... ويستمر {سحر} فرناندو بوتيرو في إغواء آسيا

يتلقى الفنان إلهامه من وحي الألوان وبهجة الحياة

الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
TT

... ويستمر {سحر} فرناندو بوتيرو في إغواء آسيا

الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا

يلفت نظر الزائر لفندق بيننسولا الفاخر في هونغ كونغ، تلك الكوكبة من التحف والأعمال الفنية التي يتزين بها بهو الفندق الكبير. وإحدى هذه التحف يوحي شكلها بالبساطة، ولكن في نفس الوقت تبتهج بالألوان الزّاهية إذ تصور زوجين يجلسان في ارتياح وسكينة على عشب أخضر جميل، تحيط بهما الجبال البنية بقممها الخضراء من أعمال الفنان الكولومبي الشهير فرناندو بوتيرو، الذي يعتبر واحدا من أعظم الفنانين المعاصرين.
ويضمّ الفندق اثنين من الأعمال النّحتية الكبيرة، وثلاث منحوتات صغيرة أخرى، إضافة إلى ثماني لوحات، وإحداها هي من أعمال بوتيرو الأسطورية. أضفى فن بوتيرو سحابة من السّرور والسّحر والإعجاب على كل من شاهد أعماله في هونغ كونغ والصين، وهي من دون شك من الأعمال القوية في محتواها والفريدة في رسالتها.
يقول بعض الناس إنّ فرناندو بوتيرو مشهور برسم الناس البدناء، غير أنّ الحقيقة تقول إنّ عالمه الفني الخاص مفعم بالأحجام تماماً كما أوضح وكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا، الذي يقول: إنّه «لم يكن يوما معنيا برسم الأشخاص البدناء. بل إنّ فنّه يدور حول تيمة الأحجام، ويتألف أسلوبها الفني من المبالغة في الحجم التي تتيح له عكس الحقيقة وواقع الحياة، بما هو مستشعر، ومبهج، ومحسوس عمّا يبدو في الواقع».
ويستطرد مونتانا قائلا: «إن أوليت اهتمامك لتشريح شخوصاته البشرية، فسوف تلحظ أنّهم أبدا ليسوا بدناء على نحو تشريحي، وإنّما مصورون بشيء من الضخامة المتعمدة. ومن جهة أخرى، فإنّه يبالغ في ضخامة أحجام كافة الأشياء التي يصورها بفنه، وليس فقط الشّخوصات البشرية. بل إنك تجد ذلك في المناظر الطبيعية، والفاكهة، وتصاوير الحياة، ومختلف الأشياء، وحتى الحيوانات. كلها تخرج في لوحاته بنفس الحجم النمطي الذي يحتفي بالحياة أيّما احتفاء».
وخوان كاميلو مونتانا هو أيضاً، مواطن كولومبي، وهو وكيل أعمال شاب مع سيرة ذاتية مهنية مثيرة للإعجاب في عالم الفن في قارة آسيا. ويعمل مع الفنان فرناندو بوتيرو منذ ست سنوات، ويعيش في شنغهاي الصينية بغية تنسيق معارض الفنان الكولومبي الشهير وتوسيع قاعدة تراثه الخاص حول العالم. ويقول: «لقد مرّت بي ست سنوات من رحلة مفعمة بكل ما هو سار وسعيد مع أعمال الفنان فرناندو بوتيرو».
- وظيفة الأحلام
ومع الاستماع إلى مونتانا حاكياً عن بوتيرو ورحلاته الفنية حول العالم، لا يسعك إلّا الاعتقاد بأنّه يعمل في وظيفته المثلى، وهو يؤكد ذلك تماما بقوله «إنّها وظيفة أحلامي بكل تأكيد. إنّني أعمل حاليا لدى واحد من أهم الفنانين المعاصرين على قيد الحياة في العالم، والأكثر أهمية في تاريخ الفنون في أميركا اللاتينية. وتتعلق وظيفتي بمحاولة نشر إرثه الفني وأعماله عن طريق تنظيم المعارض المتميزة، وعقد المحاضرات، والبرامج التثقيفية التي تثري حياة الناس الذين ينضمون إليها. والمقدرة على الحديث إليه، والعمل معه، والتعلم منه، هي من الميزات الفريدة التي أحظى بها وأقدرها. لم أتوقف عن التعلم منه أبداً. فلديه الكثير كي ينقله إلى الآخرين، وأنا أصبحت كالإسفنجة التي تمتصّ كل ما يصدر عنه وفي أي لحظة أوجد معه».
وأثناء مشاهدة إحدى المنحوتات التي تصور حصانا ضخما، يواصل مونتانا توضيح مصدر إلهام سحر فرناندو بوتيرو الفني.
وفي ذلك يقول: «يتأصّل ارتباط الفنان بوتيرو بالأحجام الكبيرة في إعجابه العميق بعصر النّهضة، على اعتبار أنه يتصور أعمال الفنانين العظماء في فترات السمو الفني الإيطالي ما بين أوائل القرن الرابع عشر وحتى نهايات القرن السادس عشر الميلادي وهي صاحبة الأثر الأكبر عليه. وهو يؤمن بأنّ فناني عصر النهضة قد أحدثوا ثورة عارمة في عالم الفنون من خلال إعادة استحداث وإعادة تأكيد أهمية الحجم الكبير في الأعمال الفنية. تلك الأهمية التي ظلّت غائبة أو مهملة في فنون القرون الوسطى الأوروبية. واستخدمت الجداريات العظيمة لكل من غيوتو، وباولو أوشيلو، وبييرو ديلا فرانشيسكا، الحجم الكبير كوسيلة من وسائل دس أوهام المنظور والعمق لدى النّفس وللبعث بالرسالة الحسّية للفنون التي أغفلتها الفنون المسيحية خلال العصور الوسطى. والرسالة الحسية هي بالضبط ما يرغب فرناندو بوتيرو التمسك بها في عالم الفن الذي أوجده لنفسه من خلال لوحاته، ورسوماته، ومنحوتاته».
ومع ذلك، عندما تنظر إلى لوحاته المفعمة بالألوان الزّاهية تشعر كما لو أنّك داخل أتيليه الفنان بوتيرو نفسه. وكان لموطنه كولومبيا بعض الأثر على أعماله الفنية المستوحاة من هناك.
- إنجازات بوتيرو وأعماله
«أعتقد أنّه بصرف النّظر عن الأعمال الفنية الغربية العظيمة وعن ذكريات الطفولة لديه، التي تشكّل مصدر إلهامه الرئيسي، يتلقى الفنان بوتيرو إلهامه كذلك من وحي الألوان وبهجة الكون، حيث يميل الناس إلى الملابس الزاهية والاحتفال بالحياة عبر مختلف الأنشطة. وهذا واضح تماما، على سبيل المثال، في الأعمال التي نفذها على خلفية مصارعة الثيران والسيرك. ولكن في بعض الأحيان، وليس في أغلبها، تعد أعماله رد فعل على الأحداث السياسية التي تغضبه أو تثير حفيظته. ويبدو ذلك واضحا في السلسلة الفنية التي نفّذها بشأن أعمال العنف في كولومبيا في الوقت الذي كانت الصّحف القومية تتحدّث بصفة يومية عن المجازر وعمليات القتل والخطف والتفجيرات، أو عندما شعر باضطراره إلى ترك البصمة الفنية عن فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب العراقي وعلاقتها بالولايات المتحدة الأميركية، بعد أن قرأ مقالات الكاتب الصحافي الأميركي سيمور هيرش لصحيفة نيويورك تايمز مندّدا فيها بالجيش الأميركي وصنائعه في العراق».
وبالتفكير في كيفية تأثير غزارة إنتاجه الفني على حياته، سيما مع بلوغه الـ87 من عمره تقريبا، سألت السيد مونتانا إن كان الأمر صحيحاً أن بوتيرو لا يزال يزاول الرّسم بصفة يومية. فمن الجيد أن تعرف أنّه ينتقل بين موناكو وبين مرسمه في إيطاليا حيث ينتهي هناك من أعماله النحتية.
«في كل مكان وفي أي وقت لا يزال بوتيرو يواصل العمل والإبداع. إنه فنان غزير الإنتاج، وذلك لأنّه يعشق ما يفعل. ومن الدّروس التي استخلصتها من مراقبتي لأسلوب حياته، هو أنّه، إن كنت تريد أن تكون سعيداً فعليك أن تحب عملك. ولذلك فإنه لا يتوقف عن العمل أبداً، وهو لا يأخذ العطلات من عمله، ولا يقسّم الأسابيع بين أيام العمل وأيام العطلات. فهو يرسم أو ينحت في أعياد الميلاد أو في رأس السنة الجديدة، ذلك لأنّه لا يلحظ أنّها عطلة بالأساس. وفي أي مكان يعيش، يكون له مرسمه الخاص، الذي يقضي فيه ما يقارب 10 ساعات أو أكثر يوميا من العمل المستمر. والوقت الوحيد الذي لا يرسم أو ينحت فيه، هو عندما يحضر افتتاح معرض. وأود القول بأن هذا هو أقل الأمور المفضلة في العمل بالنسبة له».
- صبغة عالمية مدهشة وبسيطة
إن فنون بوتيرو ذات صبغة عالمية، ومثيرة للدهشة، ولكنها بمنتهى البساطة. ومن أفضل أعماله بالنسبة لي، هي لوحات المناظر الطبيعية، والوفرة اللونية التي يصوّر بها الحياة، وتفسيراته لأعمال الآخرين الفنية.
لدى فرناندو بوتيرو الكثير من الأعمال الفنية الشهيرة التي يميل الناس لمشاهدتها: منها تمثيلاته المختلفة للموناليزا، على سبيل المثال؛ ولوحة «ستيل لايف» المفعمة بالألوان الصفراء في الزهور، واللون الأزرق والأحمر، واللوحات الشّخصية التي رسمها لولده الصغير بيدريتو الذي توفي في حادثة سيارة وهو في الرابعة من عمره.
رغم ذلك، فإنّ أكثر أعمال الفنان بوتيرو شهرة، هي منحوتات الأماكن العامة، «المرأة المتكئة» في بلازا سانتو دومينغو في قرطاجنة، و«آدم» في وارنر تايم سنتر في نيويورك، و«هاند» في مدريد. وتلك هي الأعمال النّحتية التي يُسمح للنّاس بلمسها، والتي يوحي مظهرها العتيق برونق خاص بمزيد من زيارات الناس لها على الدّوام. وهذا ما يجلب السّرور الكبير للفنان بوتيرو، لأّنه يحب رؤية الناس على تواصل مباشر مع أعماله. وهو دائما ما يقول ذلك في مسيرته الفنية التي كرّسها لاستكشاف مكامن الأحجام الفنية الهائلة، ومن الطبيعي أن يرغب الفنان والمتذوّق للفن، أن يلمسا تلك الأحجام بأيديهما معا.
عندما أوشكت الجولة على الانتهاء، سألت السيد مونتانا عن التخطيطات المنتظرة لمعارض الفنان خلال العام الحالي؟ قال: «لدينا حالياً معرض واحد في مدريد. ونعمل على تنظيم معارض لدى مؤسسات مهمة في مختلف عواصم شرق آسيا مثل جاكرتا، وكوالالمبور، ومانيلا، وهونغ كونغ».
لم أستطع ترك مونتانا من دون أن أعرف إن كانت هناك من معارض ستُنظّم في منطقة الشرق الأوسط قريبا، فجاء ردّه أنّه يأمل أن يحظى بفرصة تنظيم معرض للفنان بوتيرو بحلول العام 2020. وأضاف أنّ منطقة الشرق الأوسط منطقة ثرية للغاية من الناحية الثقافية بالنسبة إليه وللفنان.
ومع انتهاء الجولة في معرض فرناندو بوتيرو في فندق بيننسولا الفاخر، أدركت أنّ أفضل لوحات بوتيرو لدي هي لوحة زهرة دوار الشمس الكبيرة التي توجد في الطابق الثاني من المعرض. وهي بمثابة تحية للفنان الهولندي الكبير فنسنت فان جوخ، وهي مفعمة بالألوان الأحمر والبرتقالي والأصفر والوردي والأزرق. وهي في مثل عنفوان فنون بوتيرو وتعكس سحر بلادنا كولومبيا الحبيبة.



مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».