مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو

بين مخاوف المقاطعين وطموحات المشاركين

مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو
TT

مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو

مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو

تُبذَل يومي الاثنين (بعد غد) والثلاثاء المقبلين، محاولة جديدة لحل الأزمة الليبية من خلال مؤتمر يعقد في مدينة بالرمو، عاصمة إقليم صقلية الإيطالي، الذي هو إقليم سيئ السمعة بالنسبة لأجيال عاصرت الاحتلال الإيطالي لليبيا في النصف الأول من القرن الماضي.
وعلى الرغم من كثرة الأمراض التي يعاني منها الجسد الليبي، منذ 2011 حتى اليوم، ما بين فوضى واحتراب أهلي وانتشار للميليشيات المدجّجة بالأسلحة الثقيلة، تبدو إيطاليا متحمّسة لانعقاد المؤتمر وإنجاحه، وذلك، بعدما شعرت لبعض الوقت أن الفرنسيين يريدون الهيمنة على الملف الليبي.

يُعَد مؤتمر بالرمو حول ليبيا الأول من نوعه، بعد محاولة الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون، جمع الأفرقاء الليبيين في باريس الصيف الماضي. وبين مخاوف المقاطعين، وطموحات المشاركين في المؤتمر المزمع عقده في عاصمة جزيرة صقلية الإيطالية، تمكن القادة الإيطاليون، على ما يبدو، من إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بقدرتهم على إدارة الملف الليبي أكثر من أي طرف أوروبي آخر.
ووفقاً للقاءات بين مسؤولين نفطيين من ليبيا وإيطاليا، جرت في مطلع هذا الشهر في لندن، بعيداً عن الأضواء، ازدادت أهمية ليبيا أخيراً. أما السبب فهو ما كُشف عنه من وثائق تتعلّق بمخزونها النفطي، وتحديداً، إمكانية القفز بالإنتاج من 1.6 مليون برميل يومياً إلى 3 ملايين برميل يومياً، في المستقبل المنظور، وهو ما يساعد في التغلب على النقص في سوق النفط العالمية، بعد إعادة ترمب فرض العقوبات على الصادرات الإيرانية.
في هذه الأثناء، واجهت إيطاليا ودول أوروبية أخرى مشكلات قانونية تخص التعاقدات مع حكومة المجلس الرئاسي الليبي بقيادة فايز السراج، لأنها لم تحصل على مصادقة البرلمان، سواء فيما يتصل بتعاقدات النفط أو التعاقدات العسكرية والأمنية بشأن التصدي لوقف الهجرة غير الشرعية. ومعلوم أن زيادة إنتاج ليبيا من النفط يتطلب نوعاً من الاستقرار الأمني، وبُنية تشريعية وتنفيذية قادرة على حماية أي تعاقدات ترتبط بها الدولة مع الأطراف الخارجية.

- تسلم دعوات المؤتمر
مسؤولون وسياسيون ونشطاء ورموز قبلية من ليبيا ودول أخرى معنية، تلقوا أخيراً الدعوات لحضور مؤتمر بالرمو. وانقسم هؤلاء بين ثلاث فئات: الفئة الأولى وافق أفرادها على الحضور، وأفراد الثانية أعلنوا رفضهم المشاركة في المؤتمر من الأساس، أما أفراد الفئة الثالثة فوضعوا الدعوة جانباً، وباشروا إجراء الاتصالات والمشاورات قبل تحديد مواقفهم.
لقد وجهت إيطاليا دعوات لحضور مؤتمر بالرمو إلى «حكّام» طرابلس، وعلى رأسهم السراج وعدد من قيادات العاصمة، بمن فيهم أعضاء في «مجلس الدولة» الذي يعد امتداداً للبرلمان السابق الذي أسقط الليبيون معظم أعضائه من الإسلاميين في عام 2014. كذلك دُعيَت القيادات العسكرية والنيابية في شرق ليبيا، وزعماء في الجنوب أيضاً، وهو منطقة تعد ميداناً للتنافس التاريخي بين الإيطاليين والفرنسيين، وتوجد فيها مكوّنات ثقافية لها امتدادات قبلية في دول الجوار، مثل تشاد والنيجر وغيرهما.
أما على الصعيد الإقليمي، فمن المتوقع أن يكون هناك حضور لعدد من دول الجوار الليبي، منها مصر، وبلدان عربية شارك بعضها في مؤازرة زعماء التيارات الإسلامية ممن قادوا الانتفاضة المسلحة ضد حكم معمر القذافي عام 2011، بالتنسيق مع حلف شمال الأطلسي «ناتو».
وثمة اعتقاد على المستوى الدولي بأن ترمب يقف مع المحاولات الإيطالية لإنجاح الحل في ليبيا. إلا أن عدداً لا بأس به من الأطراف الأوروبية، في مقدمها فرنسا وألمانيا، غير متحمسين - كما يبدو - للدور الذي تريد إيطاليا أن تلعبه، منفردة، في هذا البلد الذي يحوي أكبر مخزون من النفط بين بلدان القارة الأفريقية.
أما بالنسبة للروس المعروفين ببحثهم الدؤوب عن أسواق لبيع السلاح، وعن مراسٍ دافئة على البحر المتوسط لحاملاتهم العسكرية، فما زالوا «يرتبّون» أمر المشاركة في مؤتمر بالرمو. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن لدى الروس علاقة قوية مع «الجيش الوطني» الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وأن حفتر زار موسكو أخيراً. ويقول مسؤول عسكري ليبي، إن الجنرال الذي حقق انتصارات لافتة على الجماعات المسلحة في مدينتي بنغازي ودرنة في الآونة الأخيرة، يشعر أن هناك «مؤامرة» يحيكها ضده الإيطاليون وقادة في «المجلس الرئاسي» وزعماء لجماعات إسلامية في الغرب الليبي.

- مشاورات... وذكريات
منذ الإعلان عن المؤتمر، انعقدت طوال الأيام الماضية مناقشات ساخنة في غرف للمشاورات بين أطراف ليبية في داخل البلاد، وفي فنادق وفيلات وشقق داخل مدن في دول بمنطقة الشرق الأوسط. ومن بيته على نيل العاصمة المصرية القاهرة، يقول أحمد قذّاف الدم، المسؤول السياسي في «جبهة النضال الوطني»، إن «الأطراف الليبية الفاعلة» جرى تغييبها عن هذا المؤتمر.
ويضيف الرجل، الذي كان يوماً من أكثر الشخصيات المقرّبة من العقيد القذافي، قائلاً إن «الغرب قوى استعمارية، ولا يريد أن يرى قوى وطنية ترفض محاولات هيمنته على ليبيا... القوى الوطنية الليبية هي التي تملك النفوذ على الأرض وتملك ثقة الناس، وغيابها يعني أن المؤتمر انتهى منذ بدايته، من حيث المكان والعنوان».
أيضاً في منتديات العاصمة المصرية، واصل الدكتور محمد زبيدة، القيادي في مؤتمر القبائل الليبية، مشاوراته بشأن حضور مؤتمر بالرمو أو التغيب عنه، بعدما تلقى دعوة للمشاركة فيه. وهو يقول معلقاً إن المؤتمر «ربما سيتضمن نتائج سلبية على مصر، ومحاولاتها التي تقوم بها منذ أكثر من سنة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية». ثم يستطرد موضحاً: «توجد رسالة موجّهة من أحد قيادات المجلس الرئاسي إلى مؤتمر بالرمو، يطلب فيها أن يكون من ضمن مُخرَجات المؤتمر، سحب مهمة توحيد المؤسسة العسكرية من مصر لصالح الأمم المتحدة، بحيث تشرف الأمم المتحدة بنفسها على ذلك».
وفي مدينة الإسكندرية المصرية، حيث تكثر زيارات القادة الليبيين إلى هذه المدينة، كما كانت عليه الحال في التاريخ القديم، انعقدت مناقشات واسعة بين نواب ونشطاء وإعلاميين، بشأن إيجابيات المشاركة في مؤتمر بالرمو وسلبياتها. ويقول عيسى عبد المجيد، رئيس الكونغرس التباوي (من أقلية التبو) الليبي، أثناء وجوده في المدينة إنه لن يشارك في بالرمو... لأن «هذا المؤتمر ولد ميتاً». والحقيقة، أن بعض المشاركين في المناقشات من هذا النوع استحضروا التاريخ الاستعماري الإيطالي لليبيا، وتطرّق عدة نواب ونشطاء وعسكريين أيضاً، إلى ما سموه «النوايا غير الطيبة لروما». وحسب عبد المجيد، فإن إقليم صقلية، الذي سيستضيف المؤتمر «يرتبط بذكريات مريرة لدى الليبيين... إذ تعرض كثيرون من الليبيين في زمن الاحتلال الإيطالي لليبيا، إلى النفي إلى صقلية، ولم يعرف مصيرهم أبداً. هذا أمر رمزي خطير جداً. هذه رمزية تهدف لإذلال الليبيين».

- موقف مصر
تدعم مصر منذ سنوات المشير حفتر، ومعها في ذلك، بدرجات متفاوتة، دول عربية مثل الإمارات العربية المتحدة، وبلدان أوروبية على رأسها فرنسا، بالإضافة إلى التعاون الروسي في مجال المعلومات الاستخباراتية والأمنية. ويسيطر حفتر راهناً على المنطقة الشرقية من ليبيا المحاذية للحدود مع مصر. وكانت قد نشطت في هذه المنطقة، طوال أكثر من خمس سنوات، جماعات متطرفة مصرية وغير مصرية كانت تستهدف نظام الحكم في القاهرة، واتهمتها السلطات المصرية بتنفيذ عمليات إرهابية راح ضحيتها المئات من رجال الجيش والشرطة والمدنيين.
ولهذا، كما يقول الدكتور زبيدة - الذي شارك في السابق في اجتماعات لليبيين في القاهرة - «تقف مصر ضد محاولات الزج بجماعات الإسلام السياسي والميليشيات ضمن المنظومة العسكرية». ويضيف: «الموقف المصري يتعارض مع مصالح الميليشيات المتحكمة في طرابلس، والمتحكمة بالتالي في المجلس الرئاسي. أما المجلس الرئاسي فلا يستطيع فعل أي شيء من شأنه إغضاب الميليشيات والجماعات المسلحة الموجودة في العاصمة. ولذا يحاولون إبعاد مصر عن هذا الدور، وإيكال هذا الأمر إلى الأمم المتحدة، وبالتالي، إدماج كل قادة الميليشيات بما فيها جماعات الإسلام السياسي، ضمن المؤسسة العسكرية».
ومن جانبه، يرى قذّاف الدم أن الإيطاليين «اختاروا بعض الأسماء المحسوبة عليهم». ويتابع: «تريد (إيطاليا) أن تفرض بعض العملاء الليبيين في الواقع الجديد، كبديل لحكومة السراج التي انتهى عمرها الافتراضي، وبالتالي، فهم يريدون إدارة الفوضى في ليبيا وليس إنهاءها». ثم أردف قائلاً إن الدول الغربية، وعلى رأسها إيطاليا، «تريد، ممن ستجلبهم لحكم ليبيا، أن يوقّعوا لها عقوداً جديدة... الدول الغربية لا تنظر إلى ليبيا إلا كحقل نفط أو حقل غاز. ومثل هذه البروباغاندا بشأن مؤتمر بالرمو، للأسف، لن تصنع حواراً جاداً ولا نظاماً شرعياً».

- أنصار النظام السابق
ورداً على سؤال عما إذا كان أي من أنصار النظام السابق ممن يعوّل عليهم، سيشارك في مؤتمر بالريمو، قال قذّاف الدم «الاختيارات لم تكن من الليبيين، أو من الأحزاب، أو من التنظيمات الموجودة على الساحة السياسية، سواءً من المعارضة أو من القوى الحية الليبية. هم (منظمو المؤتمر) اختاروا أسماء هكذا، كغطاء ونوع من تغليف الحقائق، وتمرير لمسرحية بأن كل الليبيين موجودون. للأسف سيؤدي الليبيون الحاضرون في المؤتمر دور الكومبارس. ولن ينجح (المؤتمر)... أنا لست متفائلاً بما يحدث».
ثم أردف أن «الغرب ليس جاداً في حل المشكلة الليبية، بل ما يريده هو إدارة الصراع، والحصول على امتيازات لبعض الدول، تمهيداً لوضع ليبيا تحت الوصاية، وهذا أمر سيردّ عليه الشعب الليبي».
وكرّرنا السؤال... هل هناك أطراف من النظام السابق ستشارك في مؤتمر بالرمو؟ فأجاب قذّاف الدم بشكل قاطع: «طبعاً... طبعاً... رغم عدم قناعتهم بمثل هذه المؤتمرات، فإنهم لا يريدون أن يعطوا حجة للعالم بأنهم ضد السلام أو الحوار... لكنهم، كقيادات متمرسة في العمل السياسي، يرون أن هذه الخطوات عبارة عن ذر للرماد في العيون أمام الليبيين، وتغيير بعض الوجوه التي لم يعد لها أهمية في الوجود في المشهد، بعدما تورطت بالسرقة والنهب أمام الليبيين».

- «لجنة حكماء طرابلس»
على صعيد آخر، في طرابلس، لعبت لجنة تسمى «لجنة حكماء طرابلس» دوراً غير مباشر، على الأقل، في إقناع أطراف متصارعة على نبذ الخلافات استعداداً لمؤتمر بالرمو. ويقول أحد من وجهت لهم الدعوة للحضور: «ما قامت له لجنة الحكماء في العاصمة كان مؤشراً على محاولة لسحب البساط من تحت أقدام كل الأصوات التي تنتقد المجلس الرئاسي، أو تنتقد وجود ميليشيات في طرابلس... إن مشاركة هؤلاء الخصوم في بالرمو سيعطي انطباعاً للعالم بأن التوافق قد تم، وأن المؤسسة العسكرية (بقيادة حفتر) ليس لها من سبيل إلا الانصياع لإرادة المجتمع الدولي، وتولي السلطة المدنية للقيادة العسكرية».
ويعتقد أنصار نظام القذافي، من جهتهم، أن جماعة «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة» (بعض قادة هذه الجماعات مدعوة لمؤتمر بالرمو) أقلية في الشارع الليبي. ويرون أن «الغرب يريد أن يفرض المجموعات التي أتى بها في 2011 تحت صواريخ (الناتو)، رغم أن الصواريخ لا تصنع شرعية لأحد». ويذهب أحد قادة النظام السابق إلى حد القول: «القبائل الليبية والجيش الليبي الحقيقي لن يسمحوا بعودة الاستعمار إلى ليبيا».

- شكوك بشأن «الإسلاميين»
وعودة إلى القاهرة، حيث يبدو في أروقة الدولة المصرية أن مصر ستشارك في المؤتمر، رغم كل المخاوف من الانحياز إلى خصومها من التيارات الإسلامية التي تعادي النظام المصري. وحتى ساعات قليلة مضت، كانت المشاورات داخل البيت المصري تدور حول مستوى المشاركة. وترى مصر أن وجودها، بأي مستوى، في مؤتمر بالرمو، بشكل عام، فيه قدر من الرغبة في الانخراط الإيجابي. وأن أي وفد مصري سيحضر إلى بالرمو «ستكون مشاركته إيجابية».
وللعلم، لم تتوقف الاتصالات بين الجانبين المصري والإيطالي حول الإعداد للمؤتمر والمخرجات المتوقعة منه. ولدى مصر محدّدات بعينها تخص القضية الليبية، من بينها «الحفاظ على وحدة التراب الليبي» و«السيادة الليبية على أراضيها» و«الحفاظ على مؤسسات الدولة للاضطلاع بدورها»، و«توحيد المؤسسة العسكرية الليبية». لكن القاهرة تؤكد على ضرورة أن تأتي «التسوية عبر حوار ليبي - ليبي، وليس من الخارج».
الدكتور زبيدة، القيادي في مؤتمر القبائل الليبية، يرى أن جماعات الإسلام السياسي تقف مع إيطاليا وراء مؤتمر بالرمو. ويقول إن قادة من «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة»، بدعم من دول إقليمية أيضاً، عقدوا اجتماعاً في العاصمة الليبية، للوقوف ضد تحركات «الجيش الوطني» الذي يقوده حفتر، ويحظى بتأييد مصري، في الجنوب الليبي. ويضيف أن زعماء في «المجلس الرئاسي» يتعاونون في هذا المجال من أجل «قطع الطريق على الجيش الوطني الليبي في الجنوب، وذلك بأن يقوم المجلس الرئاسي بإرسال قوة للجنوب لبسط الأمن هناك قبل أن يتحرّك الجيش الوطني إليها».
وفي هذا الاتجاه يقول عيسى عبد المجيد، الذي يتركز وجود قبيلته (التبو) في الجنوب الليبي، أن لدى إيطاليا برامج، بالاتفاق مع بعض الأطراف، من أجل إعادة الإسلاميين إلى السلطة، كما كانت عليه الحال في 2012 و2013. ويضيف عبد المجيد: «لدى إيطاليا النية للتوغل في الجنوب الليبي، لكن من المستحيل أن ندع إيطاليا تتدخل في هذه المناطق... وإذا حاولت فعل ذلك، فستخسر ما لديها من مصالح في الوقت الراهن إلى الأبد. وكرئيس للكونغرس التباوي أقول إننا سنقف لها بالمرصاد».
وعن سبب انفراد إيطاليا بمحاولة وضع حل للأزمة الليبية، بعدما كان الملف الليبي كاملاً في يد البعثة الأممية إلى ليبيا، يقول عبد المجيد - الذي سبق له زيارة فرنسا وتشاد والنيجر - شارحاً: «هذا صراع إيطالي مع فرنسا. أنت تعرف أن الأميركيين هم مَن يسيطرون على الوضع، وهم مَن يعطون التعليمات للبعثة الأممية. إنهم يقولون إن الهدف من المؤتمر توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، لكنني أرى أنه مجرد محاولة لتثبيت السراج في منصبه. ولهذا إيطاليا كانت دائماً ضد إجراء الانتخابات في ليبيا».
أخيراً، من الأحزاب السياسية يقول عز الدين عقيل، رئيس حزب «الائتلاف الجمهوري الليبي»، إنه لن يشارك في المؤتمر «لأسباب عدة»، منها أنه «مجرد محطة جديدة من محطات مط الأزمة الليبية التي يديرها الغرب ولا يحلها. ولأنه شأن إيطالي، لا علاقة لليبيين به إلا ككومبارس». وينهي كلامه بالقول إنه «من دون تدخل مجلس الأمن لإجبار الميليشيات على توقيع اتفاق سلام يفضي إلى تفكيكها ونزع أسلحتها، فإن كل هذا الذي يجري بباريس وبالرمو وغيرها سيظل مجرد حرث في البحر».

- مخاوف من تعديل «اتفاق الصخيرات»
ظهرت مخاوف من مؤتمر بالرمو بين قادة ليبيين كانوا قد ظهروا على المسرح السياسي بناءً على «اتفاق الصخيرات» الذي جرى توقيعه في المغرب عام 2015. وتوجد رغبة دولية في تحريك المياه في الداخل الليبي، من أجل توحيد السلطة التنفيذية.
ومن بين المقترحات المتداولة، التي تحظى باهتمام لدى البعثة الأممية في ليبيا بقيادة الدكتور غسان سلامة، تشكيل مجلس رئاسي جديد برئيس ونائبين، بدلاً من الوضع الحالي الذي ينص على رئيس وثمانية نواب. ومن شأن توصية بهذا الشأن تصدر عن مؤتمر بالرمو أن تقلب الأوضاع في ليبيا رأساً على عقب، إذ سيبدأ البحث عن الطريقة التي ستُدار بها المؤسسة العسكرية، ودور المشير خليفة حفتر في مثل هذه الترتيبات.
وما يزيد من صعوبة الأمر أن معظم القيادات المحسوبة على تيار الإسلام السياسي، ومدينة مصراتة ذات التسليح القوي، ضد أي وجود لحفتر في مستقبل ليبيا. وكان رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج قد زار مدينة مصراتة، بالأمس، كما أنه يحظى بدعم من قيادات محسوبة على تيار الإسلام السياسي. وحالياً، يسعى السراج جهده للبقاء على رأس هرم السلطة في ليبيا من خلال تحالفات شتى، يعمل على عقدها منذ أسابيع.
ومن جهة أخرى، يرى بعض ممن سيشاركون في مؤتمر بالرمو أن تلعب دول مثل روسيا وفرنسا ومصر دوراً للحفاظ على قيادة حفتر للجيش، والدفع في طريق استكمال توحيد المؤسسة العسكرية الليبية برعاية مصرية، وليس أي طرف آخر.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.