«صيف مع العدو»... رصد التحولات الإنسانية في سوريا

من روايات «القائمة القصيرة» لجائزة «بوكر» العربية

شهلا العجيلي
شهلا العجيلي
TT

«صيف مع العدو»... رصد التحولات الإنسانية في سوريا

شهلا العجيلي
شهلا العجيلي

تحاول الروائية السورية شهلا العجيلي أن تلعب على الشكل في روايتها الرابعة «صيف مع العدو»، الصادرة عن منشورات «ضفاف»، والمرشحة لجائزة «بوكر» العربية. فتبدأ الرواية من حيث انتهت الأحداث لتعيد سردها بضمير المتكلم، الذي تراه «مخاتلاً وحميمياً». أما المضمون في هذه الرواية فقد تنوّع ليشمل عِلم الفَلك، وعالم الخيل، والموسيقى الكلاسيكية، والتنقيب الأثري، والاعتقالات السياسية، والرحلات الفضائية، والحروب التي امتدت على مدى قرن من الزمان، بدءاً من حرب القرم في القرن التاسع عشر، وانتهاءً بسيطرة «داعش» على مدينة الرقّة التي اتخذها التنظيم الإرهابي عاصمة لـ«دولته الإسلامية» المزعومة.
تحتشد الرواية بالكثير من الأحداث التي تدور في مدن عدّة مثل دانزيغ، وبراغ، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت، وكولونيا، وهايدلبرغ، والرقّة، وغيرها من المدن والحواضر العربية والعالمية. وعلى الرغم من تعدد الشخصيات، وكثافة الأحداث، وتنوّع الأمكنة، وامتداد المدة الزمنية إلى قرنٍ أو يزيد، إلا أن العمود الفقري للرواية يعتمد على ثلاث شخصيات نسوية، وهي الجدة كرمة، والبنت نجوى، والحفيدة لميس أو «لولو»، كما يُطلقون عليها تحبباً. أما الشخصيات الرجالية فتحضر لتؤثث النص السردي، وتُكمل سير الأحداث بالدرجة الثانية، وكأنّ الروائية تتعمّد إزاحتها من المتن إلى الهامش، فما إن تومض الشخصية الرجالية حتى لو كانت مهمة مثل نجيب أو عبّود أو نيكولاس، لكنها سرعان ما تنطفئ أو تغيب متلاشية خلف الشخصيات النسوية الثلاث اللواتي يهيمنَّ على مساحة كبيرة من المتن السردي للرواية.
تتألف الرواية من سبعة فصول يتعانق فيها الشكل مع المضمون، إذ تنحو الأحداث منحى بوليسياً منذ الفصل الأول، الذي عنونته الروائية بـ«جريمة صامتة» لن تتكشّف حقيقتها إلا في الفصل السابع والأخير «بيغ بانغ»، بينما تغيب تماماً على مدار الفصول الخمس الباقية: «سجل عائلي»، «رائحة الهجر»، «ليالي المقطورة الأخيرة»، «يوم التفّاحة»، و«رجال كارمن الثلاثة».
تُعيدنا استذكارات لميس وعبّود في مدينة كولونيا إلى الرقّة التي شكّل فيها الرجال الذين ذهبوا إلى أوروبا الشرقية للدراسة «كومونة» تختلف عن بقية الوحدات السكنية في المدينة، وأنجبوا أولاداً وسيمين مُهجّنين أسموهم أولاد الأجنبيات الذين يقطّرون الفودكا في منازلهم، ويستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية. وقد منحت هذه العائلات المتنوّرة مدينة الرقّة أجنحة تحلّق بها في فضاء الحرية الذي لا تسمح به منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية في سبعينيات القرن المنصرم. لم ينسجم أسعد مع زوجته التشيكية «آنا» التي أنجبت له ولدها الوحيد عبّود، وحين تزوّج عليها عادت إلى براغ على أمل أن يعود لها ابنها ذات يوم.
تنجح شهلا العجيلي في تشييد البنية المعمارية للرواية حين تمنحها طابعاً بوليسياً، حيث يرتدي عبّود، بالاتفاق مع لميس، جورباً أسودَ في رأسه ويعتلي شبّاك الجدة ليخيفها فتموت من الرعب، لكن الحفيدة تشعر بالإثم وتأنيب الضمير على مدى خمس وعشرين سنة وتتعطّل فيها صداقاتها، ومشروعاتها، وأحلامها الرومانسية. وبما أنّ أحداث الرواية واسعة ومتشعّبة، ولا يمكن الإحاطة بها جميعاً، لذا سنتوقف عند أبرز المحطات الرئيسة فيها. فالجدة التي ماتت من «الرعب» كانت راقصة في صباها مع «فرقة بديعة مصابني» الشهيرة التي تتنقل بين القسطنطينية، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت حتى تتعرّف على الآغا إبراهيم الذي ينتشلها بسيارته «البونتياك» الزرقاء، ويأتي بها إلى الرقّة، لكن ماضيها يظل يطارد أفراد الأسرة برمتها، ويقف حائلاً أمام تحقيق بعض الأمنيات التي تدور في أذهانهم. ومع ذلك تُنجب كرمة «نجوى ونجيب»، حيث تضطر نجوى للزواج بعامر، بينما كانت تحب شقيقه فارس الذي يعتقد أن رجولته معطّلة، وينتهي الأمر به في اليونان مع زوجته التي تعرف عليها فيما بعد في أحد البيوت المشبوهة. أما شقيقه عامر فكان يمارس خياناته المتكررة كلما سافرت الأسرة إلى الخارج، لكن الجرة لن تسلم دائماً فقد أخرجته نجوى ذات يوم من غرفة «أحلام»، وقد أُصيب بالجلطة، فلم تعد هي إلى البيت، وسوف يلتحق عامر بأخيه في اليونان لتُصبح امرأة مهجورة من قِبل رجلين شقيقين. وحين يأتي نيكولاس، العالم الفلكي الذي يعمل أستاذاً في «جامعة ميونيخ» يصبح رجلهما المشترك، فتتعقد شخصية لميس حين تراه يحنو على أمها، وقد شعرت في تلك اللحظة أن شيئاً ما قد تهاوى في داخلها فتنقطع إلى عالم الخيل، بينما تنْشدّ الأم إلى عالم الكواكب والمجرّات. تتفاقم معاناة لميس بسبب الغياب، فلقد غاب عبّود حين ذهب إلى براغ ومنها إلى كولونيا، وغاب الأب في اليونان، وثمة احتمال لغياب الأم التي تعلّقت بهذا العالم الألماني وتماهت معه في قصة حب لم تعد خافية على أحد. في عالم الخيل نتعرّف على أبي ليلى وزوجاته الأربع وما تعرّض له أولاده الثلاثة الذين اشتركوا في المظاهرات المناوئة للنظام، حيث يتهمهم الوالد بالتخريب والخيانة، فيما يتهمونه بالعبودية للسلطة. لقد قضت لميس صيفاً كاملاً مع عدوها نيكولاس الغارق في خرائط الحب، وأطالس السماء، مُذكراً إيانا بالعالم الفكلي البتّاني الذي صحّح الكثير من أوهام بطليموس عن الأبراج والنجوم وحركة الأرض. يعود نيكولاس إلى ألمانيا فتعاني الأم وابنتها من الفراغ القاتل، فتدخل الأم في سن اليأس بعد رحيل نيكولاس.
تندلع المعارك بين «قسد» (قوات سوريا الديمقراطية) و«داعش»، فينزح الأهالي عن الرقّة، وتموت الأم ميتة بشعة، إذ تنبتر ساقاها، بينما تصل لميس إلى كولونيا لتلتقي عبّود وتصارحه بالجريمة المشتركة التي ارتكباها معاً حين وافقته على إفزاع جدتها، وبعد نقاشات طويلة متوترة نكتشف أنّ الجدة قد وقعت في المطبخ وماتت بالجلطة، ولم تكن في سرير نومها.
ثمة حكايات أخرى تشبه الأضلاع المحنية المتصلة بالعمود الفقري مثل قصة كارمن، وأمها الشاعرة البولندية التي سوف تكتشف بعد أكثر من خمسين عاماً أن زوجها هو الذي قصف منزلها وقتل أفراد عائلتها. وهناك قصة نجيب، شقيق نجوى الذي انتمى للحزب الشيوعي المعارض للنظام، فاعتقلوه ومات في المعتقل. ولعل قصة محمد فارس، رائد الفضاء السوري هي الأكثر رمزية ودلالة. وكان هذا الرائد قد انشقّ عن النظام وهرب مع عائلته إلى إسطنبول، ليكشف عن بشاعة النظام القعمي الذي شتّت السوريين في مختلف أرجاء العالم، ومن خلال هذا الشتات ترصد الروائية التحولات الكبرى في سوريا والعالم العربي.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.