«جسور الحُب» لا تحمِّل الأبناء وزرَ ما ارتكبه الآباء

رواية عربية عن حريق برج «غرينفيل» بلندن

«جسور الحُب» لا تحمِّل الأبناء وزرَ ما ارتكبه الآباء
TT

«جسور الحُب» لا تحمِّل الأبناء وزرَ ما ارتكبه الآباء

«جسور الحُب» لا تحمِّل الأبناء وزرَ ما ارتكبه الآباء

تهيمن أجواء الحُب والهجرة والضياع على رواية «جسور الحُب، غرينفيل تاوَر» لمريم مشتاوي، الصادرة عن «دار المؤلف» ببيروت، وهي العمل السردي الرابع في رصيدها الروائي الذي بدأ يستوفي اشتراطاته الفنية، وينمو بشكل عضوي على صعيد الثيمة والأحداث والشخصيات. فقد بدت هذه الرواية المحبوكة مُقنعة للقارئ، ومُحفِّزة له كي يغوص في أحداثها الرئيسة، وينبش في تفاصيلها الزمكانية، فهي رواية زمان ومكان، مثلما هي رواية حُب، وسفر، وغربة، وموت، وفقدان عاطفي، وعودة إلى النبع الأول.
تنطلق أحداث الرواية من مدينة قسنطينة، أو سيرتا باسمها الأمازيغي، مدينة الجسور المعلّقة التي تحتضن بعض الشخصيات الأساسية للنص الروائي، مثل بايا وحبيبها الأول تقي الدين، والحلقة الضيقة من الأهل والأقارب، والسيدة البريطانية كليونا وايت التي تعتبرها الراوية بايا مولاتها وأمها الثانية، التي فتحت لها باب الأمل على مصراعيه.
لا تبدو قصة الحُب التي نشأت بين بايا، الفتاة الجميلة وتقي الدين، الشاب الوسيم، استثنائية، فهناك آلاف وربما ملايين القصص المشابهة لها؛ لكن هناك سرّاً ما سوف تكتشفه بايا لاحقاً، رغم أنها شخّصته بحدْسها، وقوة فطنتها وبصيرتها الداخلية، حين تساءلت في سرّها بما معناه: ما مصدر جماله إذا كان أبواه قبيحين إلى حدّ اللعنة؟ ولو أضفنا إلى هذا التساؤل طلب جدتها الأمازيغية رقيّة الأورغليّة ألا ترتبط بايا بتقي الدين مهما كانت الأسباب؟ هذان التساؤلان سوف يضعان القارئ أمام مفاجأة غير متوقعة، تمنح النص السردي نكهة خاصة ومغايرة، وتثير فينا أسئلة فكرية وثقافية عميقة، تدعونا فيها ألا نحمّل الأبناء وزرَ ما ارتكبه الآباء.
هناك شخصية مؤازرة هي كيلونا وايت، زوجة السفير البريطاني سيمون وايت؛ لكنها تُسهم في بناء الشخصيتين الرئيستين: بايا وتقي الدين، قبل أن تَلقى حتفها متأثرة بمرض عضال. فهي التي علّمت بايا النظافة، والعناية بالمظهر والمَخبَر، والاهتمام بالروح، وهيأت لها سبيل السفر إلى لندن، بحجة «أن المسافة بين العشّاق ضرورية بين حين وآخر»، كما التقت بتقي الدين لمدة نصف ساعة، خرج إثرها متجهماً ولم نعرف بطبيعة الحوار الذي دار بين السيدة البريطانية والشاب الوسيم، الذي كان عليه أن ينتظر سنتين على الأقل، قبل أن يفكر في الزواج من حبيبته التي كان يتغزّل بها ليل نهار.
تنجح مريم مشتاوي في الإمساك بروح المكان، ففي الفصل الأول نتعرف على مدينة قُسنطينة بحاراتها، وشوارعها، وجسورها، ومساجدها، وأكلاتها الشعبية، وسوف يعرف القارئ حي السويقة، وجسر سيدي راشد، وأكلات شعبية مثل الكسكس، والتختوتة، والرفيس التي تُحيل إلى قسنطينة تحديداً، أو الجزائر بشكل عام. وسوف تمسك بروح المكان حيثما تنقلت في لندن؛ سواء في بيت مارغريت، أو في شارع بورتبيلّو، أو في برج غرينفيل، وغيرها من الأماكن التي عاشت فيها أو شاهدتها بطلة النص، التي أخذت تنضج، وتزداد خبرة كلما تقدمّت بها الأعوام.
يكتظ الفصل الثاني بكثير من الشخصيات، وأولها يونس «الثرثار» الذي كان يجلس إلى جوار بايا في الطائرة، وما إن سألته سؤالاً عابراً حتى سرد لها قصة حياته، فعرفنا أنه متزوج من امرأة فرنسية طلّقها بعد سنة من الزواج، ويمتلك محلاً للأشغال اليدوية، وقد أعرب عن استعداده لمساعدتها لأنها غريبة، ولا تجيد الكلام باللغة الإنجليزية، وسوف يجد لها عملاً وسكناً في يوم واحد؛ لكنه جذبها إليه في السيارة وحاول تقبيلها، فهربت منه، فتدارك الأمر واعتذر لها عن سوء الفهم، واعتقد أنها معجبة به. وسوف يظل هذا الحب قائماً من طرف واحد؛ لأنها فشلت في أن تحبه، ونجحت في أن تصبح صديقة له، بحجة أن «للصداقة عمراً أطول من عمر الحُب».
نتعرّف على شخصيات أخرى، أهمها العم إدريس، القادم من قسنطينة أيضاً، وسوف يستذكر مع بايا مجازر 8 مايو (أيار) 1945، ويسرد لها قصة جدتها رقيّة الأورغليّة، التي ضربت ذات يوم صديقة طفولتها أم رابح؛ لأنها كانت ترقص في كازينو الوادي للضباط والجنود الفرنسيين، وتقيم معهم علاقات مقابل بعض الأموال. وعند هذه النقطة الحاسمة نكتشف أنّ تقي الدين يحمل جينات فرنسية ولكن ما ذنبه هو إن أخطأت الأم، وهل يحمل وزرها مدى الحياة؟
العمّ إدريس ليس بريئاً، ولا يزال مشاغباً على الرغم من كبر سنِّه، وسيعرّفها على لاجئَين سوريين، هما فراس وشقيقه باسل، وسوف تقع بايا في حب باسل من دون أن تعرف أنه مرتبط بفتاة يعشقها حدّ الجنون.
يُشكِّل الفصل الثالث منعطفاً خطيراً في الرواية؛ حينما تندلع النار في برج غرينفيل، فلقد سبق لها أن تعرّفت على مريم مسعود الطيهاني، التي أخبرتها من قبل بأن ابنتها «شهد» تسكن في الطابق الأخير من البرج مع ابنتيها الصغيرتين، وأن المهندس المعماري باسل، وسمر المرجان، والعم إدريس وعشرات السكّان من أصول مغاربية وأفريقية وآسيوية، يسكنون في هذا البرح السكني الذي التهمته النيران.
تأخذ قصة حبها لباسل شكل تساؤلات قصيرة صادمة، من بينها: «كيف يموت قبل أن أخبرهُ بحقيقة مشاعري تجاهه؟»؛ لكن هذا الذهول سرعان ما يتبدد؛ خصوصاً أن الموت كان يلتهم ضحايا البرح ويهزّ المملكة برمتها.
وبما أن هذا النص الروائي مليء بالمفاجآت، فإن العم إدريس الذي أحببناه كشخصية مشاكسة، لا يجد حرجاً في مداعبة النساء الجميلات، وجدناه حياً يُرزق ولم يمت في حريق البرج، كما تخيّل جميع أصدقائه ومعارفه المقرّبين منه، فقد أصيب بأزمة قلبية في آخر مرة رأى فيها جمال بايا، ولم يخرج من المستشفى إلا بعد شهرين، كان فيهما الحريق المُفجع قد أتى على البناية ومَنْ فيها، فأخذ يتردد على المقهى المجاور للبرج، عسى أن يتعرّف على أخبار الناجين من هذا الحريق الذي قصّرت الحكومة في إخماده.
ومثلما نجحت مريم مشتاوي في تقديم نص روائي محبوك لا تعوزه الخبرة، فقد نجحت في رسم الجملة الختامية المعبّرة التي تقول فيها: «إنه شتاء لندن الأخير». لتطوي صفحة هذه الرواية المؤثرة التي تطرح سؤالاً مهماً، بصدد الضباب الذي اقترن باسم المدينة، فتقول مستفسرة: «هل ضباب لندن هو جزء من حريق قديم لم يتم إخماده سابقاً؟». ومن أعماق هذه التساؤلات الروحية المؤرقة ينبثق سؤال الرواية الأهم على لسان الراوية التي تسرد وتبرّر حينما تقول: «هل هناك ما يمنعني من العودة إلى تقي الدين؟ قد تكون جدته أخطأت في الماضي، ولكنه حتماً لن يدفع ضريبة الأموات».
هناك قصص جانبية كثيرة تزخر بها الرواية؛ لكنها تصبّ في المناخ العام، مثل قصة جون هارز، المدمن الذي حوّل حياة كثير من اللاجئات إلى جحيم لا يُطاق، أو قصة سائق القطار الذي ترك ركّابه ينتظرون لمدة عشرين دقيقة، وذهب ليشترك في أغنية الراب الشهيرة التي ألّفها مطرب معروف رثاءً لضحايا البرج السكني، وحين سألوه عن سبب إيقاف القطار، قال بأن مديره قد سمح له بذلك حين عرف بأنه فقد أعزّ أصدقائه في ذلك الحريق المروّع. جدير ذكره أن مريم مشتاوي قد أنجزت ثلاث روايات قبل «جسور الحب»؛ لكن هذه الأخيرة أهّلتها للدخول في المشهد الروائي العربي المحترف.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.