاماً على وقوع الخطأ.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا رجال شرطة في شارع قريب من مدرسة حيث أفادت التقارير بمقتل عدد من الأشخاص في حادث إطلاق نار (أ.ف.ب)

10 قتلى في إطلاق نار داخل مدرسة ثانوية بالنمسا

نقلت «وكالة النمسا للأنباء» اليوم عن رئيسة بلدية مدينة غراتس الواقعة جنوب البلاد قولها إن إطلاق نار في مدرسة بالمدينة أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.