«التياترو الكبير»... مسرح بيروت العريق يستعد للعودة إلى الحياة

مبادرة دولية تنطلق من الشارقة بمليون دولار لإعادة إحياء الصرح الثقافي التاريخي

قبّة «التياترو الكبير» من الداخل (مواقع التواصل)
قبّة «التياترو الكبير» من الداخل (مواقع التواصل)
TT

«التياترو الكبير»... مسرح بيروت العريق يستعد للعودة إلى الحياة

قبّة «التياترو الكبير» من الداخل (مواقع التواصل)
قبّة «التياترو الكبير» من الداخل (مواقع التواصل)

خبر سارّ للبنانيين، إطلاق حملة دولية لإعادة إحياء «التياترو الكبير» الذي لعب دوراً مركزياً من ثلاثينات حتى سبعينات القرن الماضي في تعزيز دور بيروت الثقافي والفنّي خلال تلك المرحلة الذهبية. وإذ نالت الحرب الأهلية منه، وتركته مشوَّهاً مدمراً، فإنّ عملية إعادة الإعمار الكبرى لوسط بيروت عنيت بالأسواق والفنادق والمقاهي، ولم تلحظ ترميمه أو بثّ الحياة فيه من جديد، وتُرك على ما هو عليه. ومحاولة المسرحية نضال الأشقر والمخرج نبيل الأظن وفنانين آخرين، بإشراف وزارة الثقافة يوم كان غسان سلامة وزيراً للثقافة للمرة الأولى، لم تصل إلى نهايتها السعيدة، ورُمّمت الواجهات الخارجية فقط، وبقي الداخل على حاله.

وعام 2011، كان هناك مشروع لتحويله إلى فندق، تماشياً مع رغبة المالكين، لكن لحُسن الحظّ لم يتم، وبقي المكان مغلقاً. وغالباً ما بقي «التياترو» مُسيّجاً، وممنوع على الناس الدخول إليه. ومع اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، دخل المنتفضون إلى المبنى ورفعوا العلم اللبناني على سطحه، مُحتجّين على حرمانهم من ممتلكاتهم العامة، كونه ضمن ملكيات شركة «سوليدير» التي لم تبادر إلى ترميمه. ويرجى أن تكون المحاولة الحالية أكثر نجاعة من سابقتها، وأن تحصل وزارة الثقافة على التمويلات التي تحتاج إليها كي تتمكن من مباشرة العمل بسرعة، بالتعاون مع منظمة «اليونيسكو»، قبل أن تفتر الهمم من جديد.

هذا الصرح المسرحي أقيم فيه حفل تأبين جبران خليل جبران عام 1931 بعد وصول جثمانه إلى لبنان، بحضور الأدباء أمين الريحاني، وخليل مطران، والأخطل الصغير، وإلياس أبو شبكة، وآخرين. وهنا استُقبلت أم كلثوم في أثناء زيارتين لها إلى لبنان، حيث أقامت حفلَيْن، استمر أحدهما حتى الثانية والنصف بعد منتصف الليل. وفي «التياترو» غنَّى محمد عبد الوهاب للمرة الأولى أمام الجمهور «يا جارة الوادي» بحضور أحمد شوقي وخليل مطران والأخطل الصغير، وعُرض فيلم «الوردة البيضاء» إلى جانب أفلام أخرى باتت تاريخية في مسار السينما العربية.

قبل أيام، أطلق وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة حملة تبرّعات دولية لإعادة إحياء «التياترو الكبير»، وإلى جانبه المديرة العامة لـ«اليونيسكو» أودري أزولاي، ووفد من إمارة الشارقة ضم رئيس هيئة الشارقة للثقافة والفنون عبد الله محمد العويس، والسكرتير الأول في سفارة دولة الإمارات في لبنان محمد الغفلي، ومدير مكتب رئيس هيئة الشارقة للثقافة والفنون عمران السويدي. فقد افتتح حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي، المانح الرئيسي، الحملة الدولية بمبلغ مليون دولار، وهو ما يمكن أن يُشجّع المانحين الآخرين. وحضر إطلاق المبادرة مدير مكتب «اليونيسكو» في بيروت بابلو فونتاني، والمندوبة الدائمة للبنان لدى «اليونيسكو» السفيرة هند درويش، ومدير عام الآثار المهندس سركيس الخوري، والمستشار المعماري جاد تابت.

«التياترو الكبير» متضرّراً بعد الحرب (مواقع التواصل)

صرّح سلامة بعد الزيارة قائلاً: «إن وزارة الثقافة، قبل كل شيء، بصفتها حارسة الذاكرة الوطنية، لا يمكنها قبول بقاء هذا المكان، الذي كان مركزاً ثقافياً خلال استقلال هذا البلد وقبله، على هذه الحال». وأضاف: «لقد تحقّق حلم كثيرين: إحياء المسرح الكبير وترميمه وتطويره. ووزارة الثقافة، وهي طرف فاعل في عملية الانتعاش الاقتصادي، تضطلع بهذا العمل لإدراكها أنه عنصر مهم في عملية الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها لبنان».

ولفت إلى أنّ «التعاون مع أشقائنا العرب والمنظمات الدولية ممكن ومثمر». شاكراً الأشقاء في إمارة الشارقة وفي مقدمتهم الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، ومنظّمة «اليونيسكو» على اهتمامهم بالمشروع.

هذا الصرح الذي دارت فيه أهم الأحداث الثقافية منذ الثلاثينات حتى اندلاع الحرب الأهلية، شاهد على أكثر سنوات بيروت ازدهاراً، يوم كانت تجتذب الفرق المسرحية والفنانين والمتفرّجين من العالم.

وتذكُر خالدة السعيد في كتابها «الحركة المسرحية في لبنان» شهادة حيّة من الفنان فيليب عقيقي يقول فيها: «كان التياترو الكبير أحلى المسارح، ومجهزاً تجهيزاً جيداً. وكانت فرقة الكوميدي فرنسيز تلعب عليه في أثناء جولاتها».

ويُذكر أن «التياترو» شُيّد خلال موجة فوران الحركة المسرحية مطلع القرن الماضي في بيروت، وسبقه «مسرح الكريستال» الذي كان يستقبل مسرحيات، بينها التي كانت تأتي من مصر، وعلى خشبته قدّم جورج أبيض أعماله، كما أقام محمد عبد الوهاب أول حفلاته. والمسرح الآخر الذي وُجد في تلك المرحلة هو «شيدوفر» الذي يرجع لعائلة كريدية في وسط بيروت، وهُدم بسبب شق طريق.

افتُتح «التياترو الكبير» ليصبح الأكبر والأهم والأفخم. يجمع في معماره بين الهندسة الإسلامية والغربية. فهو مزدان من الخارج بقناطر وزخارف، وفي الداخل له روح دور الأوبرا الغربية بكلّ مكوناتها، سواء بمدخله أو بترتيب صالاته وشرفاته. وهناك صالة انتظار مستديرة عند المدخل، ودرجان يقودان إلى بلكونَيْن يتّسع كلّ منهما لعشرات المتفرّجين. أما الصالة الرئيسية والخشبة ومكان جلوس الأوركسترا، فكلّها صُمّمت وشُيّدت لتتناسب والمقاييس العالمية.

كان المكان في البدء مستودعاً للزوارق، ثم بمبادرة من جاك ثابت، بدأ العمل في بنائه عام 1927، بعدما صمّمه المهندس المعماري يوسف أفتيموس، الذي سبق وصمّم مبنى بلدية بيروت و«بيت بيروت»، وفيه من روح «التياترو»، وبرج الساعة في السرايا الكبيرة.

في الخمسينات، بدا أنّ وهج المسرح قد خبا تحت وطأة تدفُّق الأفلام السينمائية، فتحوّل «التياترو» إلى مكان لعروض الأفلام. ويبدو أنّ الناس في تلك الفترة هجرت المسرح ولم تعُد ترغب فيه، إلى أن عادت الفورة إلى بيروت مع عمل الرواد الذين أسّسوا لنهضة مسرحية حديثة، مثل نضال الأشقر، وروجيه عساف، وأنطوان ملتقى، ومنير أبو دبس وآخرين.

لكن الحرب كانت أقوى من الفنون. و«التياترو الكبير» القابع في وسط بيروت على خطوط التماس بين المنطقتين الشرقية والغربية، أصبح العمل فيه مستحيلاً مطلع الثمانينات. وبدل المسرح، أصبح المكان خراباً. وعندما هدأت الحرب، وأخذ وسط بيروت الاهتمام الأكبر في الإعمار والبناء، كان هناك وعد بإعادة النبض إلى هذا الصرح الثقافي التاريخي، لكنَّ الوعد لم يُنفذ. واليوم يؤمَّل في الوزير سلامة أن ينجز ما لم يتمكن منه وزراء سبقوه. فهو لا يزال يشدّد على أنّ «إحياء المعالم الثقافية هو استثمار في مستقبل لبنان وهويته»، داعياً إلى عقد شراكات عربية ودولية لتعزيز هذا النهج في مواقع أخرى من لبنان.


مقالات ذات صلة

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملصق الترويجي للمسرحية (حساب المستشار تركي آل الشيخ في فيسبوك)

«جريمة في فندق السعادة»... مسرحية مصرية للعرض بموسم الرياض

يستعد مسرح «محمد العلي» بالعاصمة السعودية الرياض، لاستقبال فريق عمل المسرحية المصرية «جريمة في فندق السعادة»، التي يتصدر بطولتها عدد كبير من نجوم الكوميديا.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)

مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

مما يمنح هذه العودة معناها الأشدّ تأثيراً قدرةُ زياد الرحباني على كتابة نصوص تتقدَّم الزمن الذي خرجت منه...

فاطمة عبد الله (بيروت)

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
TT

هاني شاكر يتعرض لانتكاسة صحية بعد فشل تنفسي

هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)
هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

تعرّض الفنان هاني شاكر لانتكاسة صحية مفاجئة، إثر إصابته بفشل تنفسي خلال خضوعه للعلاج في فرنسا، وذلك بعد تحسّن ملحوظ طرأ على حالته خلال الأيام الماضية. ويخضع حالياً لملاحظة طبية دقيقة، وفق ما أكدت المطربة نادية مصطفى، السبت، في بيان نشرته عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، نقلاً عن نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير، علماً بأن نادية مصطفى ترتبط بعلاقة صداقة مع أسرة هاني شاكر.

وجاء رد أسرة هاني شاكر عقب تصريحات للكاتب الصحافي عادل حمودة أعلنها الجمعة، وذكر فيها أن قلب هاني شاكر توقف لمدة 7 إلى 8 دقائق عقب إجرائه عملية في القولون قبل أسابيع، ثم عاد إلى الحياة، مؤكداً أن المعلومات حصل عليها من التقرير الطبي عن حالة شاكر الصحية، والتي يجري نشرها لأول مرة.

ونفت زوجة هاني شاكر، عبر البيان، ما تردد بشأن تعرضه لنزيف حاد وتوقف في القلب لمدة 7 أو 8 دقائق، مؤكدة أنه دخل أحد المستشفيات بالقاهرة إثر إصابته بنزيف حاد نتيجة مشكلة قديمة في القولون، حيث يعاني وجود «جيوب أدت إلى التهابات ونزيف». وأضافت أنه تعرض لنزيف شديد استدعى نقله دم، وتدخل الأطباء عبر «الأشعة التداخلية» لوقف النزيف، إلا أن حالته شهدت لاحقاً توقفاً في القلب لمدة 6 دقائق، قبل أن يتم إنعاشه بسرعة خلال 3 محاولات.

وذكر البيان أنه على أثر ذلك قرر الأطباء إجراء الجراحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة، وتمت العملية بنجاح. وبعد الإفاقة، تعرَّف هاني شاكر على زوجته ونجله شريف، وبدأت مرحلة التعافي. إلا أنه، نظراً لطول فترة بقائه في العناية المركزة التي قاربت 20 يوماً، أصيب بضعف عام في عضلات الجسم، ما دفع الأطباء إلى التفكير في سفره لاستكمال التأهيل الطبي. وأضاف البيان أنه بالفعل شهد تحسناً ملحوظاً، وخرج من العناية المركزة، غير أنه تعرّض لاحقاً لانتكاسة صحية مجدداً.

وطلبت نادية مصطفى من جمهور الفنان هاني شاكر الدعاء له بأن يعود سالماً لأسرته ومحبيه.

وكان شاكر قد تعرّض لأزمة صحية فبراير (شباط) الماضي، وبعد إجراء جراحة بالقاهرة سافر لفرنسا منتصف مارس (آذار) الماضي؛ حيث استقل طائرة طبية مجهزة.

وأعلنت نقابة الموسيقيين في بيان لها أن هاني شاكر خضع لفحوصات طبية للاطمئنان على استقرار حالته الصحية. كما كشف نقيب الموسيقيين مصطفى كامل، في وقت سابق، عن استقرار حالته ومغادرته غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى الذي يتلقى العلاج به في فرنسا، مشيراً إلى أنه بدأ مرحلة العلاج الطبيعي، ما عزز حالة من التفاؤل بقرب عودته سالماً إلى مصر.

ولاحقت المطرب هاني شاكر شائعات عديدة منذ إعلان مرضه، تارة عن تدهور صحته، وأخرى عن وفاته، لتشعل مواقع «السوشيال ميديا» وتثير غضب أسرته وجمهوره.

وقال الناقد أمجد مصطفى إن بيان أسرة هاني شاكر وضع النقاط فوق الحروف بشأن حالته الصحية الحالية، وأنه أنصف الأطباء المصريين بعد نجاحهم في إجراء الجراحة الحرجة له بالقاهرة. وأبدى أمجد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، دهشته مما ذكره الكاتب عادل حمودة، مؤكداً أن ذلك «ليس سبقاً صحافياً وليس وقته»، مشيراً إلى أن أسرته هي الجهة الوحيدة التي يحق لها الكشف عن تفاصيل حالته، عبر الفنانة نادية مصطفى المقربة من العائلة. واختتم بتوجيه الدعاء له بالشفاء، وتجاوز أزمته الصحية.

فيما دعا الناقد أحمد السماحي للفنان هاني شاكر أن يتجاوز أزمته الصحية، وأن يعود لمحبيه قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «شاكر أحد الذين لم يخدشوا هيبة الغناء، وحافظ على وقار الغناء العربي من خلال اختياراته الغنائية ووقوفه الراقي المحترم على المسرح».

ويُعد هاني شاكر (73 عاماً) المُلقب بـ«أمير الغناء العربي» أحد كبار المطربين العرب، وقد بدأ مسيرته الفنية سبعينات القرن الماضي، وشق طريقه بنجاح، واستطاع أن يؤكد موهبته وسط عمالقة نجوم الغناء على غرار الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، وحاز شاكر خلال مشواره عدداً من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق من تونس، والوسام العلوي بدرجة قائد من محمد السادس ملك المغرب، وجائزة فلسطين؛ حيث كان من أوائل المطربين الذين غنوا بها، وتولى منصب نقيب الموسيقيين بمصر.


كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
TT

كلاب مرفهة في مصر تثير انتقادات اجتماعية

تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)
تورتة مبتكرة للاحتفال بعيد ميلاد الحيوانات الأليفة (إنستغرام)

جدد إعلان عن إعداد «تورتة» صحية للكلاب للاحتفال بأعياد ميلادها، الضوء على التناقضات التي تحكم ملف رعايتها في مصر، فبينما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة شبه يومية مقاطع تُصوّر مواجهات بين الأهالي والكلاب الشاردة، وسط دعوات للتخلص منها، فإنه في المقابل تنشط حملات للتبرع لملاجئها ورعايتها، إلى جانب مظاهر رفاهية موجهة للكلاب المنزلية، في مشهد تنعكس فيه تفاعلات متباينة بين السخرية والفضول، والتعاطف والسخط.

وعبر منصة «تيك توك»، نشرت إحدى القائمات على محل متخصص لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، مقطع فيديو «تُبشر» فيه مُربي الكلاب بتصميم «تورتة» مناسبة لأليفهم، بحيث يمكنهم «طباعة» صورته على سطحها بعد تزيينها، والاحتفال معه بعيد ميلاده، والاطمئنان على «خلو الكعك من المواد المضرة للكلاب لا سيما السكريات، التي تسبب أضراراً كبيرة للبنكرياس»، وفق الإعلان.

ووسط تعليقات تتساءل عن تفاصيل أكثر عن مكونات «التورتة» وسعرها، والوقت اللازم لإعدادها، تصاعدت في المقابل موجة من التعليقات الساخرة على شاكلة: «أنا لم أحتفل بعيد ميلادي منذ سنوات»، و«أنا لم أشتر تورتة لأبنائي... أشتريها للكلب؟!»، على نحو يستعيد العبارة الشهيرة في مسرحية «الواد سيد الشغال» التي كان يسخر فيها «سيد» (قام بدوره الفنان عادل إمام) من الرفاهية الكبيرة التي يُحاط بها الكلب «شحيبر» من جانب أسرة ملاك الفيلا التي يعمل بها، وهم يحرصون على تقديم فطور «فخم» لكلبهم.

يتزامن ذلك مع تحركات رسمية للتعامل مع ملف «الكلاب الضالة» في مصر؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة، الخميس، عن تحصين نحو 22 ألف كلب شارد ضد مرض السعار منذ مطلع يناير (كانون الثاني) هذا العام، إلى جانب تنفيذ ما يقرب من 1900 عملية تعقيم، ضمن «حملة قومية تعتمد على أساليب علمية وإنسانية للحد من انتشار المرض والسيطرة على أعداد الكلاب في الشوارع»، حسب بيان الوزارة.

كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات انتشار كلاب ضالة عبر خط ساخن خصصته الوزارة لهذا الشأن، في خطاب يوسّع دائرة المسؤولية المجتمعية.

وترى الدكتورة أميرة الشاذلي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن الإعلانات التي تشمل بنود رفاهية على غرار «تورتة الكلاب» تثير بدورها «حالة من السخط لدى قطاع واسع من المواطنين، في ظل موجة الغلاء التي تطول السلع الأساسية، والقائمون على مثل هذه الإعلانات يدركون مسبقاً حجم الجدل الذي ستثيره، بل قد يعوّلون عليه في الترويج؛ إذ تعتمد بعض المنتجات التي يراها قطاع كبير (استفزازية) على إثارة التفاعل، حتى لو جاء في صورة سخرية أو انتقاد»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «كثيراً من مربي الحيوانات الأليفة يواجهون منذ فترة صعوبات في توفير احتياجات طعامها، ما يدفع بعضهم إلى التخلي عنها تحت ضغط الظروف الاقتصادية، وهو ما يسهم في تفاقم أزمات قائمة، مثل زيادة أعداد الكلاب في الشوارع داخل الأحياء السكنية؛ فملف التعايش بين المواطنين والكلاب في مصر لا يزال يفتقر إلى التنظيم، ويجعل من الصعب لوم من يخشاها، أو من يتعامل معها بدافع الرحمة كما نرى في انتشار مبادرات فردية تدعو إلى إطعامها وتقديم المياه لها مع ارتفاع درجات الحرارة».

وتتعزز الانتقادات الموجهة للإعلانات الترفيهية في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات الفقر؛ فرغم أن أحدث تقرير حكومي مصري عن معدلات الفقر صدر في عام 2020، وبلغ حينها نحو 30 في المائة، فإن تقارير غير رسمية تتوقع ارتفاع هذه النسبة مع تراجع سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد المصري بتداعيات إغلاق جائحة «كورونا»، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وأخيراً الحرب الإيرانية.


غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended