«زبور»... الكتابة كحيلة وحيدة في مواجهة الموت

رواية ثانية لكمال داود الفائز بـ«غونكور» الفرنسية

كمال داود  -  غلاف الرواية
كمال داود - غلاف الرواية
TT

«زبور»... الكتابة كحيلة وحيدة في مواجهة الموت

كمال داود  -  غلاف الرواية
كمال داود - غلاف الرواية

افتتح الموسم الباريسي الأدبي الحالي بثماني روايات من القارة السمراء، منها الرواية الثانية للكاتب الجزائري كمال داود، التي اعتبرها بعض المعلقين في الصحافة الأدبية الحدث الأبرز في هذا الموسم المخصص للأدب الفرانكفوني. وقد حظيت هذه الرواية التي صدرت الشهر الماضي عن دار «أكت سود» في باريس، ودار «برزخ» في الجزائر، و«سيريس» في تونس، باهتمام إعلامي واسع، حتى قبل صدورها، خصوصاً أن الكاتب كان قد نال جائزة «غونكور» للرواية الأولى عن روايته: «مورسو: تحقيق مضاد» (وكنا قد كتبنا عنها في مقال سابق) التي واجه فيها كاتباً آخر، ألبير كامو، الذي نال جائزة نوبل للآداب عن روايته: «الغريب» (l'étranger)، ويتجاهل فيها هوية الضحية الجزائري الذي يقتله أحد المستوطنين الفرنسيين (مورسو) على شاطئ جزائري، ليأتي كمال داود ليعطيه اسماً، وهوية، وينسبه إلى عائلة ويعيد إلى ذهن القارئ الرواية الرائجة بعد أن أوقفها على قدميها. في حين اعتبر آخرون أنه لا يمكن أن نطلق عليها صفة رواية فهي أقرب إلى حكاية.
وجاءت روايته الثانية «زبور أو المزامير» (Zabor ou les psaumes) لتزيد من اهتمام بعض الأوساط الفرنسية بالكاتب الذي يتهم في بلده الجزائر بالإسلاموفوبيا، أو معاداته للدين، رغم أنه نشأ في بيئة دينية محافظة، وبانتقاده للغة العربية التي يعتبرها «حبيسة المقدس»، و«لا تعرف التطور». ولكن داود، وعلى الرغم من كل الانتقادات اللاذعة التي تلاحقه في بلده، من قبل الأوساط الدينية والثقافية، آثر أن يبقى في مدينة وهران ويكتب في صحيفتها «وهران»، بالإضافة إلى مراسلته مجلة «لوبوان» الفرنسية.
في روايته الثانية، بقي داود محافظاً على الأجواء الجزائرية منعكسة في الحياة اليومية لسكان القرى. فبطل الرواية الذي تدور كل الأحداث حوله، يعيش في قرية أبو قير (وهذه تسمية المستعمر الفرنسي السابق لهذه القرية تذكر بمعركة أبو قير في مصر بين البحرية البريطانية وأسطول نابليون، ووصفه لها يشابه القرية التي وُلِد فيها، قرية مسرا القريبة من مستغانم، حيث ولد في عام 1970، ثم انتقل بعدها إلى وهران) على أطراف الصحراء غرب الجزائر. زبور، بطل الرواية، يتيم الأم المنطوي على نفسه، كان على خلاف أقرانه مولعاً بالقراءة. وتعلم اللغة الفرنسية بجهده الشخصي من كتب أولاد المستعمر السابق التي تركوها خلفهم بعد رحيلهم من الجزائر. فالرواية كنصّ أدبي تبدو عادية، بأسلوب لغوي بسيط، سهل الهضم، لا يخلو من السلاسة، بلغة فرنسية متقنة، ومفردات منتقاة تتناسب والفكرة العامة التي تدور حول فكرة جديدة تجعل من الكتابة «تعويذة سحرية لإطالة أمد حياة المحتضرين، أو من شارف على الموت لمرض أو لعجز، أو لشيخوخة». هي فكرة تجعل الكتابة تواجه الموت، كدواء سحري، أو وسيلة تخلق معجزات، وتعاند قوانين الطبيعة، والقدر المحتوم.
وهنا القصة الطويلة التي تملأ كراساً بأكمله سرداً تبعد الموت عن المتلقي، حسب الكاتب. إنها على نقيض «ألف ليلة وليلة»، إذ إن القصة تأتي مسلسلاً ليليّاً متقطعاً يؤجل موت القاصة شهرزاد، وليس المتلقي شهريار الملك.
وفي صفحات أخرى من هذه القصة، يخبرنا داود أن القراءة وحدها لا تكفي. الكتابة هي الأساس، وهي التي تنقذ من الموت، في معنى مجازي... «أمة لا تقرأ ولا تكتب نهايتها الموت».
هي رواية بصوت واحد، صوت الكاتب، كتبت بصيغة المتكلم كمحرك رئيسي للأحداث، وكل الشخصيات حوله هي شبه ثانوية، شخصيات عابرة، تخدم الفكرة العامة في معجزة الكتابة، التي فيها الشفاء، ولكن ليس باللغة العربية، وإنما باللغة الفرنسية! لماذا بالفرنسية؟ ثم، لماذا اختيار هذا العنوان «زبور، أو المزامير» الذي يذكِّر بمزامير داود، مع أن الكاتب يشرح في روايته أن اسم «زبور» الأصلي كان إسماعيل، لكن اسم «زبور» جاءه بعد شجار مع أخيه غير الشقيق، عادل، راعي قطيع أغنام أمي حقد عليه، إثر حادث وقع بينهما عندما كانا طفلين، فصدم عادل رأس أخيه إسماعيل، وسقط عادل في جب جاف القعر. اتهم زبور بأنه هو من دفع أخاه ليسقط في الجب، ما جعل الأم أن تحكم على أبيه إبراهيم الذي تزوج منها بعد موت أم إسماعيل، بطرد ابنه من البيت، فيضعه مع عمته العزباء هاجر في منزل منفصل (وهنا لا بد للقارئ أن يلاحظ أوجه التشابه بين قصة إبراهيم الخليل مع زوجته سارة التي تجبره على طرد خليلته هاجر وطفلها إسماعيل كما جاءت في القرآن الكريم) هل هو تشابه في الأسماء مقصود لإسقاطات تاريخية ودينية؟
على أية حال، هذا الارتطام بالرأس جعله يسمع دويا يشبه صوتا يناديه «زااااا بووووور» فيتحول من إسماعيل (المسلم) إلى (زبور) اليهودي. وظل هذا الاسم هو الذي يطلق عليه فيما بعد. وبقي الأخوان متخاصمين طوال سنين طويلة، والأب لا يعير كبير اهتمام بالطفل إسماعيل (زبور) ولا بأبيه العليل الحاج حبيب. منذ دخول زبور المدرسة في قرية معظم قاطنيها أميون، أصابه في هوس القراءة والكتابة، فنراه منطوياً على نفسه لا يعرف من عالمه سوى الانكباب على القصص، وقراءة كل ما يقع تحت يديه، حتى إن أهالي قرية أبو قير كانوا يأتونه بكتب مُزِّقَت بعض صفحاتها، أو بعض المجلات، أو أي شيء يُقرأ، وكان يلتهمها جميعاً. وقد ذاع صيته في هذه القرية، بأن له مقدرة غير عادية على شفاء المرضى، وقهر الموت، عبر كتابة قصة حياتهم. هل هي هبة خارقة؟ أم مجرد شعوذة وتحدي الموت بالمتخيل؟
يقول: «يكفي أن نعطي للموت عظمة يقضقضها، أن نخدعه بقصة طويلة تنهكه حتى نراه ينأى بعيداً... الكتابة هي الحيلة الوحيدة الناجعة في مواجهة الموت... أعتقد أني الوحيد الذي وجد الحل: الكتابة... اخترعت الكتابة كي تحفظ الذاكرة... وإذا كنا لا نريد أن ننسى فهي بطريقة أو بأخرى، رفض للموت.. وإذا كانت الكتابة قد عمت هذا العالم ذلك لأنها وسيلة قوية لقهر الموت، وليس فقط وسيلة حسابية، أو سردية كما ولدت في حضارة ما بين النهرين».
هي مقولة مضادة لمعتقد سائد في قرية محافظة، فالموت حتمي مهما تحصنّا: «يأتيكم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة». لكن سكان أبو قير بدأوا يعتقدون به بعد تجارب مختلفة، فأعمار المسنين راحت تطول حتى تخطت المائة عام.
كتابات زبور التي تتحدى الموت (وكأن كمال داود يعتبر كتاباته كـ«المزامير» كما جاء في عنوان الرواية) اعتبرها «كأول تمرد للحبر ضد الموت... منذ زمن وقريتنا في صحة جيدة... لا قبور تُحفَر في مقابر بوغويلة في الهضبة منذ أن بدأت الكتابة، الناس يعيشون بفضل كتاباتي مائة سنة».
لكن زبور كان لديه تحدٍّ كبير، فكان إذا قابل أحدهم ولا يكتب عنه خلال أيام ثلاثة فإنه سيلاقي الموت، وكان عليه أن يشتري كراسات بعدد الأشخاص الذين يقابلهم خلال اليوم، وكان لديه مهلة ثلاثة أيام كي ينقذهم، فكان يشتري في اليوم عشراً أو اثنتي عشرة كراسة، وفي إحدى الأيام اشترى سبعين كراسة بعد أن شاهد عرساً. كان يعطي لحكاياته عناوين غريبة أيضاً، أو عناوين لروايات معروفة كـ«موسم الهجرة إلى الشمال»، و«رصيف الأزهار لم يعد يرد»، و«الطرقات الصاعدة»، و«أضواء آب»... وسواها، حتى إنه ملأ صفحات 5436 كراسة.
في الثامن من شهر أغسطس (آب) من عام 1984 جلس زابور البالغ من العمر أربع عشرة سنة، قبالة جده الحاج حبيب الذي يحتضر وهو يكتب له في كراسته: «الجد شبه جثة هامدة، والكتابة لا تتوقف والجد يردد أنفاسا ضعيفة وصفحات الكراسة كادت تنتهي، كل صفحة تزيد فيه أنفاساً إضافية».
وجاء دور الأب المريض إبراهيم الذي أسرع ابنه عادل الأخ غير الشقيق ليتوسل إلى زبور الذي عانى من ظلم أبيه وإهماله (وهنا الطفل إسماعيل هو الذي ينقذ الأب إبراهيم وليس العكس في القصة التوراتية: إبراهيم هم أن يضحي بابنه ثم أنقذه الملاك بكبش)... ليقع في حيرة تغذيها عمته التي احتضنته بعد موت أمه وهجر أبيه، لأنها تريد أن تنتقم، أسلوب آخر في توظيف عقدة أوديب في قتل الأب، أو عدم الرغبة بإحيائه، فالكتابة وإن أحيت فهي أيضاً تميت.
زبور أو المزامير رواية سيرة شبه ذاتية متخيلة، تخلط المقدس بالمتخيل، ونلمس فيها حنيناً للغة المستعمر وإضفاء صبغة قدسية عليها أعلى من المقدس الديني، ما دام زبور نجح في إطالة إعمار سكان القرية بالكتابة بهذه اللغة.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.