الدرعية تشهد نجاح أول مزاد عالمي في السعودية

«أصول» لدار «سوذبيز» يحصد 17 مليون دولار بعد مزايدات من داخل وخارج المملكة

TT

الدرعية تشهد نجاح أول مزاد عالمي في السعودية

جانب من مزاد «سوذبيز» في الدرعية (تصوير: تركي العقيلي)
جانب من مزاد «سوذبيز» في الدرعية (تصوير: تركي العقيلي)

كانت المرة الأولى في نواحٍ كثيرة، فهي المرة الأولى التي يقام فيها مزاد عالمي للفنون والمقتنيات الفاخرة في السعودية، وكانت أيضاً المرة الأولى لدار سوذبيز التي افتتحت أول مقر لها في الرياض منذ أشهر قليلة، يمكن القول أيضاً إنَّها المرة الأولى التي تطلق مغنية سعودية حدثاً عالمياً كهذا، حيث قدمت المغنية الأوبرالية ريماز عقبي أداءً قوياً لمقطوعة من كارمن لبيزيه، وبالتأكيد هي أيضاً المرة الأولى التي يجتمع فيها عدد ضخم من الجمهور من المزايدين والإعلام لحضور مزاد فني عالمي في الرياض.

كانت ليلة السبت الثامن من فبراير (شباط) خاصة جداً لكل من حضر أول مزاد لسوذبيز الرياض، المكان كان ساحراً، فنحن في مِسَاحَة مفتوحة تتميز بخلفية من الجدران النجدية الطراز في قلب الدرعية التاريخية، المسرح المفتوح أيضاً سمح بإطلالة القمر على الحضور، وكوَّن مشهداً التقطه الكثير من الحاضرين عبر شاشات هواتفهم.

عرض لوحة عبد الحليم رضوي في مزاد «سوذبيز» بالدرعية (تصوير: تركي العقيلي)

ولكن لنأتي للمزاد المعنون «الأصول»، وهو يضم مجموعة مختارة بعناية، تضمن أعمالاً عربية وغربية، ومجوهرات، وحقائب يد، وأيضاً تذكارات رياضية. كان الهدف هو اختبار ما يريده الجمهور وما سيقبل عليه، وبعد انتهاء المزاد يمكن القول إنَّ الجمهور أعجب بالـ«الخلطة»، وهو ما يعكسه تحقيق كثير من الأعمال المعروضة مبالغَ أكبر من الأرقام المتوقعة لها.

نستجيب للذوق المحلي

قبل المزاد عرضت القطع في مزاد مفتوح للجمهور على مدى أسبوع كامل، واستمر توافد الزوار على المعرض حتى الساعات الأخيرة قبل المزاد، وهو إقبال قال عنه أشكان باغستاني رئيس مبيعات الفنون الجميلة لمزاد «أصول»، سوذبيز في حوار مع «الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أنني استقبلت مثل هذا العدد من الزوار في مَعْرِض، فقد استقبلنا ما بين 300 إلى 500 زائر يومياً، وهو أمر لا يصدق».

يشير إلى صيغة المزاد المسائي التي اختارتها الدار لمزادها الأول في المملكة التي تعني «التركيز على الجودة بدلاً من الكمية. نحن نعرض 120 عاماً من الأعمال الفنية. وأعتقد أن أهمية هذا الأمر كانت إلقاء شبكة واسعة، لتقديم مجموعة متنوعة من الأعمال التي يمكن أن تجذب جمهوراً بأكبر قدر ممكن. نحاول فهم ذوق الناس في المملكة. عندما ترى (رؤية 2030) المذهلة، وكل ما أُنْجِز في عالم الثقافة والفن، في المملكة، فمن المنطقي أن يأتي السوق والعالم التجاري أيضاً، وأن يكونا جزءاً من الرحلة».

لوحة لؤي كيالي «ثم ماذا؟» بيعت بمبلغ 900 ألف دولار (تصوير: تركي العقيلي)

عن عملية الاختيار يقول باغستاني: «اخترنا، أولاً وقبل كل شيء، من الفنانين العرب الأكثر أهمية والأكثر صلة والأكثر رمزية، من لؤي كيالي إلى كمال بلاطة إلى سامية حلبي إلى محمود مختار وما إلى ذلك. ثم اخترنا بعض الفنانين الدوليين، الانطباعيين الأكثر حداثة، الفنانين المهمين، مثل رينيه ماغريت، ثم اخترنا مجموعة لطيفة من الفنانين المعاصرين من الأسماء الدولية المعروفة جداً، بانكسي هو أحدهم. داميان هيرست كان مشهوراً جداً في المنطقة. ومن ثم كان من المهم للغاية أن نضم الفنانين الذين يحظون حالياً بتغطية إعلامية كبيرة، وهناك الكثير من الضجيج حولهم في المملكة العربية السعودية، مثل روبرت إنديانا، وهوغو، وألكسندر كالدر، وجيمس توريل، وكل هؤلاء الفنانين لديهم أعمال فنية كُلِّفوا بها. بعضها في محطة مترو الأنفاق في الرياض. وبعضها في العلا. لذا فنحن نستجيب للذوق المحلي».

لوحة الفنان السعودي محمد السليم بيعت بثلاثة أضعاف تقديرها 660 ألف دولار (تصوير: تركي العقيلي)

ضم المزاد أعمالاً لأربعة فنانين من السعودية، وهم عبد الحليم رضوي ومحمد السليم ومها الملوح وأحمد ماطر، يعلق باغستاني: «اخترنا أربعة أعمال، اثنين حديثين واثنين معاصرَين. عبد الحليم رضوي من عام 1984 ومحمد السليم. ثم إلى الفنانين المعاصرين مها الملوح وأحمد ماطر، نحن فخورون جداً. لم يكن المزاد ليقام من دون هؤلاء الفنانين الأربعة. هناك كثير من الفنانين السعوديين الموهوبين الآخرين. لا يمكننا إدراج الجميع، ولكن نأمل أن تتمكن النسخة التالية من إدراج أعمال أخرى لفنانين سعوديين آخرين».

لحظة تاريخية

يعلق إدوارد غيب رئيس مجلس إدارة «سوذبيز» في الشرق الأوسط والهند على الحفاوة والترحيب في الرياض قائلاً: «لقد شعرنا بدفء الناس في الرياض، ولم نشعر أبداً بمثل هذا الترحيب في أي مكان آخر. حقاً، وبصراحة، إنه أمر مثير للغاية بالنسبة لسوذبيز. إنها لحظة تاريخية، أعتقد أننا نصنع التاريخ هذا المساء هنا في الدرعية مع أول مزاد على الإطلاق في المملكة».

من معرض «أصول» في دار «سوذبيز» بالرياض (تصوير: تركي العقيلي)

يشير غيب إلى أن عملية اختيار القطع المعروضة للبيع هو أمر يخضع لعدة عوامل «نبدأ بقائمة رغبات نعمل بناءً عليها. وقد كنا محظوظين للغاية لأن هواة جمع الأعمال الفنية وعملاء سوذبيز أثبتوا حماسهم لعرض بعض مقتنياتهم، فلدينا أعمال استثنائية، غالباً جاءت مباشرة من عائلات الفنانين. أنفسهم». يستكمل: «اخترنا أعمالاً من فنانين رائعين في المملكة، كما اخترنا أيضاً فنانين أميركيين وأوروبيين، شعرنا أنهم سيجدون صدى لدى الجمهور المحلي. هنا. لقد كنا نراقب من كثب تطور المشهد الثقافي والفني السعودي. لقد لاحظنا المعارض الفنية هنا وأنواع الفنانين الذين يعرضون أعمالهم، كما لاحظنا البينالي، البينالي المعاصر هنا في الرياض، والبينالي الإسلامي في جدة. وقد أسهمت كل هذه العوامل في عملية تفكيرنا».

لقطات هامة

المنافسة الحامية التي حدثت في قاعة المزاد، وعلى الإنترنت أيضاً بين سبعة مزايدين للحصول على عمل تركيب ضوئي للفنان الأميركي جيمس توريل التي نتج منها بيع العمل بمبلغ 660 ألف دولار.

كما بيع العمل الرقمي الضخم للفنان رفيق أناضول «الهلوسة الآلية، الفضاء» المستوحى من تعاونه مع وكالة ناسا، بـ900 ألف دولار.

جانب من مزاد «سوذبيز» في الدرعية (تصوير: تركي العقيلي)

ومن أعمال الفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو من مجموعة ابنه الذي حضر المزاد بيعت لوحة «امرأة المجتمع» (Society Woman) بمليون دولار، بعد منافسة من 3 مزايدين، وبيعت لمشترٍ في الغرفة.

كما حققت لوحة للفنان البريطاني بانكسي بعنوان «يتوقف على التوافر» (Subject to Availability) لبانكسي من سلسلة «لوحات زيتية مخربة» (vandalised oil’s)، بمبلغ 1.2 مليون دولار.

وحققت لوحة «حالة الحجاب» (L'État de veille) للفنان رينيه ماغريت التي تصور سماء زرقاء ملبدة بالغيوم، بمبلغ 1.2 مليون دولار.

الفنانون السعوديون

* في صدارة عرض الفن السعودي، تنافس أربعة مزايدين على لوحة للفنان محمد السليم - عُرضت مباشرة من مجموعة ابنة الفنان – ليتم بيعها بثلاثة أضعاف تقديرها 660 ألف دولار. وشهد المزاد أيضاً بيع مشهد السوق الصاخب للفنان عبد الحليم رضوي ترجع لعام 1984، مقابل مبلغ قياسي قدره 264 ألف دولار (السعر التقديري: 150 ألف - 200 ألف دولار) - تنافس عليها 4 مزايدين، بما في ذلك مزايدة عبر الإنترنت وأخرى في الغرفة.

* بالنسبة للوحة الفنان المعاصر أحمد ماطر، فقد بيع عمله المعنون «ثنائية الزخرفة» (حكاية مكية) بسعر 102 ألف دولار. وحقق عمل للفنانة السعودية مها الملوح بعنوان «مقادير» (من سلسلة «غذاء للفكر») بمبلغ أعلى من التقديرات، وقدره 84 ألف دولار.

فنانون من مختلف أنحاء المنطقة

* أشعلت واحدة من أهم اللوحات في مجال الفن العربي الحديث تحمل عنوان «ثم ماذا؟» للفنان لؤي كيالي، معركة مزايدة طويلة، حيث بيعت بمبلغ 900 ألف دولار، محققة رقماً قياسياً جديداً للفنان.

خبراء «سوذبيز» يتلقون المزايدات بالهاتف (تصوير: تركي العقيلي)

* من «مجموعة سماوي»، حققت لوحة «الفخ الأزرق (في محطة قطار)» للفنانة سامية حلبي من سبعينيات القرن الماضي (القطعة 6) مبلغ 384 ألف دولار، بعد تنافس بين ثلاثة مزايدين، من بينهم مشارك في الغرفة.


مقالات ذات صلة

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

ثقافة وفنون موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

بيعت لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

في مزاد علني استقطب اهتمام هواة جمع العملات، بيعت قطعة نادرة وُصفت بأنها «أجمل عملة بريطانية» مقابل 110 آلاف جنيه إسترليني...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين

عبير مشخص (لندن)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».