مصر: نقلة في الخطاب الديني تطول «مسلَّمات» وتُفجّر جدلاً

علماء ومعلقون انقسموا إزاء تصريحات علي جمعة «الجريئة»

علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)
علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)
TT

مصر: نقلة في الخطاب الديني تطول «مسلَّمات» وتُفجّر جدلاً

علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)
علي جمعة (صفحته على «فيسبوك»)

حالة من الجدل أثارها برنامج ديني يُذاع على التلفزيون المصري خلال شهر رمضان، يُجري خلاله مفتي مصر السابق د.علي جمعة حواراً مفتوحاً مع فئات متنوعة من الجمهور، بينهم أطفال ومراهقون، ويرد على أسئلتهم التي تتطرق غالباً إلى قضايا حياتية ذات حساسية اجتماعية مثل العلاقة بين الشباب والفتيات، أو متعلقة بموقف الإسلام من الأديان الأخرى.

البرنامج تسبب في انقسام واضح ما بين مؤيدين عدّوه أحد أشكال «تجديد الخطاب الديني»؛ إذ يقدم رؤية وُصفت بـ«التنويرية» لقضايا ومسلّمات عديدة ظلّت راسخة في أذهان قطاعات واسعة من الجمهور دون مراجعة جادة من جانب علماء ومتخصصين. فيما رأى منتقدون للبرنامج أن الطرح الذي يقدمه «يخالف المألوف» ويمثل «تبسيطاً مخلاً» لعديد من القضايا الخلافية التي سبق لكثير من العلماء أن أبدوا رأياً بشأنها.

إحدى حلقات برنامج «نور الدين» الذي يُعرض في رمضان على التلفزيون المصري

حالة من الجدل

وخلال بعض حلقات البرنامج الذي حمل عنوان «نور الدين» وبدأ عرضه أول أيام شهر رمضان على القناة الأولى (الرسمية) بالتلفزيون المصري، أكد جمعة في إجاباته عن أسئلة الحاضرين من الشباب والأطفال أن «الجنة ليست حكراً على المسلمين فقط»، وأن غيرهم من الأديان الأخرى أيضاً سيدخلون الجنة، وفسّر ذلك مستعيناً ببعض آيات القرآن الكريم.

كما سُئل عن العلاقة بين الجنسين في سن المراهقة وحكم الشرع حيال شاب أخبر فتاة بأنه يحبها، ليردّ الشيخ قائلاً: «لو أبوها عارف يبقى عادي»، مضيفاً أن خروج الولد والبنت معاً ضمن «شلة»، (جماعة)، ليس حراماً، وأن «الصداقة بين الجنسين مباحة ما دام فيها عفاف، أي خالية من المحرمات والسرّية».

كما سُئل المفتي السابق إن كان الاحتفال بالكريسماس حلالاً أم حراماً فأكد أنه «جائز لأنه احتفال بالأنبياء»، شارحاً أن «الاحتفال بالسنة بالميلادية الجديدة يعني الاحتفال بعيد ميلاد المسيح وهو ميلاد معجزة، والقرآن أقرّ بها، وجعلها عيد محبة وسلام».

وفي إحدى حلقات البرنامج، قال علي جمعة إن «الخطاب الذي ندعو به الناس لا بد أن تكون فيه دعوة إلى الرحمة والحب لا إلى الكراهية»، وأضاف: «يوم القيامة وارد ربنا يلغي النار ويدخل كل الناس الجنة (هو فعّال لما يريد)، وكثير من علماء المسلمين قالوا إنه وارد، فالعلاقة مع الله يجب أن تُبنى على الحب، والأمل، والتفاؤل، والرحمة».

هذه الإجابات التي بدت صادمة لكثير من المتابعين تسببت في حالة من الجدل، لم تقتصر فقط على رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت كذلك إلى المتخصصين الذين تباينت آراؤهم بشأن ما قدمه جمعة.

جانب من إحدى حلقات برنامج «نور الدين» الذي يُعرض في رمضان على التلفزيون المصري

اجتزاء وترصُّد

الشيخ أحمد ترك، وهو داعية إسلامي ومن علماء الأزهر الشريف، رأى أن علي جمعة «لم يقدم في برنامجه جديداً»، مضيفاً أن ما قاله وعدّه البعض «صادماً» معلَن ومدوَّن في كتب المفتي السابق منذ سنوات طويلة، إلا أنه أشار إلى أن التعامل مع الوسائل الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي يتطلب أسلوباً خاصاً كي لا يُساء فهم ما يقدَّم من محتوى.

وأرجع ترك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» حالة الجدل التي تسببت فيها آراء جمعة إلى ما وصفه بـ«الاجتزاء من السياق»، وهو ما يُخرج الحديث عن معناه المقصود، إضافةً إلى ما رأى أنها «حالة ترصد» بالمفتي السابق من جانب كثير ممّن يعترضون ليس فقط على آرائه وفتاواه، بل على مواقفه السياسية بالأساس.

وتعرض جمعة لمحاولة اغتيال في أغسطس (آب) عام 2016، وأدان القضاء المصري عدداً من عناصر تنظيم «حسم» التابع لـ«الإخوان» بتلك المحاولة، فقد كانت لجمعة مواقف سياسية عديدة مناوئة لـ«الإخوان».

ولطالما شن إعلاميون وصفحات معروفة بدعمها لتنظيم «الإخوان» هجوماً شرساً على المفتي السابق، وتجدد هذا الهجوم مع بث برنامج «نور الدين»، وظهر عدد من الإعلاميين الداعمين لتنظيم «الإخوان» في مقاطع مصورة وهم يوجهون انتقادات حادة إلى جمعة، لم تقتصر فقط على محتوى ما قدمه من آراء، بل ذهبت كذلك إلى «تسييس» القضية وعدّها «موقفاً رسمياً ضد الدين».

ضربة فقهية

في المقابل، رأى الكاتب والباحث المصري د.محمد الباز، البرنامج «ضربة فقهية راقية ومتحضرة كشف د.علي جمعة بها عورة جماعة الإخوان الإرهابية من جديد». وأضاف في تدوينة له على حسابه بموقع «فيسبوك» أن جمعة «لم يقل هذا الكلام من عنده بل استند إلى القرآن الكريم»، لافتاً إلى أن «جماعة الإخوان الإرهابية، دفعت لجانها الإلكترونية للهجوم على جمعة». ووصف الباز «الإخوان» بأنهم «جهلة يُدينون أنفسهم بما يقولون».

لكنَّ الخلاف مع ما طرحه مفتي مصر السابق لم يقتصر على «خصومه» السياسيين، بل امتد كذلك إلى بعض «مؤيديه» ممن رأوا أن البرنامج «يحتاج إلى إعادة نظر»، في كثير من الأسئلة التي تُطرح، وفي الجواب عنها، وفي كيفية إدارة الحوار، نظرا لمكانة الشيخ، ومفصلية الأسئلة وحساسيتها، وكون البرنامج مذاعاً على الفضائيات، ويشاهده الملايين.

وذهب إلى هذا الرأي أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر د.محمد إبراهيم العشماوي، الذي عدَّ البرنامج «محاولة جادة لاقتحام هذا المجال الشائك الذي أحجم كثيرون عن اقتحامه»، لكنه أضاف: «نوافق الرجل في رؤيته ومنهجه إجمالاً، ونخالفه في كثير من مفرداته».

ورأى العشماوي أن الموقف مما طرحه جمعة يتزعمه فريقان: «فريق بالغ في التعصب له، وفريق بالغ في الإساءة إليه»، مضيفاً في تدوينة له على صفحته الشخصية، أنه «يبقى الرجل في نهاية المطاف بشراً من البشر، له صوابه، وعليه خطأه، ولا معصوم إلا الأنبياء».

جدل متكرر

هذا الجدل بشأن الآراء الدينية والفتاوى ليس جديداً على المجتمع المصري، فمن فترة إلى أخرى يبرز هذا الاختلاف إزاء آراء مغايرة لما اعتاده الجمهور من آراء باتت بمرور الزمن نوعاً من «المسلَّمات».

وعرفت الحياة المصرية على مدى عقود طويلة كثيراً من حالات الجدل التي تثيرها آراء دينية، فقد خاض الإمام محمد عبده (1849 – 1905)، الذي شغل منصب مفتي الديار المصرية في عام 1899 سجالات شهيرة مع كثير من رجال الأزهر بسبب فتاواه التي وُصفت حينها بـ«المتحررة»، كما اتُّخذ قراراً بسحب شهادة العالمية الأزهرية من الشيخ علي عبد الرازق (1888 - 1966) بعد تأليفه كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الذي صدر عام 1925 يدعو إلى فصل الدين عن السياسة.

ويرى أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة د.شريف عوض، أن الفكر المتطرف الذي تسلل إلى المجتمع المصري خلال السنوات الماضية وضع تفسيرات خاطئة لعديد من القضايا الدينية، كما أدت هيمنة ذلك الخطاب المتشدد لدى العديد من الفئات إلى بناء «عقلية انغلاقية» لا تستطيع مواجهة الفكر والرأي المختلف بانفتاح وحوار بنّاء.

وأضاف عوض لـ«الشرق الأوسط» أن إفساح المجال للخطاب الديني البعيد عن الوسطية أدى إلى أن يلجأ كثيرون إلى مواجهة أي أفكار مختلفة خصوصاً في المجال الديني بحالة من الرفض والمقاومة، في حين تلقى أفكار تقليدية مثل تعدد الزوجات وضرب الزوجة والعنف الأسري وتسلط الرجل... رواجاً كبيراً بوصفها ذات أصل ديني رغم عدم صحة ذلك.

وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن طرح خطاب ديني معتدل ومنفتح «مسألة ضرورية، لكنها ليست سهلة»، مشيداً بفكرة أن يبدأ الحوار الديني مع الأطفال والمراهقين بانفتاح ودون تحجيم لأسئلتهم، بل عبر الرد بمنطق وأسلوب مقنع، عادّاً أن ذلك «إسهاماً جاداً في تفكيك العقلية المنغلقة التي تخشى طرح الأسئلة، أو تعتمد على تقديم إجابة تقليدية».


مقالات ذات صلة

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان أحمد العوضي خلال حملة «بيتكم منور بيكم» (فيديو الحملة)

إعلان متخم بالنجوم لـ«ترشيد الكهرباء» يثير تفاعلاً في مصر

«لو سمحتوا أي حد سايب نور في أي أوضة مش قاعد فيها... بعد إذنك قوم اطفيه»، بهذا المضمون؛ أطلقت وزارة الكهرباء المصرية حملة إعلانية توعوية.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق ريتا بيا وغريسيا أول شقيقتَيْن تتقاسمان تقديم برنامج ترفيهي (صور الأختين)

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

مشاهدو قناة «إم تي في» المحلّية يعرفون الأختين من كثب، كونهما تعملان مراسلتَيْن ومقدّمتَي نشرات أخبار فيها...

فيفيان حداد (بيروت)
خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

خاص كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».