مقارنة بين موسوعتين للسرد العربي

الموروث السردي والعلاقة بين النص القديم والحديث

د. نادية هناوي  -  د. عبد الله إبراهيم
د. نادية هناوي - د. عبد الله إبراهيم
TT

مقارنة بين موسوعتين للسرد العربي

د. نادية هناوي  -  د. عبد الله إبراهيم
د. نادية هناوي - د. عبد الله إبراهيم

بصدور كتاب «موسوعة السرد العربي... معاينات نقدية ومراجعات تاريخية»، للدكتورة نادية هناوي، تكون قد وضعتْ لبنة أساس في مشروعها النقدي المتميز؛ وهو في رأينا مشروع انقلابي على رواكد النقد العراقي. ورغم أن اسم الدكتورة نادية هناوي واجتراحاتها البيّنة أخذت بالذيوع خلال السنوات الثلاث الماضية، داخل العراق وخارجه، فإن لها تاريخاً نقدياً استهلته مطلع الألفية الثالثة بدراسات وأبحاث مهمة، من خلال عملها الأكاديمي أو نشاطها ذي التمظهرات المتعددة في المشهد النقدي العراقي والعربي طيلة العقدين المنصرمين.
وموسوعة السرد هذه، ورغم أنها «معاينات ومراجعات»، تناظر مؤلفاً آخر يحمل العنوان ذاته، هو «موسوعة السرد العربي»، للباحث الدكتور عبد الله إبراهيم؛ غير أنها تمتلك الأهلية الكافية للاستقلالية، كموسوعة أخرى قائمة بذاتها حيال الموسوعة التي تستدرك عليها بتصنيفات وموضوعات ومفهومات وتصورات وأفكار؛ تأسيساً وتفريعاً وتنضيجاً، مع جدة وابتكار وتنوع في التباصر والتناظر، وتأصيل البحث المعرفي وآلياته في روية الفحص ودقة التشخيص. وبذلك، نكون إزاء موسوعتين للسرد العربي برؤيتين متغايرتين تعكسان تمايز بعضهما عن بعض بإيجاب.
كان الباب الأول من موسوعة هناوي «مراجعات ومباصرات» لما طرحته موسوعة إبراهيم، عبر حوار متأنٍ، بدءاً من التمهيد والفصول الثلاثة التي تلته، بحثاً في العنونة والمرونة في الوعي بالأنواع، وتتبعاً للتمحل النقدي في الانصياع لتاريخ النوع، ورفضاً للريادة، مجلية التشظي بين الأدبية والثقافية في مجموعة أفعال نقدية إجرائية وتنظيرية تصب في باب نقد النقد، استنتاجاً وتوثيقاً وحفراً في جينالوجيا النص النقدي. والباحثة تعزل الممارسة النقدية الواعية عن الممارسات الهامشية المبتدئة، ولا تعترف بتسميتها نقداً، كالتعليقات والعروض والتلخيصات، كالذي يكتبه شاعر عن نتاج شاعر أو قاص عن آخر، أي من دون التسلح بمزايا الناقد الأساس. لذا، ترى العملية النقدية تولد مع النضج، لا أن تتنضج مرحلياً؛ عبر مرحلة ابتدائية فمرحلة متوسطة ثم مرحلة ناضجة تستحق عندها أن تسمى عملية نقدية. ومما تأخذه الباحثة على الباحث عودته إلى نظرية الأنواع الأدبية التي كان لها أهمية في النقد الكلاسيكي، قبل أن تنسفها نظرية الأجناس الأدبية، كما تختلف معه في عزو تطور السرديات الجاهلية إلى التغير في الأنساق، واجدة أن سبب هذا التطور هو الاختلاف الثقافي بين المركز والهامش، فغياب التعالي الثقافي الذي كان يمثله الشعر، وصعود المهمش (القصص) هو ما جعل السرد يتوحد، ويتخلص مما ألصق به من مثالب وعيوب. وتفترض الباحثة أن الباحث لو أعطى اهتماماً كافياً للجاحظ، كما فعل مع ابن الجوزي، لتوصل إلى اكتشافات للهامش الثقافي العربي.
وترفض الباحثة النظرة الأحادية إلى صلة السرد العربي الحديث بالموروث السردي، أو إلى الأصول السردية الغربية، كما لا تتفق مع القول بالانقطاع التام بين النص الحديث والنص المتوارث، كما ترفض التواصل التام بينهما. وترى في ذلك مجانبة للصواب، معللة الأمر بما تفترضه عملية التطور الذي لا ينتجه التقوقع على الذات، كما أنه لا يأتي من الفراغ.
ترى د. هناوي أن الباحث، في محاولته تسليط الضوء على الظواهر المهيمنة في تجربة نجيب محفوظ، وقع في السياقية بسبب ما نجم عنها من مقاييس خارجية تسم النص المقروء بميسمها، فضلاً عن أن المحرك الأخلاقي الذي ركز عليه الباحث لا علاقة له بالذكورة أو الأنوثة، بل بالبعد الواقعي، وذلك ما نراه في روايات الواقعية النقدية التي همها تأكيد البعد القيمي المضموني. وهي تشخص اضطراباً في استخدام الباحث لمصطلح التمثيل بين «معتادية الدلالة واختصاصها»، وتنبه إلى عدم إشارته إلى الاصطلاح المقابل للسرد الكثيف، كما تختلف معه في اعتباره رواية «وي إذن لست بإفرنجي»، لخليل الخوري، الصادرة عام 1895، أول نص عربي عرف السرد الكثيف، متسائلة: هل ولدت هذه الرواية وهي تجرب؟
ومما أخذته الباحثة نادية هناوي على موسوعة الباحث عبد الله إبراهيم عدم وضوح موقفها من مسألة النسوية وتنازعها مع الأبوية، بل تراها تخندقت إلى جانب الثانية بشكل غير واعٍ، أو بمجاهرة علنية واعية ذاتية، جعلت الباحث لا يلتف عبر الموسوعة كلها إلى أن هناك فكراً نسوياً. وهي تؤشر أيضاً إلى تجاهله كتباً أثارت زوبعات فكرية ردحاً من الزمن في عالم النسوية العربية، في مواجهة المنظومة الأبوية، وهي بمثابة تجارب في النقد النسوي قمعها النقد الذكوري. وتشير إلى وصول تحفظات الباحث في هذا الإطار إلى درجة المناهضة النقدية (انطلاقاً من منزع مؤسلب يرى أن كل ما تدعو له النسويات مجرد فذلكة فكرية وحذلقة كتابية، وديكور يروج لعولمة مغلفة بالتصنع، ومرأى يتمظهر بالشطح واللعب واللامبالاة). وذلك - كما ترى - يكشف رسوخاً ثقافياً لدى الباحث، أساسه التراتبية الهرمية، مع نفي التعددية عن المؤنث، بإقرار مواضعات رسمتها المنظومة الأبوية. وتثير الباحثة، في حوار معرفي عميق مع أطروحات الباحث في حقل النسوية والأبوية، أسئلة مهمة وتفنيدات جدلية، وتخلص إلى أن «أغلب الروايات التي اختارها الناقد ليست نسوية، لأنها تعبر عن رؤية واقعية تتعامل بنمطية مع الجسد»، وتعزز رأيها هذا بمعالجات إجرائية للنصوص التي تناولها إبراهيم في موسوعته برؤية نقدية تمرسية، مشيرة إلى أن الباحث يلح على عدم الاعتراف بأن الأنوثة هي أهم تجليات الرواية النسوية العربية، وأنه أكثر من إلصاق الأوصاف المؤسلبة بالأدب النسوي، توكيداً لنزعة ذكورية لا تريد الاعتراف بالنسوية كقيمة وكينونة لها رؤيتها للعالم.
وتلج الباحثة من الباب الثاني لموسوعتها، لتجوس في مساحات سردية واسعة غفلت عنها موسوعة عبد الله إبراهيم؛ كأنماط ونماذج ومتون، لتستنبط منها بعد الخوض العميق فيها ابتكارات واجتراحات، بأداء معرفي وأكاديمي مدهش.
ومن روائع صنيعها أنها أماطت اللثام عن سرود مجهولة أو مغمورة، ذات قدسية أو غير ذات قدسية، تراثية أو كإرث سردي من ماضٍ قريب، كشفت لنا عن سرود لم يسبقها إليها الباحثون في السرد؛ سرود في أماكن قصية لا يصل إليها إلا من تعوّد تحمل المشاق من أجل النفاذ إلى آفاق متون مذهلة، كمتن الجزيرة الخضراء؛ هذه اليوتوبيا الفريدة، اليوتوبيا السردية المجهولة التي التقطتها من مظانٍ دينية، ومتون مماثلة أخرى كـ«جنة المأوى»، تعاملت معها كسرود محضة، بعد أن نزعت عنها بحصافة الباحث العلمي ما يعلق بها من محظورات ومحذورات، وتناولتها كمتون سردية استغورت أبنيتها وبناها وآليات تشكلاتها الفنية. ومن استدراكاتها على موسوعة الدكتور عبد الله، الحكاية البغدادية، كعينة من الأدب الشعبي، وكان معينها في أمثلتها في هذا اللون من السرد الأب أنستاس الكرملي، وإرثه القيم «ديوان التفتاف». ومن يفطن إلى هذا التوسع الجغرافي والتاريخي الذي سحبت الباحثة مدار أبحاثها إليه، يدرك تماماً ماهية الروح العلمية التي تتمتع بها، صبراً وأناة وعناء.
وفي دراستها لفن المقامة، تناولت ابن الصيقل الجزري مثالاً لها، لا رغبة في مخالفة التكرارية التي درج عليها دارسوها، من التسمر عند الهمذاني والحريري، وإنما لما للجزري من امتياز على سواه، عادة إياه أباً للسرد الحديث. فتسوق إلينا الباحثة استنتاجاً غير مسبوقة به، مفاده أن مقامة ابن الصيقل الجزري انطوت على خصيصة تميز السرد الحديث عن القديم، تتمثل بتجسيد المشهد السردي اليومي في زمان ومكان معينين مرحلياً، مشهد في حياة يومية معلومة في مرحلة معلومة، هي مرحلة الاحتلال المغولي لبغداد، بينما الزمان والمكان هلاميان في المقامات الأخرى، غير محددين بأي مرحلة، مما يعوم تاريخيتهما.

- قاص وروائي عراقي


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended