المايسترو لبنان بعلبكي... عصا من نغَم تراقص الشرق والغرب

قائد الأوركسترا اللبناني يرافق كبار الأغنية العربية ويحلم بإنشاء دار أوبرا

المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
TT

المايسترو لبنان بعلبكي... عصا من نغَم تراقص الشرق والغرب

المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)
المايسترو لبنان بعلبكي قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية (صور الفنان)

فيه شيءٌ من السحَرة ولاعبي الخفّة ذاك الرجل الواقف على المسرح رافعاً العصا الخشبية وملوّحاً بها. ليس لبنان بعلبكي ديفيد كوبرفيلد، لكنّ المايسترو اللبناني يقرّ بأنّ قائد الأوركسترا نصفُه موهبة موسيقية تسحر الآذان، ونصفُه الثاني «حالة بصريّة جذّابة وغامضة بالنسبة إلى الجمهور».

بالتزامن مع صيفٍ حافل بالمهرجانات والإطلالات إلى جانب كبار الفنانين، يتحدّث قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» عن محاولة اختراع الفرح والحلم، بعد حربٍ دمّرت بيت العائلة في الجنوب وقضت على جزءٍ كبير من أغلى الذكريات.

بحركةٍ من عصاه لن يستطيع لبنان بعلبكي ترميم اللوحات والكتب والمخطوطات والصور التي مزّقتها القذائف الإسرائيلية، لكنه ما إن يحرّك أول نوطةٍ بيُمناه حتى ينتقل إلى الموسيقى، حيث كلُ شيءٍ ممكن.

قائد الأوركسترا... مزيج من السحر السمعي والبصري (صور الفنان)

لبنان وسُميّة... شقيقان في الدم والفن

قبل أسبوعين، راقصت أوركسترا بعلبكي صوت شقيقته سُميّة تحت سماء بلدة بكرزاي في جبل لبنان. «لم يكن الحفل زاخراً بالمشاعر لأنه جمعني بأختي فحسب، بل لأنه شكّل في جزءٍ منه تحيّة للفنان زياد الرحباني الذي كان قد غادرنا قبل أيام».

ليس حدثاً عادياً أن يقف المايسترو إلى جانب شقيقته، قائداً الأوركسترا المرافقة لها. «يوم غنّت سميّة للمرة الأولى على مسرح، كنت طفلاً متفرّجاً بين الجمهور»، يخبر بعلبكي. يمتزج الإعجاب الفني بالعاطفة الأخويّة، لكنّ أياً منهما لا يؤثّر على الاحترافية في العمل. يؤكد أن «تمارين الحفلات تكون على أقصى درجة من الجدّية، لكن مع سميّة يتبدّل قليلاً دور قائد الأوركسترا الذي يعطي إملاءات طيلة الوقت، وذلك احتراماً للروابط العائلية والعاطفية التي تجمعنا».

لبنان بعلبكي يراقص شقيقته سميّة خلال حفلهما الأخير في بكرزاي (صور الفنان)

لبنان وماجدة... شراكة عابرة للزمن

أما الشراكة مع ماجدة الرومي، والمتواصلة منذ 10 أعوام، فلها نكهةٌ أخرى. ارتبط اسم المايسترو لبنان بعلبكي باسمِ الفنانة اللبنانية كشريكٍ دائمٍ في الحفلات. أحدثُ تلك الإطلالات كان في حفلها ضمن «أعياد بيروت» هذا الصيف، بعد غياب طويل لها عن العاصمة اللبنانية.

لا يتردّد بعلبكي في القول إن حضوره إلى جانب ماجدة الرومي رفع من مكانته الموسيقية ومنحه خبرة كبيرة في نوع موسيقي جديد. فالمايسترو الآتي من عالم الموسيقى الكلاسيكية، التي انغمس فيها شغفاً ودراسةً، فتح باب الطرب والنغم الشرقي من خلال أعمال الرومي. لكنه لم يكتفِ بقيادة الأوركسترا وهي تعزف أغنياتٍ مثل «كلمات»، و«يا ست الدنيا يا بيروت»، وغيرها من روائع الرومي، بل وضع «رؤية توزيعية جديدة من أجل تقريب الأعمال أكثر من الناس وخدمة استمراريتها».

منذ 10 أعوام يرافق بعلبكي الفنانة ماجدة الرومي قائداً للأوركسترا الخاصة بها (صور الفنان)

يعزو بعلبكي استمرار التعاون لهذا الوقت الطويل، لكَونِه والرومي قد التقيا على «الإخلاص الكبير للعمل وعدم التسويف في الأداء». أما في التمارين والتحضيرات، فـ«ماجدة فنانة ملتزمة ومنضبطة جداً، وهذا ناتج عن وفائها لمسيرتها الموسيقية الثرية».

حفلاتٌ موسيقية أم جلسات علاج نفسيّ؟

لا يرى بعلبكي أن وقوفه المتكرر على المسرح إلى جانب نجومٍ كبار يسرق من وهجه كقائد أوركسترا. يشرح أنّ «الجمهور بات لديه وعي بدور المايسترو، كما أنّ الناس صارت تحضر إلى الحفلات لمشاهدة منتَجٍ متكامل وعرضٍ شامل، وليس من أجل الفنان النجم فحسب». لا ينكر في المقابل القلق الذي انتابه عندما بدأ بقيادة الأوركسترا إلى جانب مطربين عرب، خوفاً من أن يخسر الجانب الكلاسيكي الذي يشكّل لبّ هويّته الفنية. «لكن عندما اقتربت من الناس وشعرت بأنّ ما أقدّم يصنع نوعاً من الفرق لدى المتلقّي، كما يحاول الارتقاء بالبوب إلى مستوى يحترم العقول، استنتجتُ أنّ في تلك النقلة من الكلاسيكي إلى العربي غنىً». ويضيف بعلبكي: «اكتشفت كذلك أنّ المقاربة الأوركسترالية للموسيقى العربية لا تقلّ شأناً عن التعامل مع الموسيقى الكلاسيكية».

لا يرى بعلبكي أن وقوفه إلى جانب نجومٍ كبار يسرق من وهجه (صور الفنان)

يلفت كذلك إلى القابليّة المتزايدة لدى الجمهور لحضور حفلات موسيقية من دون مرافقة غنائية: «كثير من الحفلات ذات الطابع الكلاسيكي الهادئ يتفاعل معها الناس ويبحثون عنها للترفيه عن أنفسهم. ألاحظ أنهم يتعاملون مع هكذا حفلات كعلاج لصحتهم النفسية، وهذا يُفرحني لأنني أشعر بأني أصيب الهدف الذي أعمل عليه».

«مسرح نموذجيّ»

إذا كان جزءٌ من الهدف قد تحقّق بتقريب المسافات بين الجمهور اللبناني والموسيقى الكلاسيكية، فإنّ الجزء الثاني ما زال حلماً في البال. يطمح بعلبكي إلى إنشاء مسرحٍ نموذجيّ في وسط بيروت، يجمع ما بين دار أوبرا تستضيف الحفلات الموسيقية وخشبةٍ للأعمال المسرحيّة.

يحلم بعلبكي بإنشاء مسرح نموذجي وسط بيروت (صور الفنان)

بانتظار تحقيق الحلم الأكبر، يودّ المايسترو التركيز في المرحلة المقبلة على وضع رؤية إخراجية وموسيقية لحفلات خاصة، وعدم الاكتفاء بمرافقة فنانين كبار. «أطمح لتقديم عروض صادقة توزيعاً وعزفاً وأداءً، تحترم عقول الناس وتقدّر كل بطاقة اشتروها لحضور الحفل». ينبع ذلك من قلقٍ لديه حيال «الفراغ الكبير الذي يجتاح الموسيقى العربية حالياً، بمعنى أن لا جديدَ موسيقياً ذا ثقل، بل الاعتماد هو على تكرار المخزون القديم الذي لم يؤثّر فيه عبور الزمن، مثل ألحان إحسان المنذر، وزياد الرحباني، ومارسيل خليفة، وغيرهم». يخشى بعلبكي من ألّا يكون لدى الجيل الصاعد إرثٌ فني يستند إليه.

يصب بعلبكي تركيزه حالياً على التحضير لحفلات خاصة والتفرغ للتأليف (صور الفنان)

إلى مزيدٍ من الحفلات يتّجه المايسترو قريباً، والموعد المقبل في تونس ضمن فعاليات «مهرجان الجمّ». تلي ذلك عودة خريفية لحفلات الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية بقيادته. على الروزنامة كذلك، مواعيد كثيرة مع الذات تحفيزاً للمؤلّف الذي يسكنه، كي يبدأ بسَكب المعزوفات المقيمة في الرأس، على الورق.


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».