لعنة آل كيندي... مأساة تتكرّر عبر الأجيال

رحيل جديد يضيف فصلاً حزيناً إلى تاريخ العائلة

اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)
اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)
TT

لعنة آل كيندي... مأساة تتكرّر عبر الأجيال

اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)
اسم لامع في التاريخ الأميركي تحيط به خسارات لا تنتهي (أ.ف.ب)

في سنّ الـ35، اختطف الموت قبل أيام تاتيانا شلوسبيرغ، حفيدة الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي. وكانت الشابة المتوفاة تعمل صحافية مختصة بقضايا البيئة. ورغم أنّ الأميركيين شعب يؤمن بالعلم، فإنّ هناك مَن بات يتحدّث عن «لعنة»، مثل «لعنة الفراعنة»، تطارد العائلة الشهيرة والثرية التي قضى عدد من رجالها ونسائها في حوادث متفرّقة.

وتاتيانا، التي تركت وراءها طفلين، من الجيل الثالث لعائلة كيندي. والدتها هي كارولين، السفيرة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة، ووالدها هو المصمّم إدوين شلوسبيرغ. درست في جامعة «ييل»، كما نالت شهادة من «أكسفورد»، واتّجهت إلى العمل الصحافي لحساب عدد من وسائل الإعلام، بينها «نيويورك تايمز». ورغم انخراط أفراد الأسرة في السياسة، فإنها حرصت على الابتعاد عن تلك الدائرة المحاطة بالمخاطر والتهديدات. وعام 2019 أصدرت كتاباً عن تأثير العادات اليومية للمواطنين على نظافة البيئة.

اقترنت تاتيانا بالطبيب جورج مورغان، وولدت طفلاً وطفلة. والعام الماضي، بعد ولادة طفلتها مباشرة، شخَّص الأطباء لديها نوعاً نادراً من سرطان الدم. وفي 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في الذكرى السنوية لاغتيال جدّها الرئيس، نشرت الحفيدة نصاً مؤثراً في «نيويورك تايمز» كشفت فيه عن مرضها وحزنها لأنها ستفارق طفليها، كما عبَّرت عن امتعاضها من المعلومات الصحية المُضلّلة، وذكرت بعض المواقف التي يمكن للقادة أن يتّخذوها، وبينهم أفراد من عائلتها، لتحسين حياة المرضى.

وجوه مجتمعة تحت الضوء فيما المصائر كانت تُكتب في مكان آخر (أ.ب)

ما زال اسم كيندي يثير الاهتمام رغم مرور الزمن، وهو اهتمام مشوب بالحزن... فما إن يتوارى عن المشهد العام حتى يعود إلى الظهور مجدداً انطلاقاً من صفحات الحوادث. آخر تلك الحوادث، غرق مايف كيندي ماكين وطفلها، بعد جنوح قاربهما على ساحل بحيرة قرب واشنطن. وجاء في التحقيقات أنّ الغريقة، البالغة 40 عاماً، كانت تلعب الكرة مع ابنها على ساحل البحيرة قبل أن يستقلا قارباً لانتشال الكرة التي تدحرجت إلى الماء. وكان أن جرف التيار الزورق بسبب الرياح.

مايف هي ابنة كاثلين كيندي تاوسند، الابنة البكر لوزير العدل الأسبق روبرت كيندي، الذي اغتيل في لوس أنجليس عام 1968، بعد 5 سنوات من اغتيال شقيقه الرئيس في دالاس. وكانت وفاتها حلقة في سلسلة النكبات التي ضربت العائلة ذات النفوذ المالي والسياسي الكبير.

بدأت مصائب آل كيندي عام 1941، حين أُصيبت روزماري كيندي، شقيقة جون، بخلل نفسي. ونشر بعض المصادر شائعات عن معاناتها أمراضاً عقلية مثل الكآبة والفصام. وأخضع جوزيف باتريك كيندي الأب ابنته لجراحة سرّية دقيقة في المخ بسبب نوبات الغضب الحادّة والعنيفة التي كانت تصيبها، لكنّ العملية تسبَّبت في إضعاف قدراتها العقلية بشكل أكبر. ولازمت روزماري المستشفى حتى وفاتها عام 2005.

في صيف 1944، خلال الحرب العالمية الثانية، توفي النجل الآخر جوزيف باتريك كيندي بعد انفجار طائرته شرق سوفولك في إنجلترا. وفي ربيع 1948 توفيت نسيبة العائلة المركيزة كاثلين كافنديش في حادثة سقوط طائرة في فرنسا.

وتمضي السنوات لنصل إلى جاكلين بوفيه، أشهر نساء العائلة، المعروفة بـ«جاكي»، زوجة الرئيس الـ35 للولايات المتحدة. فقد وضعت في صيف 1956 طفلة ميتة، وُورِيَت الثرى بمقبرة «آرلنغتون» بعدما كان أبواها قد اختارا لها اسم أرابيلا. وتكرَّرت المأساة عام 1963 حين توفي الطفل باتريك كيندي بعد يومين من ولادته. وفي العام نفسه، اغتيل والده في حادث شهير وهو جالس في سيارة مكشوفة مع السيدة الأولى في شوارع دالاس، في زيارة دخلت صورها التاريخ. وأُطلقت النار على القاتل قبل محاكمته، ولا يزال الغموض يلفّ القضية حتى اليوم.

كان السيناتور روبرت كيندي مرشَّحاً لتولي المنصب الأعلى، لكنه اغتيل عام 1968 على يد الفلسطيني المسيحي سرحان بشارة سرحان، الذي لا يزال يقبع في السجن قرب سان دييغو رغم انتهاء مدّة محكوميته. كما انحرفت سيارة الشقيق الثالث تيد كيندي وسقطت من فوق جسر في جزيرة تشاباكويدك. ونجا تيد من الموت، لكن الحادث تسبَّب في فضيحة للعائلة؛ لأنّ التي قضت فيه كانت عشيقته ماري جو كوبكني، التي كانت معه في السيارة. وقال تيد كيندي في مقابلة تلفزيونية بعد الحادث إنه بات يتساءل عن حقيقة وجود «لعنة» تطارد أفراد العائلة.

كل ذلك، والأسوأ لم يكن قد وقع بعد؛ ففي صيف 1973 أُصيبت بام كيلي في حادثة سيارة كان يقودها جوزيف باتريك الابن. وفي خريف العام نفسه بُترت قدم تيد كيندي الابن بسبب إصابته بسرطان العظام. وبعد مدّة وجيزة ارتكب مايكل سكلاكل، ابن شقيق إيثيل كيندي أرملة روبرت، جريمة قتل جارته مارثا موكسلي، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبَّد. وعام 1984 قضى ديفيد أنطوني كيندي بجرعة زائدة من المخدرات، وعُثر على جثته في غرفة بفندق «بالم بيتش» بولاية فلوريدا.

وعام 1991 وُجّهت تهمة الاعتداء على سيدة إلى ويليام كيندي سميث بأحد ممتلكات العائلة في «بالم بيتش»، وجذبت القضية اهتمام وسائل الإعلام، قبل أن يُبرّأ لاحقاً. وفي أواخر 1997 توفي مايكل لي كيندي بحادث تزلج على الجليد في «آسبن» بولاية كولورادو.

كلّ رحيل جديد يعيد فتح سجلّ قديم من الحزن (د.ب.أ)

أما الأسوأ، فقد وقع في صيف 1999 عندما توفي جون كيندي الابن، نجل جاكي والرئيس الأسبق، بعد تعطُّل طائرته من نوع «بايبر ساراتوغا» وسقوطها في المحيط الأطلسي، وقضت معه زوجته وشقيقتها. ولم تنقطع المآسي، ففي أواخر صيف 2011 توفيت كارا كيندي ألين خلال ممارسة الرياضة في نادٍ رياضي إثر نوبة قلبية، وكانت قد تعافت من سرطان الرئة بعد إزالة إحدى رئتيها. وفي ربيع 2012 انتحرت ماري ريتشارد كيندي بمنزلها في بيدفورد بولاية نيويورك.

كانت عائلة كيندي أشبه بقبيلة ثرية كثيرة الأفراد. وكانت الجدّة الكبرى روز كيندي تودع مبلغ مليون دولار باسم كلّ طفل يولد للعائلة، في زمن كان فيه المليون يساوي ثروة طائلة. وحتى جاكي، أرملة الرئيس، التي اقترنت لاحقاً بالثري اليوناني أوناسيس، لم تنجُ من المرض الخبيث، ولم يبقَ من أسرتها الصغيرة سوى ابنتها كارولين التي أصبحت سفيرة للولايات المتحدة. وعند وفاتها، وقف الرئيس بيل كلينتون يؤبّنها قائلاً: «لقد وهبها الله هبات كبيرة، لكنه فرض عليها أيضاً كثيراً من المعاناة».


مقالات ذات صلة

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق القضية تعود بخيطها الأخير (أ.ف.ب)

نهاية المطاردة... توقيف متّهمة بتوريط رونالدينيو في الجوازات المُزوَّرة

سُجنت امرأة باراغوايانية مُتّهمة بتزويد نجم كرة القدم البرازيلي السابق رونالدينيو بجواز سفر مزوَّر، ممّا أدّى إلى احتجازه 5 أشهر.

يوميات الشرق بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)

بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

أوضحت الممثلة المصرية بسنت شوقي أنها تعاملت مع شخصية «وفاء» بجدّية في التحضير، وحرصت على البحث عن نماذج قريبة منها في الواقع.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الملكة رانيا وديفيد بيكهام ومايلي سايرس مع شخصيات من «شارع سمسم» (موقع البرنامج)

من الملكة رانيا إلى آل أوباما مروراً بديفيد بيكهام... الكل يلبِّي دعوة «شارع سمسم»

برنامج «شارع سمسم»، أكثر البرامج التلفزيونية استقطاباً للمشاهير من كافة المجالات. من محمد علي كلاي إلى باراك أوباما. والغائب الأكبر دونالد ترمب.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».