هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟
TT

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

نشرت «ثقافة»، بتاريخ 31 - 7 – 2018، مقالاً بعنوان: «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، لكاتبه د. رياض معسعس. وننشر هنا التعقيب التالي، مع رد كاتب المقال عليه.
فوجئت بعنوان مثير للغاية يتصدر الصفحة الثقافية في جريدة «الشرق الأوسط»، بتاريخ 31 - 7 - 2018، للكاتب رياض معسعس، يحمل حكماً قاطعاً يشير إلى «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، مع عنوان فرعي «آخرها قصة قصيرة عن الصليبية والجهاد».
أولاً، لا يوجد في هذا المقال، المنشور على مساحة كبيرة، ما يثبت صحة هذه الدعوى سوى الإشارة إلى «قصة قصيرة حول الصليبية والجهاد»، للكاتب الإيطالي ألساندرو باربيرو، ثم حديث مطول عن خلفية هذا الاهتمام الغربي بالحروب الصليبية، ومتى استخدمت كلمة الحروب الصليبية للمرة الأولى في القواميس والمعاجم الفرنسية، وكذلك الإشارة إلى بعض الكتب والدراسات من هنا وهناك، المتعلقة بهذا الأمر.
عندما يعود القارئ إلى مطالعة هذه القصة القصيرة التي استند إليها كاتب المقال لتبرير دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية للحروب الصليبية، نكتشف أنها ليست بقصة قصيرة، وإنما دراسة عنوانها بالإيطالية «الحرب المباركة: الحرب المقدسة والجهاد»، وتحتوي على تاريخ موجز لأهم محطات وقضايا الحروب الصليبية، موزعة على أربعة فصول صغيرة: يتضمن أولها تعريفاً دقيقاً للحروب الصليبية، ويحمل ثانيها عنوان «الملحمة»، وثالثها بعنوان «بين الحرب المقدسة والجهاد، أما رابعها فيحمل عنوان «الغرب في عيون الآخرين».
ولا يوجد في أي صفحة من صفحات الكتاب ما يشير إلى أن المؤلف يسعى لاستلهام الحروب الصليبية، ناهيك عن كونه أستاذاً جامعياً متخصصاً في تاريخ العصور الوسطى، وله كتب كثيرة في هذا المضمار، كان آخرها كتاب «كلمات البابوات التي غيرت العالم»، أضف إلى ذلك أن الكتاب الذي ينظر إليه كاتب المقال على أنه قصة قصيرة لم يصدر هذه الأيام، وإنما صدر منذ عقد من الزمان تقريباً باللغة الإيطالية، وليس بالفرنسية حتى يكون ضمن العودة الأدبية الفرنسية لعام 2018! وقد تمت ترجمته إلى الفرنسية عام 2010، عن دار «فلاماريون»، ثم قامت الدار ذاتها بإعادة طبعه في طبعة ثانية، في مايو (أيار) 2018. وربما كانت هذه الطبعة الثانية هي التي اطلع كاتب المقال على عنوانها، دون أن يطلع عليها، ولا على الطبعة الأولى، وإلا ما كان قد وقع في هذا الخطأ الفادح في الحديث عما اعتبره قصة قصيرة. وربما ما أوقع كاتب المقال في هذا الموقف الذي لا يُحسد عليه أن الدار الفرنسية لم تحتفظ بالعنوان القديم للطبعة الأولى، وهو «تاريخ الحروب الصليبية»، وجعلت عنوان الطبعة الثانية «الحروب المقدسة: تاريخ موجز للحروب الصليبية والجهاد».
من يطلع على الكتاب، في طبعته الفرنسية الأولى أو الثانية، لن يجد اختلافات سوى في عناوين الطبعتين، ولن يجد في الكتاب، وهو صغير الحجم، لا يتجاوز 124 صفحة من الحجم الصغير، ما يمكن أن نعده استلهاماً للحروب الصليبية، وإنما دراسة تقدم رؤية عامة - وبلغة في متناول الجميع - لمسار ومحطات الحروب الصليبية وملامحها الرئيسية. كما يؤكد مؤلف الكتاب أن الحكم على الحروب الصليبية قد تغير بالفعل مع مرور الزمن (ص29). ورصد مؤلف الكتاب لحظات من تطور الوعي الغربي إزاء هذه الحروب، من بداية الحماسة لها والاحتفاء بها إلى مرحلة الشعور بالعار منها، عندما أدرك الغربيون مدى ما صاحبها من قدر هائل من العنف والحقد تجاه الآخر، ليس فقط المسلم، وإنما أيضاً الآخر اليهودي، حيث قامت الجماهير الهائجة المشاركة في الحرب الصليبية الأولى بارتكاب المذابح الأولى ضد اليهود، وأن النموذج المثالي للحروب الصليبية قد توقف في بعض الفترات عن أن يجذب إليه الغربيين، وكان هذا في عام 1270 (ص40)، إلى أن يصل مؤلف الكتاب إلى مرحلة العودة من جديد إلى النظر للحروب الصليبية بوصفها ملحمة ينبغي الإشادة بها، وليس كتراجيديا ينبغي إدانتها، وهو أمر يستحق أن يناقش عندما نتناول الانعكاسات الراهنة والمحتملة لهذه الحروب الصليبية (ص10). وأكثر من ذلك، فإن المؤلف عندما يتناول الأبعاد الدينية لهده الحروب، فهو يتناولها بمنهجية المؤرخ الأكاديمي فحسب (ص55).
يشير مؤلف الكتاب أيضاً إلى تطور وعي المسلمين تجاه هذه الحروب، ويستخدم في ذلك اللغة ذاتها التي كان يستخدمها المسلمون، حيث يقول في فقرة لا تخلو من دلالات: «لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي أمام قبيلة من البرابرة الدمويين الذين لا يعرفون من أين جاءوا، ناهيك عن شعورهم بأنهم من الكفار الذين دخلوا الأراضي الإسلامية، ونشروا فيها الخراب، واستولوا على مدنهم المقدسة. وشعر المسلمون أن هذه الحروب الصليبية كانت عدواناً صارخاً عليهم، وعلى ربهم، عندما استولى كفار الغرب هؤلاء على القدس، وقبر السيد المسيح، الذي هو بالنسبة للمسلمين نبي كبير جدير بالتقدير. وسرعان ما تحرك العالم الإسلامي لاستعادة المدينة المقدسة، وطرد الغزاة منها» (ص16).
ويقرأ مؤلف الكتاب حدث الحروب الصليبية بمصطلحات معاصرة أحياناً، مثل صدام الحضارات (ص83)، أو سوء الفهم الثقافي (ص114)، ولا سيما في الفصل الأخير من الكتاب الذي يتحدث فيه عن «الغرب بعيون الآخرين»، ويقول في هذا الشأن: «بالطبع، ليست أنشودة رولان، رغم شاعريتها العظيمة، هي المثال الأخلاقي الذي يمكن أن نقتدي به في القرن الحادي والعشرين، إلا أنها تعكس بصورة واضحة الطريقة التي كانوا يفكرون بها آنذاك، إذ كان الجميع، من المسيحيين والمسلمين، ومن بين المسيحيين، سواء كانوا من الكاثوليك اللاتين أو الأرثوذكس اليونان، يفكرون بالطريقة نفسها التي تحتوي على التعارض الثنائي بين الـ(نحن) والـ(هم)» (ص87).
أسهبنا بعض الشيء في تقديم الأفكار والملامح الرئيسية لهذا الكتاب الصغير، لكي نقول للسيد رياض معسعس، كاتب المقال، إنه تحدث دون دراية، وارتكب سلسلة من الأخطاء ما كان ينبغي أن يقع فيها، ليس أقلها أنه لم يفهم طبيعة الكتاب الذي أشار إليه، واتخذه مرتكزاً لدعواه بعودة أدبية فرنسية تستلهم الحروب الصليبية، بارتكاب كثير من الزلات التي لا يمكن تبريرها عندما تحدث عن التأثير الشرقي على الغرب، دون أن يذكر الأمثلة المناسبة على ذلك، باستثناء مثال تأثر دانتي بأبي العلاء المعري، وكذلك عندما أشار إلى أسماء ثلاثة من كبار المؤرخين، وزعم أنهم من معاصري الحروب الصليبية، بينما أحدهم فقط الذي يمكننا القول إنه كان معاصراً لها، بينما المقريزي والقلقشندي لا يمكن أن يندرجا تحت صفة معاصرين لها، بل جاءا بعد قرن من الزمان على نهايتها تقريباً. كما أخفق السيد رياض معسعس عندما أشار إلى أحد المراجع الرئيسية في تاريخ الحروب الصليبية، الذي تشرفت بترجمته إلى العربية عام 1995، وصدر في القاهرة بعنوان «الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية»، بينما السيد رياض معسعس يترجم العنوان بصورة خاطئة ويسميه «مشرق ومغرب في زمن الحروب الصليبية»، وثمة بون شاسع بين العنوانين.
خلاصة القول، إن كاتب المقال بجريدة «الشرق الأوسط» لم يوفق تماماً في دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية، وذلك بالاستناد لكتاب وحيد (مترجم عن الإيطالية)، لم نتمكن عند قراءته من التثبت من هذه العودة الأدبية. وكان على كاتب المقال أن يقوم بتقديم استعراض لهذه الأعمال الأدبية الفرنسية، وأن يتثبت من تلك الأعمال التي ادعى أنها تعود للحروب الصليبية، وأن يحدثنا عن نسبتها، بالمقارنة مع العدد الكامل لمثل هذه الأعمال.

- رد الكاتب رياض معسعس
> يبدو من مقال السيد الشيخ أنه لم يفهم ما هو مغزى مقالي، وقد أخطأ كثيراً، ذلك أن ما قلته في المقال يخالف تماماً ما ورد في مقالته، فأنا لم أقل أبداً إن هناك عودة للحروب الصليبية في الأدب الفرنسي، بل قلت إن الأوروبيين بشكل عام، والفرنسيين بشكل خاص، ما زالوا إلى اليوم يهتمون بالحروب الصليبية، ويقيمون فيها أبحاثاً تاريخية واقتصادية ودينية وأدبية، ويسردون قصص أبطالها، وكل من شارك فيها من ملوك وأمراء وسواهم! وقد أعطيت أمثلة كثيرة في أزمنة مختلفة، تم فيها التطرق للحروب الصليبية، ولا يمر عام إلا ويصدر أكثر من كتاب حول الموضوع، حتى وصلت المؤلفات إلى أكثر من ألف وخمسمائة مؤلف، وهذه مسألة إيجابية لأنها تبحث في إيجابيات الحملات الصليبية وسلبياتها، بل هناك من أثنى على أبطال عرب، كأندريه ميكيل في ترجمته لمذكرات أسامة بن المنقذ. وليسمح لي السيد شيخ، فأنا درست الإعلام والآداب في السوربون، وقضيت اثني عشر عاماً على مقاعدها، وأحمل شهادتي دكتوراه دولة منها، وأعي تماماً ما أكتب وما أقول.

- أحمد الشيخ: كاتب مترجم مصري مقيم في باريس


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».